على مدار 42 عام كان القذافى العنوان الوحيد لليبيا و سياسها الداخلية والخارجية وقد تفرد بالسيطرة على المجال العام فى ليبيا قاطبة وحتى التوزانات بين القبائل والمناطق وغيرها كنت فى أضيق الحدود وكجزء من عالم القذافي الذى يسيطر عليه بشكل كامل ، وقد كان النظام يعنى القذافي و يتجلى فى شخصه وليس منظومة كما هو الحال فى مصر و تونس ، و بعد سقوط القذافي و نظامه أصبح المجال السياسي مفتوح و فارغ بحيث سمحت الثورة بأعادة تشكيل المجال السياسي الليبي أن كان هذا المجال مازال فى قيد التشكل و البناء

وظهر فى أعقاب الثورة العديد من القوى السياسية على الساحة الليبية التى تحاول خلق دور له و أكتشف مدى و تأثير هذا الدور وحدوده وعدم الخلط بين الأدوار وكما يقال الدارما تصنع أبطالها دائماً وتهدف المقالة لتسليط الضوء على القوى والفواعل على الساحة الليبية

ا-المؤتمر الوطنى العام

يتكون المؤتمر الوطنى العام من 200 عضو منتخبون أنتخاب مباشر ليتولوا السلطة التشريعية و كذلك تشكيل الحكومة المؤقتة التى تتولى إدارة البلاد ويمثل الجهة الشرعية والمنتخبة الوحيدة فى ليبيا  

ويتكون المؤتمر الوطنى من 3  أطياف ، الإخوان المسلمين ، و تحالف القوى الوطنية برئاسة محمود جبريل ، والمستقلين والذين يمثلون الصوت المتأرجح

2-الحكومة

تتشكل الحكومة بالأساس من خلال المؤتمر الوطنى العام وتخضع لرقابته لكن لا يشترط أن يكون الوزراء من داخل المؤتمر الوطنى ، وتسعى الحكومة جاهدة لفرض هيتبها فى الشارع خاصة أن الجكومة مرت بمخاض صعب وقت تشكيلها نتيجة الصراع السياسى بين الإخوان المسلمين و تحالف القوى الوطنية بمحمود جبريل حيث تم الأطاحة بأول رئيس وزراء منتخب بعد 10 أيام قبل تشكيل حكومته وذلك نتيجة حالة الأحتقان السياسى بين الكتلتين الرئيستين وعلى أثر ذلك تم تشكيل الحكومة الراهنة برئاسة على زايدن والتى تشكلت من رئيس وزراء بالإضافة إلى 3 نواب لهم صلاحيات واسعة نائب للمنطقة الشرقية ونائب للمنطقة الغربية و أخر للمنطقة الجنوبية مع الأخذ فى الأعتبار أن نائب المنطقة الشرقية من جماعة الإخوان المسلمين ونائب المنطقة الغربية من تحالف القوى الوطنية وذلك للأحداث توازن بين المناطق المختلفة وكذلك بين الكتل السياسية الرئيسية لكن حكومة زايدان تأكلت هيبتها فى الشارع سريعاُ على أثر ضعف الحكومة فى مواجهة المليشيات وقد تجلى فى اختطاف رئيس الحكومة على يد احد القادة الأمنيين

 

3-ميلشيات الثوار

وهى المليشيات التى تشكلت أثناء الثورة الليبية لقتال قوات القذافى وبعد منها تشكل بعد شقوط القذافى ، و وتتميز فىأغلبه بصغر حجمها و بأنها مليشيات مناطقية أى انها مليشيات خاصة لمدن صغيرة او حتى لأحياء داخل الدن الكبرى كما هو الحالى فى طرابلس مع وجود ميليشيات كبرى لها أهمية خاصة مثل 17 فبراير وراف الله السحاتى حيث تشكل بقوات مايعرف بدرع ليبيا والتى تمثل نواة الجيش الليبي الجديد بالإضافة إلى قوات شبه نظامية أخرى كأتحاد ثوار مصراته

وتسعى وزارة الدفاع ورئاسة الأركان الليبية لدمج المليشيات الثورية المختلفة تحت مظلة الجيش الوطنى و تجميع السلاح من الأفراد ألا كل تلك الخطط مازالت إلى حد ما متعثرة أو تسير ببطىء شديد.

 

4-القبائل

تلعب القبائل تاريخياً دور مهم فى ليبيا ويصل عددها لحوالى 140 قبيلة كبيرة وقد عمل القذافى على تدمير المفهوم القبلى والقضاء على أى دور لهم فى السياسة و كذلك أستخدمهم بما يتمشى مع مصالح القذافى فنجد ونجد أن القذافى قام بتفضيل قبائل أو مناطق على أخرى فقد قام بمنح العديد من المناصب لأبناء قبائل المنطقة الغربية وعدم الاهتمام بسكان المنطقة الشرقية وكذلك تشكلت قوات القذافى من قبائل رئيسة مثل ورافلة وترهونة و وارشفانة والقذاذفة  ، لكن بعد الثورة نجد أن خريطة التوازن بين القبائل والمناطق فى ليبيا خلال عهد القذافى قد تم تدميرها و أن هناك حراك من نوع جديد داخل المجتمع الليبيى لتخطى موضوع القبلية وأنه بشكل كبير ليبيا أصبحت صراعاتها مختلفة من مشاكل قبلية إلى مشاكل مناطقية أو مابعد قبلية

ونجد أن قبيلة من أكبر القبائل فى ليبيا قد تم تدمير معقلها الرئيسى وهى مدينة بنى الوليد وقد حدث أنقسام داخل القبيلة الواحدة  حول تأييد ضربها أو لا وقد شارك فى الهجوم على المدينة بعض من أبناء قبيلة ورافلة ، أن كان هذا لا يعنى أختفي القبيلة من المشهد السياسي لكن أعادة تموضع لدور القبيلة الأخذ فى التطور منذ أكثرمن قرن.

 

5-المجتمع المدنى

تعتبر منظمات المجتمع المدنى أحد اللاعبين الجدد على الساحة الليبية وقد نجحت فى فرض نفسها بشكل كبير وصراع كلاعب رئيسى متخطياً كل الأختلافات المناطقية و السياسية متحدثاً كصوت ليبيا الحر ونجح فى لعب أدوار هامة سواء جهود الإغاثة للمناطق المنكوبة أحتى للجبهات فى وقت الحرب ، أو فى قيادة عملية التحول الديمقراطي و المساهمة بشكل فعال فى إدارة عمليات تسجيل الناخبين و الأشراف على النتخابات و التوعية بالدستور ، ويقدر عدد الجمعيات الأهلية بحوالى 7 ألاف جمعية أهلية.

 

6-الفيدرليون

ظهرت الحركات الفيدرالية فى برقة الغنية بالنفط ، وتهدف لأعادة أحياء النظام الفيدرالي المعمول به فى دستور 51 و قد وجهت رفض من اغلب سكان برقة لكن مع تزايد الازمات السياسية وزيادة تهميش برققة ازددت الفيدرالية شعبية ، لكن هناك جناح خاصة فى بنغازى يطالب بالفيدرالية بمعناها الإدارى ، وفى الجبل الخضر حيث معقل الفيدرالية هناك مايمكن أن نسميه بالفيدروقبلية وهى الأفكار الفيدرالية الممزوجة بالبعد القبلي ، وقد لقت الدعوة الفيدرالية ترحب فى الجنوب الليبي أيضاً و أصبحت الفيدرالية التى تجع بين القبيلة والمليشية و المناطقية أحد أهم اللعبين على الساحة الليبية.

   مابين شرعية الأنتخاب و شرعية السلاح

يمكن توصيف الحالة الليبية حالياً على أنها صراع بين شرعية الأنتخاب  والممثلة فى المؤتمر الوطنى والحكومة المؤقتة والمليشيات التى أحرزت النصر العسكري على القذافي فكل منهما يحمل شرعية يستند إليها وفى البداية لم يكن هناك طموح سياسي للمليشيات لكن بعض انقسام المؤتمر الوطنى و أنشغاله بمشاكله الداخلية وضعف الحكومة وسخط الشارع الليبي عليها سنحت الفرصة للمليشيات للعب دور أكبر جعلها الحاكم الفعلي للشارع فى مواجهة حكومة ضعيفة حيث أن المليشيات تسيطر على العاصمة نفسها.

سيناريوهات الأزمة الراهنة

كافة السيناريوهات فى الوقت الراهن فى ليبيا مرتبطة بالتفاعل بين القوى سالفة الذكر حول العديد من الأمور التى سترسم مستقبل ليبيا وهى العلاقة بين الحكومة المركزية و الأقاليم الثالثة ومدى تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الأنتقالية ومدى قدرة الدولة على دمج المليشيات فى الجيش الوطنى وتحقيق الأستقرار فى البلاد لكن هناك سيناريوهات مختلفة بناء على معطيات الوضع الراهن:

 

1-لا نظام لا دولة

ليبيا منذ أعلان سقوط نظام القذافى حتى الن منذ أكثر من عامين وهى أقرب للدولة الفاشلة لا دولة لا نظام بمعنى أنه يوجد جهاز إدارى هش ومنهار و يختلف كفاءته من منطقة لأخرى ، بالإضافة إلى عدم وجود جيش وطنى و أنتشار السلاح بين المواطنين وسيطرة المليشيات المحلية على المناطق المختلفة ومحاولة المليشيات الكبيرة السيطرة على ايرادات النفط مع توزيع لعوائد النفط على المليشيات و بعض القطاعات مع استمرار ضعف الحكومة المركزية اى اننا امام عراق أخروسيقودنا ذلك لفوضى مزمنة.

 

2-الفيدرالية

أعلنت برقة منذ أكثر من عام عن قيام أقليم برقة أن كان بشكل نظرى لكن فى اأونة الخيرة أصبح لدى المجموعة الفيدرالية جيش يزيد تعدده عن 22 ألف مقاتل وأصبحوا أكثر جدية و منذ شهر أعلنت مجموعة فى الحون الليبي ان منطقة فزان منطقة فيدرالية على غرار برقة مما وضع طرابلس الضعيفة والمسيطر عليها من المليشيات فى وضع صعب للغاية ، و أذا أخذت الأمور فى التدهور سيجبر الأقليمين طرابلس بقوة السلاح على قبول الفيدرالية خاصة ان برقة بها أكثر من 60 % من أحتياطى البترول ، و فزان بها حوالى 25 % من الأحتياطي ، ومن الوارد حدوث صدام مسلح و شل كامل لأجهزة الدولة وقطع أمدادت النفط  وهذا حدث جزئياً.

 

3-الكونفيدرالية وشبح الحرب الأهلية

أحد أكثر السيناريوهات قاتمة هو أعلان أقليم برقة أو فزان أستقلالهم مما سيدفع البلاد لحالة من حالات الفوضى وإلى حرب أهلية من أجل السيطرة على موارد النفط وسيحول البلاد لصومال نفطى وسيفتح الباب امام تدخل دولى واسع النطاق وسينهى فكرة الدولة الهشة و التحول الديمقراطى بشكل كامل

4- أقرار الا مركزية وتحقيق المصالحة الوطنية

حالياً يتم الأعداد لأنتخاب لجنة ال 60 التى ستعد الدستوروهى فرصة لأحداث حراك سياسي فى ظل سيطرة الفوضى على المشهد ، وأذا نجحت لجنة ال 60 والمؤتمر الوطنى فى أقرار مبادىء الا مركزية و تحقيق العدالة بين المناطق المختلفة أو حتى بنى الفيدرالية سيحقق ذلك نوع من انواع الهدوء النسبي بالإضافة إلى تحقيق المصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية و وضع أليات لذلك سيؤدى إلى تحسين وضع الحكومة المركزية  وسيقوى وضع شرعية الانتخاب فى وجه شرعية السلاح أن كانت ليبيا ستحتاج لفترة طويلة حتى تستطيع أحتواء المليشيات

الخلاصة:

ليبيا تمر بمرحلة دقيقة فى تاريخها أبعد من كونها أسقاط لنظام القذافى بل هو تحول على الصعيد المجتمعى والسياسي يسير ببطىء لكن بثبات وكان أندلاع الثورة هو المنشط لسلاسلة من التفاعلات التى مازالت تتم والتى ستخلق صورة خاصة بتطور الأنظمة والدول بعيداً عن الصور التقليدية والتحول من القبيلة إلى الدولة يأخذ مجراها ، والتى تتجسد فى صور مختلفة فى هيئة تفاعلات مجتمعية وسياسية تحتاج مزيد من الوقت حتى تنضج التجربة الليبية أن كان هناك الكثير من التحديات التى تعترض طريق هذا التحول التاريخى فى ليبيا بدأ من الصراعات المناطقية وصولاً لوضع الميليشيات العسكرية لكن فى النهاية نجد أنما زال لدى الليبين العدييد من الفرص لتجاوز تلك الأزمات وتحقيق التحول الديمقراطي أن كان ذلك يتطلب الكثير من الجهد و الستعداد لدفع فاتوى باهظة للقضاء على تلك العوائق