• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

في مهب التجاهل.. ضحايا التحالف الدولي في سوريا

زين العابدين العكيدي٦ نوفمبر ٢٠٢٦

مشهد من مدينة الرقة بعد معارك 2017

عامان مرّا على سقوط نظام الأسد في سوريا، ولا تزال عجلة التعافي تتعثر في بلدٍ يحاول النهوض من بين ركام أربعة عشر عاماً من الحرب الطاحنة التي أتت على كل شيء، وفي ظل سعي الحكومة الانتقالية، بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلى بسط سلطة الدولة ومعالجة الأزمات الموروثة، تبرز ملفات شائكة، على رأسها “العدالة الانتقالية”، التي تصطدم بعقبات كبرى تحيلها في كثير من الأحيان إلى مجرد مسار شكلي تفرضه حساسيات المرحلة.

وتمتد أزمة المساءلة من اندماج شخصيات وفصائل متورطة في انتهاكات جسيمة ضمن الهيكلية العسكرية والأمنية الجديدة، إلى “حصانة مطلقة” تتمتع بها القوى الدولية التي شاركت مباشرةً في سفك دماء المدنيين.

وعلى رأس هذه القوى تأتي روسيا وإيران، إلى جانب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، وقد ظل الأخير بمنأى عن أي مساءلة حقيقية، مستنداً إلى الغطاء الفضفاض لـ”الحرب ضد داعش”، التي طالما استُخدمت شماعةً لتبرير سقوط آلاف الضحايا المدنيين والدمار الممنهج، في ظل غياب شبه تام لأي آليات إنصاف أو تعويض تضمن حقوق الضحايا وتُعيد الاعتبار لكرامتهم.

قتل بلا حدود والذريعة “داعش”!

منذ دخوله على خط العمليات العسكرية في سوريا، أدى التحالف الدولي دوراً حاسماً في المواجهات مع تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، عبر القصف الجوي ودعم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وفصيل “مغاوير الثورة”، الذي تغيّر اسمه لاحقاً إلى “جيش سوريا الحرة”، وكان ينشط في منطقة التنف.

لكن هذا التدخل تسبب في كوارث جمّة طالت حياة السوريين في مناطق مختلفة من البلاد، كانت أقساها في الرقة ودير الزور وريف حلب، وخلال الفترة الممتدة بين عامَي 2015 و2017، كان القصف الجوي لا يهدأ؛ غارات روسية، وأخرى لطيران النظام والتحالف الدولي، أسفرت عن مجازر كبيرة راح ضحيتها مئات المدنيين.

كما أسهمت غارات التحالف في تدمير البنى التحتية في تلك المناطق، من جسور ومدارس ومشافٍ وغيرها من المنشآت الكبرى، خصوصاً في مدينة الرقة التي دُمّرت بشكل شبه كامل.

وعن تلك الأحداث، يقول الناشط محمد الشامي، الذي عاصرها: “كانت عمليات القصف تطال كل شيء، والمنطقة أصلاً مكتظة بالسكان الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين مطرقة التحالف والروس والنظام وقسد، وسندان تنظيم داعش، الذي كان يمنع الناس من الخروج من مناطق سيطرته، بل وصل به الأمر إلى إعدام المهربين والأشخاص الذين يساعدون الأهالي على النزوح”.

ويضيف: “تكررت المجازر كثيراً بفعل طيران التحالف، ولم تحظَ تلك الأحداث الدامية بأي اهتمام يُذكر في وسائل الإعلام، إذ جرى تبويبها ضمن خانة “الحرب على التنظيم”. وعلى الأرض، كانت الأمور أسوأ بمراحل؛ فكل مدني خرج من مناطق سيطرة التنظيم كان يصطدم بميليشيا قسد أو بقوات النظام آنذاك، حيث كانت الاعتقالات على الشبهة منتشرة، وكان النازحون يتعرضون للاستهداف المباشر، وغالباً ما وقعوا ضحايا لشبكات تهريب البشر التي ازدهرت خلال معارك دير الزور والرقة”.

مشاهد تظهر الدمار في مدينة الرقة بعد حرب داعش ضدها- أمنيستي

بنك الأهداف.. تجارة الإحداثيات والدمار

اعتمد التحالف الدولي في رصد أهدافه داخل مناطق سيطرة تنظيم داعش في تلك الفترة، على الاستطلاع الجوي عبر الطيران المسيّر الذي لم يكن يفارق السماء حينها، وكان اعتماده الأكبر على شبكات من المخبرين والراصدين الناشطين في مناطق سيطرة التنظيم، لتزويده بإحداثيات الأهداف مقابل المال.

وفي مطلع عام 2017، مع بداية الضغط الكبير على تنظيم داعش في سوريا والعراق، كان الوضع في المنطقة في غاية الفوضى؛ التنظيم مسعور، ويلاحق كل من يشتبه في تواصله مع أشخاص خارج مناطق سيطرته، فالإنترنت ممنوع إلا عبر صالات خاصة تخضع لرقابة مشددة، والتلفاز ممنوع تماماً، والأخبار الواردة من داخل المنطقة شبه معدومة.

في المقابل، كانت شبكات جواسيس التحالف تعتمد على فئتين من الناس الذين يعيشون تحت حكم التنظيم: الأولى تضم بعض الناشطين الذين يعملون مع شبكات إخبارية محلية مموّلة من التحالف، وتمتهن إعطاء الإحداثيات مقابل المال. أما الفئة الثانية فتضم المدنيين الهاربين من مناطق سيطرة التنظيم، إذ كانت تتلقفهم استخبارات “قسد” على أطراف الرقة، وتعتقلهم وتستجوبهم، وتطالبهم بتحديد مقرات “داعش” في بلداتهم.

كان بعض أولئك الناس يعطون إحداثيات خاطئة، وكل همّهم الخلاص من الاعتقال، لينتهي بهم المطاف في مخيمات اعتقال مغلقة تحت حراسة “قسد”، وكانت غالبية الأهداف المعطاة للتحالف غير حقيقية؛ ففي الرقة مثلاً، استخدم عناصر “قسد” أسلوب الأرض المحروقة خلال معارك المدينة، شمل قصف مكثف للتحالف جواً، وتقدم بطيء لـ”قسد” أرضاً، وأهداف عشوائية.

وبحسب أحد عناصر “قسد” السابقين ممن شاركوا في معارك الرقة، كان كل شيء عشوائياً، دون مراعاة للمناطق المأهولة بالسكان، وكانت الفاتورة تدميراً شبه كامل لأحياء المدينة، وطال الاستهداف بعض قوافل النازحين أيضاً، كما قُصفت مدارس في ريف الرقة كانت تأوي نازحين، ما تسبب في مجازر كبيرة بحق المدنيين، وجاء القصف فوضوياً، بحسب شهادات مدنيين عايشوا تلك الأيام الصعبة، رغم مزاعم التحالف بشأن دقته.

وفي النهاية، انسحب تنظيم داعش من المدينة بموجب اتفاق سري، ونُقل مقاتلوه إلى دير الزور بعد مسح غالبية أحياء الرقة، ولا يزال بعض الأهالي في الرقة ودير الزور يلقون باللوم على قوات “قسد” وعلى أولئك “الجواسيس”، كما يسمّونهم، الذين تسببوا في مقتل المئات عبر بيع الإحداثيات. وحتى ذكرى “تحرير الرقة”، التي كانت “قسد” تحتفل بها سنوياً، ينظر إليها الأهالي بازدراء، ويطلقون عليها تهكماً، في إطار كوميديا سوداء، ذكرى “تدمير الرقة”، إذ لا تزال آثار الدمار جليّة فيها حتى اليوم.

فاتورة دامية وتعتيم ممنهج

تظل دماء المدنيين الأبرياء الذين قُتلوا في العمليات العسكرية التي قادها التحالف الدولي في سوريا واحدةً من أبرز القضايا الإنسانية التي غيّبتها المصالح السياسية وطمست معالمها، فعلى مدار سنوات، أُحيطت هذه المأساة بصمت ممنهج وتغاضٍ إعلامي، وكأن أرواح المدنيين مباحة، وقتلهم خارج نطاق المساءلة القانونية والأخلاقية، رغم فداحة الكوارث البشرية التي خلّفتها الغارات والتدمير المنهجي لحواضر كاملة.

وحين كانت بعض المنظمات الحقوقية والمنصات الاستقصائية المستقلة تخرق هذا الصمت وتسلّط الضوء على حجم الانتهاكات، كانت دول التحالف تقابلها بالإنكار المتعمد أو بإصدار تقارير مضللة تسعى إلى تقليل أعداد الضحايا وتشويه الحقائق.

وتكشف مقارنة الأرقام الرسمية بالتوثيق الحقوقي المستقل فجوة هائلة تعكس استهتاراً مطلقاً بحياة الإنسان؛ ففي حين اعترف التحالف رسمياً بوفاة 1,457 مدنياً فقط في سوريا والعراق، تؤكد تقارير الجهات الحقوقية أن الحصيلة الحقيقية تفوق ذلك بأضعاف مضاعفة.

موقعة مجزرة الباغوز- نيويورك تايمز

 

وفي السياق ذاته، كشف تحقيق استقصائي آخر للصحيفة عن تورط الوحدة ذاتها في استهداف سد الفرات (سد الطبقة) في 26 آذار/مارس 2017، باستخدام أكبر القنابل المضادة للتحصينات، متجاهلةً التحذيرات الكارثية من انهيار السد وما كان سيخلفه من طوفان بشري يودي بحياة عشرات آلاف المدنيين الأبرياء؛ وهي المغامرة الرعناء التي دفعت الأطراف المتناحرة حينها بما في ذلك تنظيم داعش وقوات النظام السوري والولايات المتحدة إلى إعلان وقف إطلاق نار مؤقت لدرء كارثة محققة كانت لتهدد أرواح الآلاف من الناس على جانبي نهر الفرات.

تشير تقديرات منظمة “إيروارز” (Airwars) إلى مقتل ما يتراوح بين 8,264 و13,360 مدنياً في عمليات التحالف بسوريا والعراق، بينهم آلاف النساء والأطفال، وتتجاوز حصيلة الوفيات المدنية المبلّغ عنها محلياً 19 ألف قتيل، مع تفاوت قوة الأدلة على هذه الوقائع، ما يكشف حجم الكلفة البشرية لتلك العمليات.

وفي سوريا، وثّقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 3,048 مدنياً، بينهم 925 طفلاً و656 امرأة، منذ بدء تدخل التحالف في أيلول/سبتمبر 2014، كما وثّقت ما لا يقل عن 172 مجزرة و181 اعتداءً على منشآت مدنية حيوية، وشهدت هذه المأساة تصاعداً مروّعاً خلال الولاية الأولى للرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتجسّدت فظاعة تلك العمليات أيضاً في القواعد العسكرية التي حكمت سيرها، إذ كشفت التحقيقات الاستقصائية دور “قوة المهام التاسعة” في توسيع نطاق القصف وتوظيف مفهوم “الدفاع عن النفس” غطاءً فضفاضاً لتجاوز ضوابط حماية المدنيين.

ويقدّم تحقيق صحيفة “نيويورك تايمز” حول مجزرة الباغوز، في 18 آذار/مارس 2019، نموذجاً صارخاً لهذه الممارسات؛ فقد قصفت طائرة أمريكية حشداً من النساء والأطفال بثلاث قنابل في الأيام الأخيرة من المعركة ضد تنظيم داعش، وقدّر تقييم عسكري أولي عدد القتلى بنحو 70 شخصاً.

وكشف التحقيق محاولات عسكرية لطمس الواقعة، شملت تقليل حصيلة الضحايا وحجب التقارير، إلى جانب تجريف قوات التحالف موقع القصف، وأثار الهجوم شبهات بوقوع جريمة حرب لدى ضابط قانوني طالب بالتحقيق فيه، فيما اعتبرت مجموعة من المحققين في مكتب المفتش العام للبنتاغون أن هذه الشبهات تستند إلى أدلة شديدة المصداقية.

إن هذه الوقائع تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن سلوك التحالف الدولي في استباحة دماء المدنيين وانتهاج سياسة الإنكار الممنهج لم يختلف جوهرياً عن الممارسات التدميرية لآلة حرب النظام السوري والطيران الروسي. وتظل هذه الدماء شاهدة على حقبة سوداء غاب فيها الضمير الإنساني أمام صلف القوة العسكرية، تحت ذريعة “الحرب على الإرهاب”.

ضحايا بلا تعويض.. مقابر بلا ملامح

حتى اليوم، لا تزال عشرات العائلات في شرقي سوريا تجهل مواقع قبور أقاربها ممن قضوا بقصف التحالف الدولي على الرقة، فقد انتُشلت الجثث من تحت الأنقاض ودُفنت في مقابر جماعية بمحيط المدينة، وحملت القبور وسم “مجهولي الهوية” لتعذّر التعرف على أصحابها.

وعلى منصة فيسبوك، لا يزال عدد من المجموعات المعنية بمفقودي الحرب في الرقة نشطاً، مثل مجموعة “وثائقية ضحايا الرقة”، التي تعج بمئات المنشورات عن مفقودين وضحايا قضوا بقصف التحالف على المدينة، خصوصاً عام 2017، الذي يُعدّ العام الأكثر دموية في مناطق الرقة ودير الزور.

وفي أيلول/سبتمبر الماضي، بالتزامن مع الذكرى السنوية لبدء التدخل العسكري للتحالف الدولي في سوريا عام 2014، دعت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” الدول المشاركة في العمليات إلى تأسيس لجنة مستقلة لتعويض المدنيين وجبر الضرر، تتولى تقييم الأضرار الناجمة عن العمليات العسكرية وتحديد المسؤوليات القانونية وفقاً للوقائع والأدلة.

وأشارت الشبكة إلى غياب آلية موحدة ومستقلة تابعة للتحالف، تتيح للمتضررين السوريين تقديم مطالباتهم والحصول على قرارات معلّلة بشأنها وطلب مراجعة مستقلة لهذه القرارات.

مقبرة جماعية اكتشفت في محيط مدينة الرقة- واشنطن بوست

وتصطدم مطالبات الجهات الحقوقية بغياب اعتراف حقيقي بالضرر من جانب الدول المشاركة في التحالف، التي لا تزال الغالبية العظمى منها تتستر على عملياتها العسكرية في سوريا والعراق، وهذا ما أكده “مرصد حماية المدنيين” (CPM)، وهو مشروع تعاوني تقوده وتديره منظمة “إيروارز”.

فقد أوضح المرصد، في تقريره عن الأضرار التي لحقت بالمدنيين خلال عملية “العزم الصلب”، أن التحالف بقيادة الولايات المتحدة تسبب في مقتل آلاف المدنيين، وسط استمرار غياب الشفافية والاعتراف الكامل بالمسؤولية.

وقد اقتصر الإقرار الجزئي والخجول بالمسؤولية على الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا، تحت ضغوط شعبية، فيما تنصّلت بقية الدول المشاركة عبر الزعم بأن ضرباتها لم تُوقع إصابات بين المدنيين، أو التمسك بالتعتيم والجمود المؤسسي وغياب آليات واضحة للرصد، وتشمل هذه الدول فرنسا وبلجيكا والدنمارك وكندا.

وامتدت الجرائم التي نفّذها التحالف الدولي في شرقي سوريا من القصف الجوي إلى عشرات عمليات الإنزال والمداهمة برفقة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي وُثّق خلالها مقتل عشرات المدنيين بتهمة الانتماء إلى تنظيم داعش.

ويضعنا ذلك أمام أعداد ضخمة من الضحايا الذين قُتلوا على يد جهة لا تزال تنكر مسؤوليتها عن كل هذه المجازر والدماء، وهنا نتساءل عن الدور الذي يمكن أن تؤديه الحكومة السورية مستقبلاً إزاء هذا الملف الشائك، بعدما أصبحت العضو التسعين في التحالف الدولي، وعن قدرتها على تحصيل حقوق الضحايا وتعويض ذويهم.

لكن هذه التساؤلات بقيت بلا إجابة، إذ رفض بعض مسؤولي وزارة الخارجية السورية الذين تواصلت معهم الإدلاء بأي تصريح حول الموضوع.

علاماتالحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، العدالة الانتقالية في سوريا ، العدالة في سوريا
مواضيعالأزمة السورية ، الشأن السوري ، العدالة في سوريا ، سوريا ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

من نزع السلاح إلى تنظيمه.. هل يعيد العراق إنتاج سلطة الميليشيات؟

إياد الدليمي٦ نوفمبر ٢٠٢٦
سياسة

من “عودوا إلى بلادكم” إلى الكونغرس.. كيف فرض الصوماليون حضورهم في السياسة الأمريكية؟

عماد عنان٥ نوفمبر ٢٠٢٦
سياسة

الانتخابات النصفية الأمريكية ومؤشرات تآكل الحصانة السياسية لـ”إسرائيل”

أحمد الطناني٥ نوفمبر ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑