في الخليل، امتدت الحواجز الإسرائيلية من مداخل الأحياء والشوارع إلى عتبات المنازل، وباتت تتحكم في أدق تفاصيل حياة سكانها، حتى عجزت عائلات عن استقبال أقاربها، وتعذر وصول سيارات الإسعاف إلى المرضى، ومنع السكان حتى من إخراج أسطوانات الغاز الفارغة لتعبئتها. وفي أحياء أخرى، اضطرت مئات العائلات إلى مغادرة منازلها تحت تهديد السلاح، حاملةً ما استطاعت من أمتعتها، قبل أن تعود إليها بعد أيام من الحصار.
من شارع الشهداء وتل الرميدة إلى الجلدة وعين دير بحة، تتفاوت أشكال القيود الإسرائيلية، لكنها تتقاطع في أثرها على حياة السكان وقدرتهم على البقاء في منازلهم. وبين عائلات تواصل العيش تحت وطأة الاعتداءات، وأخرى أُجبرت على النزوح ثم عادت إلى بيوتها، تبرز أسئلة حول مستقبل الوجود الفلسطيني في الخليل، وحدود القدرة على مواصلة الحياة في مدينة تتحكم فيها سلطات الاحتلال بما يدخل المنازل، ومن يزورها، والطرق التي يسلكها سكانها.
الحياة بإذن الاحتلال
يصف مفيد الشرباتي، أحد سكان شارع الشهداء في الخليل، الحياة في المنطقة بأنها “أشبه بالجحيم”، حيث إن الشارع الذي كان يُعرف بأنه شريان المدينة، ويربط شمالها بجنوبها، قطّعت الحواجز والإغلاقات أوصاله، وعزلت أجزاءه بعضها عن بعض، حتى بات الوصول إلى الجيران والأقارب مهمة شاقة.
ويقول الشرباتي لـ”نون بوست” إن شارع الشهداء مرّ بمراحل متعاقبة من التضييق منذ عام 1980، كانت كل مرحلة أشد قسوة من سابقتها، فيما شهدت السنوات الثلاث الأخيرة، ولا سيما منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تدهورًا كبيرًا في حياة من بقوا داخل المناطق المغلقة. وإلى جانب القيود المفروضة على الحركة، يتعرض السكان لاعتداءات متواصلة من المستوطنين وقوات الاحتلال، حتى باتت حياتهم، بحسب وصفه، أقرب إلى العيش في معتقلات.
ويخضع الدخول إلى المنطقة والخروج منها لإجراءات مشددة على الحواجز، إذ يحمل كل فرد رقمًا خاصًا يُستخدم للسماح له بالعبور خلال ساعات محددة، ويُمنع السكان من استقبال أقاربهم، حتى من الدرجة الأولى كالأخ والأخت، ويوضح الشرباتي أن حظر الزيارات كان قائمًا قبل السابع من أكتوبر، لكنه ازداد تشددًا منذ ذلك الحين.
ومع تصاعد الاعتداءات، بات السكان يتجنبون المواجهة أو الإبلاغ عما يتعرضون له، خشية الاعتقال أو فرض مزيد من القيود عليهم. ويستعيد الشرباتي مثلًا شعبيًا كان يردده كبار السن: “إذا شفت الموج عالي، هبّط”، موضحًا أن الأهالي أصبحوا يخشون إبلاغ وسائل الإعلام أو حتى الارتباط الفلسطيني بما يحدث معهم، خوفًا على أنفسهم وأبنائهم ومنازلهم. ويختصر حالهم عند المرور عبر الحواجز بقوله: “ندخل زي البساس ونطلع زي الأرانب”.
ويستحضر الشرباتي تجربة ابنه الذي اعتقلته قوات الاحتلال وهو في السادسة عشرة من عمره، واحتجزته أحد عشر يومًا في سجن عوفر، بعدما وجّهت إليه، بحسب والده، تهمًا باطلة بإلقاء الحجارة استنادًا إلى إفادات ثلاثة جنود. ويقول إن العائلات تحرص على إبعاد أبنائها عن المواجهات، إدراكًا منها أن إلقاء الحجارة قد يعرّضهم للاعتقال ويضاعف معاناة أسرهم.
ويختصر الشرباتي ما يتمسك به السكان بالقول: “نحن مرابطون، والمطلوب منا فقط أن نحافظ على بيوتنا وعائلاتنا والسكان الموجودين في هذه المنطقة”. ويشير إلى أن المنازل متلاصقة إلى حد أن “الشباك في الشباك والباب في الباب”، فيما يعيش المستوطنون على مسافة قريبة جدًا منها، ما يجعل حماية المنازل والعائلات هاجسًا يوميًا للسكان.
وتطال آثار الإغلاق تفاصيل الحياة العائلية، بما فيها الولادة والزواج. وقد تضطر المرأة الحامل إلى مغادرة منزلها قبل موعد ولادتها بنحو شهر، والإقامة لدى أهلها أو أقاربها، خشية أن تبدأ آلام المخاض ليلًا ويتعذر نقلها إلى المستشفى، ويوضح الشرباتي أن العائلات تلجأ إلى هذا الخيار لضمان وجود الحامل في مكان تستطيع منه الوصول إلى الرعاية الطبية عند الحاجة.
كما يضطر الشبان والفتيات المقبلون على الزواج إلى إقامة احتفالاتهم خارج المنطقة، بسبب القيود التي تحول دون استقبال الأهل والأصدقاء. وتفرض هذه الإجراءات على العائلات مغادرة منازلها للاحتفال بمناسباتها، وتقيّد قدرتها على الاجتماع بأقاربها حتى في أكثر المناسبات خصوصية.
وتزداد صعوبة الحياة اليومية مع القيود المفروضة على إدخال الاحتياجات المنزلية وإخراجها، ويستذكر الشرباتي ما حدث معه قبل نحو عشرة أيام، حين حاول إخراج أسطوانتي غاز فارغتين من منزله لتعبئتهما، لكن قوات الاحتلال منعته من ذلك. ويتساءل عما كان سيواجهه لو كانت الأسطوانتان ممتلئتين، في إشارة إلى حجم القيود التي تطال حتى أبسط الاحتياجات المنزلية.
ويعبّر الشرباتي عن شعور السكان بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة هذه الظروف، مشيرًا إلى أن عائلات بأكملها، تضم أطفالًا ونساءً وكبار سن، تعيش تحت القيود والاعتداءات اليومية، وسط غياب الاهتمام بأحوالها أو متابعة معاناتها، ويقول: “كل معركة في الدنيا إلها مقومات، على الأقل بالدعاء، على الأقل بالسؤال”.
منازل محصّنة بالخوف
عندما احتاج عماد أبو شمسية إلى العلاج، وصلت سيارة الإسعاف إلى محيط منزله، لكن قوات الاحتلال منعتها من دخول المنطقة، ما اضطر زوجته وجيرانه إلى حمله باتجاه الحاجز العسكري. وهناك، ظل عالقًا لأكثر من نصف ساعة بسبب إغلاق الحاجز أمام حركة الخروج، فيما كانت سيارة الإسعاف تنتظره في الخارج، إلى أن سُمح له بالعبور.
يعيش أبو شمسية على بُعد أقل من سبعين مترًا من إحدى البؤر الاستيطانية في تل الرميدة، حيث تتعرض منازل السكان للرشق بالحجارة وزجاجات المولوتوف من المستوطنين. ولحماية منزله، أحاط أبوابه ونوافذه بشبك حديدي، ووسّع التحصينات لتشمل ساحته الخارجية، كما فعل عدد من جيرانه. وتضطر عائلته أحيانًا إلى البقاء داخل المنزل خشية اعتداءات المستوطنين، التي باتت تقيّد حركتها وتعرّض أفرادها للخطر.
وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، اتسع الوجود الاستيطاني في تل الرميدة، مع الاستيلاء على أراضٍ وإقامة بؤر استيطانية جديدة، ويشير أبو شمسية إلى إحدى الأراضي التي استولى عليها الاحتلال وأقام فوقها بؤرة استيطانية، بذريعة أنها تعود إلى أحد اليهود منذ عام 1920، مستندًا إلى قانون “حارس أملاك الغائبين”.
وامتد التوسع الاستيطاني إلى البلدة القديمة ومداخلها وبواباتها، خصوصًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع الاستيلاء على منازل فلسطينية وتحويلها إلى بؤر استيطانية.
وتحيط بتل الرميدة ثلاثة حواجز عسكرية رئيسية، يخضع السكان عند عبورها لإجراءات مشددة، إذ يحمل كل فرد من أفراد الأسرة رقمًا خاصًا مسجلًا لدى الحاجز، يختلف عن رقم هويته الشخصية، ويُستخدم للسماح له بالمرور.
وتنعكس هذه القيود على تفاصيل حياتهم اليومية، إذ يفتقر الأطفال إلى مساحات آمنة للعب والتنقل، وتعيش الأمهات قلقًا مستمرًا على أبنائهن في طريقهم إلى المدرسة، فيما يواجه المرضى، خصوصًا المصابين بأمراض مزمنة، صعوبات في الوصول إلى الرعاية الطبية، وقد دفعت هذه الظروف بعض كبار السن إلى مغادرة المنطقة مع تزايد مشقة الحياة فيها ومخاطرها.
وتتعرض منازل السكان وممتلكاتهم لاعتداءات شبه يومية من المستوطنين، تصاعدت حدتها منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ورغم ذلك، يتمسك الأهالي بمنازلهم ويحاولون مواصلة حياتهم وسط توسع البؤر الاستيطانية داخل الأحياء السكنية، واستمرار الاعتداءات التي تهدد سلامتهم وممتلكاتهم.
طُردوا ليلًا وعادوا إلى منازل مخرّبة
وامتدت الإجراءات الإسرائيلية إلى حيي الجلدة وعين دير بحة، حيث أُجبرت مئات العائلات على مغادرة منازلها في ساعات متأخرة من الليل تحت تهديد السلاح، دون إمهالها وقتًا للاستعداد أو جمع احتياجاتها. وبحسب أبو شمسية، سُمح لكل عائلة بحمل حقيبة صغيرة تضم أوراقها الرسمية وبعض مقتنياتها الشخصية.
غادرت العائلات على أمل العودة خلال يوم أو يومين، لكن غيابها امتد عشرة أيام، مُنعت خلالها من الوصول إلى منازلها. وفي الوقت نفسه، بقيت عائلات أخرى عالقة داخل المنطقة، خصوصًا في الجلدة وعين دير بحة ومحيط جامعة القدس المفتوحة وطريق عقبة تفوح، بعدما أغلقت قوات الاحتلال الطرق بالحواجز ومنعت التنقل بين الأحياء.
وعانى السكان الذين بقوا داخل منازلهم من صعوبة تأمين احتياجاتهم الأساسية، بما فيها حليب الأطفال، وتعذّر وصول المساعدة إليهم لشحن الكهرباء. وفي المقابل، انتظرت العائلات التي أُجبرت على المغادرة السماح لها بالعودة، وسط غموض بشأن موعد انتهاء إبعادها عن منازلها.
وخلال تلك الأيام، استخدمت قوات الاحتلال عشرات المنازل مواقع للاعتقال والاحتجاز والتحقيق الميداني والتنكيل بالفلسطينيين. ولجأت غالبية العائلات التي أُجبرت على المغادرة إلى منازل أقاربها وأنسبائها وأصدقائها، رغم توفير البلدية والمحافظة أماكن لإيوائها.
وبعد عشرة أيام، سُمح للعائلات بالعودة إلى منازلها، لتجد آثار التخريب والتحطيم في انتظارها، من أثاث مكسّر وممتلكات مسروقة إلى أضرار لحقت بالمنازل والمكاتب التجارية، واضطرت العائلات إلى إصلاح ما خلّفته قوات الاحتلال من أضرار، بعدما أمضت أيامًا بعيدًا عن بيوتها دون معرفة موعد عودتها.
ويربط أبو شمسية هذه الإجراءات بسياسة إسرائيلية أوسع للسيطرة على الخليل، بدأت تتصاعد عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي، واتخذت أشكالًا متعددة من الإغلاق والتضييق والاستيلاء على المنازل والأراضي، ويرى أن الاحتلال يسعى إلى فرض سيطرته الكاملة على المدينة، وإنهاء العمل بما يُعرف باتفاق الخليل، تمهيدًا لضمها وفرض واقع جديد بالقوة العسكرية.
ويعتبر أن ما جرى في الجلدة وعين دير بحة كان اختبارًا لردود الفعل المحلية والفلسطينية والدولية تجاه إخلاء السكان وإغلاق الأحياء، ولقياس مواقف القيادة الفلسطينية والشارع والمجتمع الدولي من هذه الإجراءات، وإمكانية المضي في توسيعها.
وينتقد أبو شمسية صمت المجتمع الدولي وضعف موقف القيادة الفلسطينية، وغياب برنامج للمقاومة بمختلف أشكالها ضمن الأطر التي تتيحها القوانين الدولية، في وقت يفتقر فيه السكان إلى الحماية والدعم اللازمين لمواجهة الإجراءات الإسرائيلية.
ويختصر أبو شمسية مأزق سكان الخليل في عجزهم عن مواجهة القرارات التي يفرضها الاحتلال عليهم، فعندما تأمر قوات الاحتلال عائلة بمغادرة منزلها تحت تهديد السلاح، تضطر إلى الخروج، وتبقى عودتها مرهونة بقرار إسرائيلي آخر يسمح لها بدخول بيتها مجددًا.
مختبر السيطرة والضم التدريجي
يربط المهندس عيسى عمرو، الخبير في شؤون الاستيطان، هذه الوقائع بنمط السيطرة الإسرائيلية الذي ترسّخ في البلدة القديمة ومحيط المسجد الإبراهيمي، ثم امتد إلى أحياء أخرى من الخليل.
ويوضح في حديثه لـ”نون بوست” أن المدينة، إلى جانب القدس، تتميز بواقع استيطاني تتداخل فيه المستوطنات مع الأحياء الفلسطينية، ويتمركز المستوطنون في قلب المدينة التاريخي ومحيط المسجد الإبراهيمي، تحت حماية قوات الاحتلال.
ويعود عمرو إلى بدايات الاستيطان في الخليل عقب احتلال الضفة الغربية عام 1967، مشيرًا إلى إقامة مستوطنة كريات أربع خارج المدينة، التي يصفها بأنها أول مستوطنة أُقيمت في الضفة الغربية، ويقول إن المستوطنة تضم أتباعًا للتيارات اليمينية المتطرفة المرتبطة بمئير كاهانا وحركة “كاخ” الإرهابية، وينتمي إليها سياسيون إسرائيليون، من بينهم إيتمار بن غفير وأوريت ستروك.
وفي عام 1969، دخل مستوطنون فندق الملك خالد ورفضوا مغادرته، معلنين أن إقامتهم مؤقتة إلى حين نقلهم إلى معسكر للجيش، وتحوّل هذا الوجود لاحقًا إلى مستوطنة كريات أربع، التي توسعت حتى أصبحت مدينة يقطنها نحو سبعة آلاف مستوطن، بحسب تقدير عمرو. ويرى في هذه الواقعة مثالًا مبكرًا على سياسة اتبعها الاحتلال لاحقًا في الخليل، تقوم على إدخال المستوطنين إلى مواقع فلسطينية بذريعة الإقامة المؤقتة، ثم تثبيت وجودهم وتحويله إلى استيطان دائم.
أما التوسع الاستيطاني داخل المدينة، فيعود إلى عام 1979، حين سمح الاحتلال للمستوطنين باقتحام حي التبوية في شارع الشهداء وإقامة مستوطنة فيه. وبعد نحو ثلاث أو أربع سنوات، امتد الاستيطان إلى تل الرميدة وبيت رومانو داخل مدرسة أسامة بن المنقذ، وسوق الخضار القديم الذي أطلق عليه المستوطنون اسم “إبراهيم أفينو”. وبذلك نشأت أربع بؤر استيطانية في قلب الخليل، وارتفع عدد المستوطنين فيها من بضع عشرات خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى أكثر من مئة عائلة استيطانية اليوم.
وامتدت التغييرات التي فرضها الاحتلال إلى أسماء الشوارع والأحياء، مع استبدال أسمائها العربية بأخرى عبرية. ويشير عمرو إلى منطقة باب الخان، حيث وُلد، والتي يسميها المستوطنون “عيمك حفرون”، أي وادي الخليل، فيما أطلقوا على شارع الشهداء اسم “شارع الملك داود”، ويرى أن تغيير الأسماء يهدف إلى فرض الرواية الاستيطانية على المدينة وطمس هويتها وذاكرتها التاريخية.
شملت التغييرات أيضًا النسيج العمراني للبلدة القديمة، من خلال إقامة مبانٍ استيطانية جديدة ووضع الكرفانات وتوسيع البناء. ويشير عمرو إلى أن تاريخ المنطقة يعود إلى نحو 5500 عام، وقد أدرجتها منظمة اليونسكو على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، فيما أثّرت أعمال البناء الاستيطاني على طابعها العمراني والتاريخي.
ويصف هذه الممارسات بأنها محاولات لمحو المظاهر الفلسطينية، عبر نشر الأسماء العبرية والأعلام الإسرائيلية وتغيير معالم المدينة، بما فيها المواقع ذات الأهمية الدينية، لفرض الرواية الإسرائيلية عن تاريخ الخليل.
ويربط عمرو تصاعد هذه السياسات بالتحولات التي شهدتها المدينة عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994، حين فرض الاحتلال إجراءات داخل المسجد ومحيطه، قُدّمت في البداية باعتبارها تدابير مؤقتة لحين استقرار الأوضاع، وشملت تقسيم المسجد زمانيًا ومكانيًا، قبل أن تتحول إلى إجراءات دائمة وتتوسع تدريجيًا على حساب الفلسطينيين.
وفي عام 1997، جاءت اتفاقية الخليل، التي قسمت المدينة إلى منطقتي H1 وH2، ويرى عمرو أن آثار هذا التقسيم امتدت إلى الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، منتقدًا موافقة الجانب الفلسطيني عليه، لما أتاحه للاحتلال من فرص لتعزيز سيطرته على بعض أحياء المدينة وتوسيع الاستيطان وتهويدها، تمهيدًا لاستهداف مناطق أخرى.
ويشير عمرو إلى نمط متكرر في السياسات الإسرائيلية يقوم على فرض إجراءات مؤقتة، ثم تثبيتها وتحويلها إلى واقع دائم. ويستدل على ذلك بما جرى في فندق الملك خالد عام 1969، ودخول المستوطنين إلى قلب الخليل عام 1979، وصولًا إلى اتفاقية الخليل الموقعة عام 1997، التي كان يُفترض أن يستمر العمل بها حتى عام 1999، الموعد المحدد آنذاك لقيام الدولة الفلسطينية، لكنها استمرت وأصبحت أمرًا واقعًا.
وتكرر الأمر مع الإجراءات التي فُرضت عقب مجزرة الحرم الإبراهيمي، ومنها التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، الذي تحول من تدبير مؤقت إلى واقع مستمر.
وشمل هذا النهج إغلاق المحلات التجارية والمنازل والأحياء، خصوصًا شارع الشهداء وتل الرميدة ومنطقة البركة وحارة السلامة وحارة غيث ومحيط المسجد الإبراهيمي. ويوضح عمرو أن الإغلاقات بدأت عقب المجزرة عام 1994، وخُففت جزئيًا بعد اتفاقية الخليل عام 1997، قبل أن تُفرض مجددًا بصورة شاملة بعد عام 2001، ويتسع نطاقها في السنوات اللاحقة.
وخلال السنوات الأربع الأخيرة، شهد المشروع الاستيطاني توسعًا باتجاه مناطق جديدة، من بينها المنطقة المصنفة H1، مع إقامة بؤر استيطانية وكرفانات خارج نطاق التجمعات الاستيطانية المعتادة، بحسب عمرو. ويشير إلى أن أساليب الإغلاق والتحكم بحركة السكان والتنكيل بهم، التي طُبقت في الخليل، امتدت إلى مناطق فلسطينية أخرى، معتبرًا أن الاحتلال حوّل المدينة إلى نموذج ومختبر لتطوير أدوات السيطرة على الفلسطينيين.ويحذر عمرو من احتمال تحول الإجراءات الأخيرة في الخليل إلى ترتيبات دائمة، خصوصًا في عين دير بحة، التي تضم مواقع أثرية، من بينها بلوطة سيدنا إبراهيم، مشيرًا إلى مخاوف من استغلال هذه الإجراءات لإقامة بؤر استيطانية جديدة في المنطقة.
وتمتد تداعيات هذه السياسات إلى اقتصاد الخليل، التي تُعد من أبرز المراكز الاقتصادية والإنتاجية الفلسطينية. ويشدد عمرو على أهمية توثيق الأضرار التي تلحق بالأنشطة الاقتصادية في المدينة جراء القيود والإغلاقات الإسرائيلية، محذرًا من أن إضعاف قدرتها الإنتاجية وفقدان مكانتها الاقتصادية من أخطر التهديدات التي تواجهها.
ويرى أن ما شهدته الجلدة وعين دير بحة قد يشكل بداية لتثبيت إجراءات مماثلة وتوسيع نطاقها، تمهيدًا لتطبيقها في مدن أخرى، مثل رام الله والبيرة ونابلس، مشيرًا إلى وجود حديث عن استهداف أحياء فيها. ويحذر من اتساع الإجراءات الإسرائيلية لتشمل المناطق المصنفة “أ”، إلى جانب المنطقتين “ب” و”ج”، معتبرًا ذلك جزءًا من مساعٍ إسرائيلية لتقويض السلطة الفلسطينية وإنهاء وجودها.
ورغم عودة العائلات التي أُجبرت على مغادرة منازلها في الجلدة وعين دير بحة، تواصل عائلات أخرى في الخليل حياتها خلف الحواجز، وسط القيود المفروضة على حركتها واحتياجاتها اليومية، وتصاعد الاستيطان والاستيلاء على الأراضي. ومع استمرار هذه الإجراءات، يبقى تمسك السكان بمنازلهم تحديًا يوميًا، في مدينة باتت فيها القدرة على البقاء في البيت مرهونة بقرارات الاحتلال واعتداءات المستوطنين.