فاق سعر صرف الدولار الأمريكي كل التوقعات في مصر أمام العملة المصرية فاقدة الحيلة، حيث كسر كل الحواجز أمام الجنيه فبعد أن تخطى الدولار حاجز الـ 9 جنيهات للدولار لم تمر سوى أيام قليلة ليكسر حاجز الـ 10 جنيهات للمرة الأولى في تاريخه في السوق الموازية "السوداء"، وذلك بفارق أكثر من جنيهين وهو فارق غير مسبوق، فيما باءت كل محاولات البنك المركزي لاحتواء الأزمة بالفشل والتي كان آخرها بيع نحو نصف مليار دولار بسعر 7.73 جنيه للدولار في مزاد استثنائي، الأحد.

طرح المركزي لهذا المبلغ هو التحرك الأول من نوعه في عهد محافظ المركزي الجديد طارق عامر، وذلك بعد صمت طويل من البنك دون تحرك جاد لحل الأزمة المتفاقمة التي تؤرق المصريين من كل القطاعات والشرائح، وذلك بعد قفزات كبيرة هذا الأسبوع حيث انتعشت تعاملات السوق السوداء في مصر بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة.

المصريون من جانبهم لم يستطيعوا مقاومة إغراء الورقة الخضراء فأصبحت سوق المضاربة على الدولار هي الأكبر في مصر، حيث يشهد السوق تهافت كبير على شراء الدولار وسط شح في المعروض، وباتت الرغبة الشديدة في الاحتفاظ بالدولار هي عنصر أصيل في تفاقم الأزمة.

الصمت الحكومي لا يدل على إفلاس حقيبتها من الحلول فقط ولكن بنظرة مختلفة قد نجد أن الحكومة كانت تريد للدولار أن يتخطى حاجه الـ 10 جنيهات فهذا الأمر سيجعلها تحرك السعر الرسمي بشكل أكثر أريحية وتسطوا على أموال معارضيها بدعوة أنهم يزعزعون استقرار السوق المزعوم.

وفي الوقت الذي يتساءل فيه الجميع عن توقيت تدخل المركزي لحل الأزمة، أرى أن المركزي لا علاقة له بالأزمة من قريب أو من بعيد؛ فالمركزي لا يطبع الدولارات ولكن للدولار مصادر محددة وهي المشكلة وليست إدارة المركزي، ويكفي أن المركزي يقوم بجولات ما تسمى ضبط السوق وعمل حملات تفتيشية على الصرافات وضبط المخالفين للأسعار المحددة، حتى إن المركزي يقترب من فتح نقطة شرطة الدولار.

كل هذا لن يوقف قطار صعود العملة الصعبة في البلاد، فبحسب مسح أجرته شركة المجموعة المالية هيرمس، أكبر بنوك الاستثمار في الشرق الأوسط، فقد توقع 36%، من إجمالي 120 من الرؤساء التنفيذيين، الإثنين، أن يرتفع سعر الدولار مقابل الجنيه المصري، في السوق الرسمية إلى 10 جنيهات بنهاية العام الجاري.

وصوت نحو 36% من المشاركين، على توقعات أن يصل سعر الدولار إلى 10 جنيهات من بين 3 اختيارات، في حين صوت 34% على احتمالات وصوله إلى 9 جنيهات، فيما توقعت نسبة 29% من المصوتين على إمكانية وصوله إلى 11 جنيهًا.

وقد شارك في المسح نحو 117 شركة من العالم العربي، منها 32 من مصر، ونحو 220 مؤسسة مالية عالمية تدير أصولاً تتعدى 10 تريليونات دولار، وتكشف نتيجة هذا المسح مدى خطورة الأزمة، التي تأتي في وقت يستمر عزوف السياح والمستثمرين الأجانب وتتراجع فيه تحويلات المصريين في الخارج وتواصل إيرادات قناة السويس الانخفاض وكذلك الصادرات.

التحرك الرسمي يصل لدرجة كبيرة من الاستفزاز وكأنهم يفتحون الباب على مصراعيه للهبوط؛ فالحلول غير كافية لتقويض الأزمة فقد اكتفوا باقتراض 1.4 مليار دولار للدفع بها في خزينة المركزي في صورة قرضين من الصين والبنك الأفريقي للتنمية منذ بداية العام، وكذلك إطلاق برنامجًا جديدًا لتشجيع ملايين المصريين المقيمين بالخارج على استثمار مدخراتهم الدولارية في شهادات خاصة من شأنها تخفيف أزمة نقص العملة الأجنبية، وهو برنامج مجهول الملامح حتى الآن ولم يتم الإفصاح عما تم إنجازه في هذا الملف، كل هذا والأزمة تستمر في الاشتعال ولم يخرج أحدهم بتصريح يطمئن الأسواق وهذا الأمر في حد ذاته يثير الاستغراب.

نتائج الأزمة كارثية بكل المقايس فهي لن تقف عند هروب الاستثمارات الأجنبية وتخارج الشركات الأجنبية العاملة في مصر فقط بل إن أسوأ التبعات لهذه الأزمة هو ارتفاع الأسعار بقوة والذي ستعاني منه الأسواق الأيام القادمة، والتي قد تصل لمستويات قياسية بنسبة 100% في بعض السلع، وذلك مع استمرار نزيف الجنيه أمام الدولار.

إذا متى يتوقف سعر الدولار عن الصعود؟ قلت في السابق وأكرر أن الإجابة ببساطة هي أنه طالما هناك فجوة كبيرة بين الصادرات والواردات لا تنتظر تحسنًا للجنيه وتوقفًا لصعود الدولار، وهذا هو المقياس الأكثر دقة من وجهة نظري، وفعليًا قيمة الجنيه أقل كثيرًا مما هي عليه الآن فحقيقة الجنيه أمام الدولار لا تقل أبدًا عن 12 جنيهًا للدولار في الوضع الطبيعي فما أدراك بوضع يعاني فيه الاقتصاد المصري من أزمات لم يمر بها من قبل؟!

عمومًا الحكومة ستكون سعيدة بخفض العملة فهو يعزز موقفها بشأن الإصلاحات الاقتصادية الذي يطالب بها النقد الدولي، الأمر الذي يعجل بدفعه جديدة من قرض البنك الدولي، كما أنها تروج لفكرة رفع الصادرات وجذب مزيد من الاستثمارات من الآن تمهيدًا لخفض رسمي للجنيه، وفي المقابل لا تهتم الحكومة بفاتورة الواردات وارتفاع الأسعار ولكن لماذا؟! ربما لأن هذا الأمر سيزيد من معاناة الطبقة المعدومة التي تشكل أغلبية سكان مصر.