الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في لقاء سابق

لأول مرة منذ حادث إسقاط الطائرة الروسية من جانب تركيا العام الماضي، وما تلاها من توتر في العلاقات بين البلدين، التقى مسؤولون أتراك وروسقبل خمسة أيام في مدينة إزمير التركية في زيارة مقررة وفق جدول أعمال منظمة الأمن والتعاون الأوروبية OSCE، حيث وصل وفد روسي عسكري من ثلاثة أشخاص للمدينة الساحلية ليُعقَد الاجتماع بمقر قوة المارينز التركية، وفي استضافة ثلاثة من مسؤولي قسم مراقبة السلاح التابع لرئيس أركان الجيش التركي.

 "إنها خطوة إيجابية، فتركيا وروسيا لا يستطيعان تجاهل بعضهما البعض، وكلاهما يمتلك علاقات متشعبة مع الآخر كالتجارة والسياحة، وبالتالي لا يمكنهما شطب كل ذلك، ومن جانبنا فقد بذلنا أقصى جهودنا لتخفيف التوتر،" هكذا علّق المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان قورتلموش على الزيارة، معربًا عن أمله في النهاية بأن يُؤدي الاجتماع العسكري الصغير إلى بدء عودة العلاقات لطبيعتها بالكامل بين تركيا وروسيا.

بعد يوم واحد فقط من تلك الزيارة،نشرت الصحف التركيةخبر وضع لجنة الدفاع الوطني بالبرلمان التركي قرارًا بإعادة بناء وترميم نصب سان ستيفانو الروسي التاريخي في إسطنبول، مقابل بناء خمسة نُصُب تركية في روسيا، في تخليد لذكرى المقتولين من جنود البلدين في الحروب الطويلة التي خاضوها أثناء القرون الماضية، علاوة على تأسيس لجنة مشتركة بين البلدين للبحث عن أية مقابر لجنودهما هنا أو هناك.

يتضمن القرار بناء نُصُب تركية في مُدن فلاديفوستوك، وبِتريفسكي، وهيروف الروسية، وهي المدن الواقعة بمناطق كراسنويارسك حيث تم أسر عدد من الجنود الأتراك أثناء الحرب العالمية قبل أن يلقوا حتفهم هناك، وفي المقابل كانت روسيا قد اقترحت إعادة بناء نصب سان ستيفانو المهدّم لتخليد ذكرى 15 ألف جندي روسي قُتلوا أثناء الحرب العثمانية الروسية بين عامي 1877 و1878، والذي بنته الدولة العثمانية أنذاك كجزء من التعويضات التي قدمتها لروسيا بعد خسارتها لتلك الحرب، ليتم تدمير النصب عام 1914 باعتباره رمزًا لإهانة الدولة العثمانية.

نصب سان ستيفانو في إسطنبول

كان القرار مجرد مسودة خلال الأعوام الماضية، ومطروحًا من جانب لجنة العلاقات الخارجية في الدورة البرلمانية السابقة، إلا أنه الآن تلقى دفعة كاملة لتنفيذه مع إقراره من لجنة الدفاع التركية، وهو في انتظار مصادقة البرلمان الحالي ليس إلا، وهو أمر متوقع بالنظر لميل حزب الشعب الجمهوري العلماني، وحزب الشعوب الديمقراطي الكردي، إلى التقارب مع روسيا، مما يعني تمريره على الأرجح بأغلبية كبيرة مع اعتراض حزب الحركة التركي شديد القومية وصاحب عدد المقاعد الأقل بين الأحزاب الأربعة داخل البرلمان.

مرة أخرى، وبعد يوم واحد من ذلك الخبر، نشرت الصحف التركية خبرًا جديدًا من إزمير، وهو إلقاء القبض على ألب أرسلان تشليك، المتهم بقتل الطيار الروسي أليج بِشكوف، والذي أسقطت تركيا طائرته في نوفمبر الماضي أثناء الحادث الشهير، حيث تتهمه روسيا رسميًا بالقيام بقتل بِشكوف، والذي قفز من الطائرة أثناء سقوطها قبل أن تقوم إحدى الميليشيات التركمانية التابعة للثورة السورية في تلك المنطقةبإطلاق النار عليه وقتله، ومن ثم يبدأ الطلب الروسي رسميًا بإلقاء القبض عليه.

كان تشليك قد أتى لإزمير مع بعض من أصدقائه الذين قاتلوا بجانب مجموعات التركمن في سوريا ضد بشار الأسد، وكان يتناول عشاءه في إحدى المطاعم بمنطقة هطاي في المدينة قبل أن تقوم الشرطة التركية باحتجازه مع 13 آخرين إثر مكالمة من صاحب المطعم الذي لاحظ حيازتهم لأسلحة، ومن ثم مصادرة كل الأسلحة التي وجدتها في حوزتهم ومنها كلايشنكوف، "لقد ساندنا إخواننا ليس أكثر، لا يمكننا قبول اعتقالنا بهذا الشكل، إننا لم نخالف القانون،" هكذا تحدث محامي أحد المقاتلين المحتجزين الآن في إزمير، معترضًا على اعتقال موكليه بتهمة قتل الطيار الروسي.

"الطيار الذي قتلناه كان يلقي القنابل ليقتل إخواننا ويصيبهم قبل دقائق فقط من سقوط طائرته.. ’ولكم في القصاص حياة‘.. إننا نحارب الروس الآن في سوريا كما حاربناهم كأتراك كثيرًا في الماضي،" هكذا كان ألب أرسلان تشليك قد تحدث أواخر العام الماضي، وهو ابن أحد أعضاء حزب الحركة القومية التركي ورئيس حي كِبان السابق بولاية إلازِغ التركية، والذي أثار حديثه استياء المسؤولين الروس في أنقرة أنذاك بعد أنأجرته ونشرته صحيفة حريّت التركية المعروفة، غير أنه الآن في قبضة الشرطة التركية، ولا نعلم حتى الآن السبب الرسمي لاعتقاله، وهل هو مجرد حيازة أسلحة في مطعم، أم تنفيذ لطلب روسيا في إطار جهود المصالحة الجارية الآن.

المقاتل التركي ألب أرسلان تشليك مع أجزاء من مظلة هبوط الطيار الروسي المقتول

المصالحة تُهِم الطرفين

أخبار سريعة إذن ملأت الصحف التركية خلال الأسبوع الماضي من هذه النوعية عن العلاقات الروسية التركية، وإن لم تحتل العناوين الرئيسية، في إشارة واضحة على بدء فتح الأبواب المُغلقة بين الطرفين، والتي تسببت في تعطيل السياحة من وإلى البلدين، وهو أمر يضر تركيا بالأساس بطبيعة الحال باعتبارها من الوجهات الرئيسية لملايين من السياح الروس سنويًا، وهو ما أدى بالفعللهبوط معدلات الحجز الروسية في الفنادق في مدينة أنطاليا بنسبة 81%، وهبوط معدلات قدوم السياح بشكل عام بحوالي 17%، أما في تركيا بشكل عام فقد انخفضت المعدلات بحوالي 13.4%كنتيجة مزدوجة للمقاطعة الروسية والانفجارات الأخيرة في أنقرة وإسطنبول.

من ناحيتها أيضًا لا تبدو روسيا قادرة على الاستمرار في قطيعة الأتراك بهذا الشكل، فالاقتصاد الروسي يعاني من انخفاض كبير في أسعار النفط والغاز، وهبوط قيمة عملته الروبل، علاوة على العقوبات الغربية التي حرمته من الوصول السهل للاقتصادات الغربية منذ حوالي عامين، وهو ما يفسر أهمية تركيا حاليًا كاقتصاد من أكبر اقتصادات أوروبا التي رفضت المقاطعة الغربية، والتي تزود روسيا بمنتجات ذات جودة عالية نسبيًا، وهو ما يفسر ربما قيام روسيا بعد إعلان عقوباتها على تركيا سابقًا باستثناء عشر شركات تركية كبرى مستثمرة بشكل مباشرة في السوق الروسي من العقوبات، منها سلسلتا إل سي وايكيكي وأديليشك المعروفتان للملابس، وشركة أَفَس للخمور.

"يجب علينا أن نُخرج علاقاتنا مع تركيا من البرود الذي ضربها، نحن نحاول بالفعل أن نقوم بذلك وإن لم نكن نحن السبب في ذلك التوتر،"هكذا صرحت فلنتينا ماتفيينكو، رئيسة مجلس الاتحاد الفيدرالي الروسي منذ أيام، قائلة أن كل ما تنتظره روسيا هو أن تعلن تركيا مسؤوليتها عن حادث إسقاط الطائرة وما تبعه من توتر، وأن تبادر هي باتخاذ خطوات المصالحة، وإن كان يصعب تخيّل أي اعتذار تركي رسمي، إلا أن القبض على ألب أرسلان تشليك باعتباره متهمًا بقتل طيار روسي على الأراضي السورية قد يكون كافيًا كخطوة من جانب الأتراك، لا سيما وأن الموقف الرسمي التركي حتى الآن متمسك بإسقاط الطائرة بعد اختراقها للأجواء التركية باعتباره حقًا له، دون أن يتطرق بأي شكل لأحقية ما ارتكبه تشليك كمواطن تركي لا يمتلك أية صفة رسمية.