مقدمة:

لقد أدى الانهيار المتوقع لدولة الخلافة العثمانية إثر نهاية الحرب العالمية الأولى إلى تداعيات خطيرة على الأمة الإسلامية، إذ انتهت بذلك تلك اللحمة التّي كانت توحد كل بقاع العالم الإسلامي وشعوبه تحت مظلة واحدة، ونشأت على إثر ذلك دوليات صغيرة يفتقر بعضها إلى عناصر القوة الضرورية في النظام الدولي الجديد المتشكل آنذاك ويخضع بعضها الآخر إلى القوى الجديدة المنبثقة عن هذا النظام، الأمر الذّي أنتج على المستوى الفكري والسياسي جملة من الحركات الفكرية والسياسية المختلفة طرحت تصورات متباينة تعالج فيها هذا الوضع الجديد وتساءلت فيها عن الأسباب التي أدت إلى انهيار خلافة دامت أكثر من ثمانية قرون كاملة حافظت رغم سلبياتها على وحدة المسلمين، كما تساءلت هذه التيارات أيضًا عن كيفية الرجوع إلى العهد الأول الراشد أو ما يسمى بالخلافة الراشدة التّي حققت مجد المسلمين يومًا ما، فتباينت في طروحاتها حول مفاهيم إسلامية كلاسيكية فضلاً عن جدوى هذه المفاهيم في عصر مختلف تمامًا، بل إن منهم من طالب بتجاوز هذه المفاهيم والتأسيس لفكر سياسي إسلامي حديث يناسب العصر.

يحاول هذا المقال أن يرصد معالم أبرز هذه النقاشات، حججها وأطرافها على المستوى الفكري وكيف انعكست على الساحة السياسية الحديثة في العالم الإسلامي، كما نتعمد فيه عدم إغراق القارئ في المفاهيم والتفصيلات المتعلقة بمحاور هذا الموضوع الذي تحتاج تغطيته إلى مصنفات عدة، فهو مقال يكتفي بإعطاء لمحلة شاملة عن المسألة المطروحة وحسب.

ينقسم المقال إلى ثلاثة محاور أساسية، نحاول في أولها أن نحدد مفهوم الخلافة وما يرتبط به من مقتضيات وشروط ومفاهيم ثم نعالج في القسم الثاني أهم الأسباب الفكرية والسياسية التي أدت إلى عودة الجدل القائم حول مفهوم الخلافة، لننهي المقال بتسليط الضوء على الحجج المتباينة التي ساقها كل تيار فكري في معالجته لإشكالية الخلافة.

مفهوم الخلافة، أهدافها ومقتضياتها

الخلافة لغة من مصدر خلف يخلف، يقال: خلفه خليفة، أي كان خليفته وبقي بعده (لسان العرب)، والخليفة: هو السلطان والرئيس والإمام والأمير والحاكم، وسُمِّيَ خليفة لأنه يخلف النبي - صلى الله عليه وسلم -في أمته، أما اصطلاحًا فقد عرفها علماء أهل السنة بأنها خلافه الرسول - صلى الله عليه وسلم - في حراسه الدين وسياسة الدنيا، يقول الماوردي (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة، في حراسة الدين وسياسة الدنيا) (الأحكام السلطانية)، ويعرفها ابن خلدون بأنّها: (خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا)، ومن تعريفات علماء أهل السنة للخلافة يتضح لنا أنّ هناك ارتباط وثيق بين الخلافة والإمامة، غير أن مفهوم الإمامة أشمل من مفهوم الخلافة، حيث إنّ الخلافة هى نمط من أنماط الإمامة، ومضمونها يعني الاقتداء والاتباع.

وعن التسمية فقد سُمي الخليفة بذلك لأنّه يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وقد سُمي الصحابي الجليل أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بخليفة رسول الله فكان أول الخلفاء، وسُمي بعده الصحابي عمر بن الخطاب بأمير المؤمين كثاني خليفة للمسلمين، ولم يسم بخليفة خليفة رسول الله حتّى لا يكون اللقب طويلاً له ولمن بعده، فكان كل خليفة للمسلمين بعده يسمى بأمير المؤمين لهذا السبب.

من الناحية السياسية يجب تقرير أن علماء أهل السنة استخدموا مصطلح الإمامه بدلالتين، الدلالة الأولى تفيد معنى السلطة في الفكر السياسي المعاصر، فالحديث هنا عن الإمام أو الخليفة كشخص يرأس السلطة التنفيذية في الدولة، أما الدلالة الثانية فتفيد معنى الدولة في الفكر السياسي المعاصر، فالحديث هنا عن الإمامه أو الخلافة أي عن الدولة بأركانها من شعب وسلطة وأرض، واستخدامهم  لذات المصطلح بدلالتين، يتسق مع تقرير الفكر السياسي المعاصر أن مفهوم الدولة أشمل من مفهوم السلطة، باعتبار أن أركان  الدولة هي الشعب والأرض والسلطة.

لقد اتفق علماء الأمة السنة أنّ الإمامة أو الخلافة هي فرع من فروع الدين وليست من أصوله، بخلاف علماء الشيعة الذّين يعتبرونها أصل من أصول الدين، كما أن الخلافة واجب ضروري عند أهل السنة كما يؤكد العلماء، يقول الماوردي في "الأحكام السلطانية": (وعقدها - أي الإمامة - لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع…) وهي أيضًا كما يقول العلماء فرض كفاية لا واجب عيني على كل شخص، إذا قام بها شخص سقطت عن البقية.

أمّا عن دور الخليفة وأهداف الخلافة فتتلخص في تحقيق المصالح الدنيوية والدينية التّي عبّر عنها العلماء "بحراسه الدين وسياسة الدنيا"، تتمثل سياسية الدنيا في: إقامة الحدود، تدبير أمور الأمة، تنظيم الجيوش، سد الثغور، ردع الظالم وحماية المظلوم، قيادة المسلمين في حجهم وغزوهم وتقسيم الفئ بينهم (الماوردي: الأحكام السلطانية ).

بناء على هذا فإنه لا يمكن إطلاق صفة الإمامة الصغرى أو الكبرى "الخلافة"، على دولة لا تعمل على تحقيق مصالح المسلمين الدينية والدنيوية.

أما حراسة الدين فتعني ضمان نفاذ النظام القانوني الإسلامي وحفظه وقوه الإلزام  فيه، وما يقتضيه هذا الإلزام من تشريع (تقنيين)، إدارة، قضاء، تنفيذ وردع، بالإضافة إلى حفظ مفاهيم وقيم الإسلام.

ولأجل تحقيق هذه الغايات فقد اتفق العلماء على مجموعة من الصفات التّي يجب أن يتحلى بها الخليفة ويلخصها الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية" في سبعة شروط:

  • العدالة.
  • العلم المؤدي إلى الاجتهاد.
  • سلامة الحواس.
  • سلامة الأعضاء من نقص يمنع أداء الوظيفة.
  • الرأي السديد المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح.
  • الشجاعة المؤدية إلى حماية بيضة المسلمين وجهاد العدو.
  • النسب القرشي لورود نص شرعي فيه.

ويعلق ابن خلدون على الشرط الأخير الذي ذكره العديد من العلماء ويحاجج أنه ليس شرطًا ضروريًا لمنصب الخلافة وأنه جاء فقط في ظرف تاريخي ما كانت فيه قبيلة قريش أشد قبائل العرب وأكثرها حرصًا على الإسلام وتبليغه وصونه، لذا فهذا شرط يسقط بتغير الأحوال.

أما عن طريقة اختيار الخليفة، فتتم عبر نظام البيعة بأسلوب الشورى من طرف أهل الحل والعقد، وهنا تبرز ثلاثة مصطلحات مركزية في نظام الخلافة الإسلامية، فالبيعة هي نظام إسلامي تختار فيه مجموعة معينة من الأشخاص ذوي ميزات خاصة (من العلم والتقوى تنوب عن الأمة تسمى بأهل الحل والعقد) رجلاً يتولى أمر الأمة يحقق أهداف الخلافة (التي سبق توضيحها) تتعهد الأمة بطاعته ونفيذ أوامره وترك نواهيه ما أطاع الله في ذلك وإلاّ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أما أسلوب الاختيار فيسمى بالشورى عملاً بالآية الكريمة رقم 159 من سورة "آل عمران": {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظّا غليظ القلب لانفضّوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله إنّ الله يحبّ المتوكّلين}، وقالى تعالى أيضًا واصفًا نظام الشورى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} سو ة الشورى، الآية: 38.

وقد اختلف العلماء قديمًا وحديثًا حول مدى إلزامية الشورى من عدمها في علاقة الخليفة بأهل الحل والعقد، فبعضهم رأى بأن ما يصدر عن الجماعة يُلزم حتمًا الخليفة وهو مطالب بالامتثال به وبعضهم رأى أنّ ما يصدر عنهم لا يُعدُّ سوى توصيات إن شاء الخليفة الأخذ بها وإن شاء ترك.

أخيرًا نقول إنه لا توجد طريقة محددة في تاريخ الإسلام لاختيار خليفة المسلمين، وقد اختير كل خليفة في تاريخ المسلمين بطريقة مختلفة عن الآخر، فكانت أمثل حقبة هي حقبة الخلفاء الرادشين الأربع التي استمرت قرابة 30 سنة كاملة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، وأخيرًا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعًا)، لتتحول الخلافة بعد علي إلى ملك عضوض مع معاوية بن أبي سفيان ومن جاء بعده، إذ عرف المجتمع الإسلامي بعدها تراجعًا لنظام البيعة والشورى كنظام مثيل صنع العنصر الذهبي لهذه الأمة.

أسباب عودة مسألة الخلافة للنقاش من جديد في العصر الحديث

يمكننا أن نلخص أهم هذه الأسباب في عدة نقاط أساسية:

- انهيار دولة الخلافة العثمانية وتفتت دولة الإسلام إلى دول ومناطق تخضع لقادة وحكومات مختلفة.

- اتساع الرقعة الجغرافية لأرض المسلمين وصعوبة التحكم فيها عبر نظام مركزي واحد وخليفة واحد يرعى شؤون دينهم ودنياهم جميعًا على قدم المساواة.

- ظاهرة الاستعمار الأجنبي التي كانت مصاحبة لهذا الانهيار، وما أنتجته هذه الظاهرة من احتلال لأراضي المسلمين وتحكيم شرائع مختلفة عن شريعة الإسلام في شعوبها.

- ظهور التيارات الفكرية والسياسية التغريبية التي أرادت إنشاء دول ومجتمعات جديدة على الطريقة الغربية.

- ظهور الحركات القومية العربية المنادية بفكرة الدولة الأمة على الطريقة الغربية.

- التأثير الذي أحدثته موجة التحديث الغربية في العرب والمسلمين حتى ابتعدت كثير من هذه المجتمعات عن قيم الإسلام الأولى نظرًا لغياب الحامي الأول لقيم الإسلام والمتمثل في الخليفة.

- ظهور موجة إصلاحية في الفكر الإسلامي أرادت أن تعالج أسباب تخلف المسلمين وتقدم غيرهم، وكذا إشكالياتهم الحضارية والقيمية، ومسائل الحكم والسياسة، قادها مفكرون وإصلاحيون كثر على غرار: جمال الدين الأفغاني، محمد عبده، عبد الرحمان الكواكبي، رشيد رضا، محمد أرسلان، محمد إقبال، أبو الأعلى المودودي، حسن البنا، محمد الغزالي، على عبد الرازق، سيد قطب، مالك بن نبي وغيرهم من المفكرين والمصلحين.

- تطور الوضع الدولي وظهور مفاهيم سياسية جديدة عن المفاهيم الكلاسيكية التي سادت دولة الإسلام عبر التاريخ، أخذت طابعًا عالميًا وعملت القوى الدولية الجديدة بعد الحرب العالمية الأولى على ترويجها في العالم، كمفهوم الدولة القومية، الديمقراطية، التداول على السلطة، الأحزاب السياسية، المعارضة، المجتمع المدني، المنظمات الدولية وغيرها من المفاهيم التي حتمت على المسلمين ضرورة إيجاد صيغ جديدة للتعامل معها لمواكبة تطورات العصر.

أبرز المقاربات السياسية لمسألة الخلافة

نتيجة للأوضاع التي كان يعيشها العالم الإسلامي آنذاك (كما أشرنا من قبل) صارت مسألة الخلافة والحكم إحدى أهم المسائل إثارة للجدل والنقاش بين مختلف الأطراف السياسية والفكرية في العالم الإسلامي الذي انقسم إلى طرفين أساسيين، طرف رأى بضرورة إلغاء الخلافة أساسًا لأنها لم تعد ملائمة لظروف العصر الجديد، وإنهاء كل ما له علاقة بهذه المسألة من مفاهيم إسلامية تقليدية بالية، وتبني المفاهيم التقدمية الحديثة، في مقابل طرف آخر رأى بضرورة عودة المسلمين إلى نظام الخلافة كنظام حكم موحد يعيد للمسلمين مجدهم القديم، وهو الطرف الأهم في مقالنا هذا نظرًا للاختلاف الذي عرفته الاجتهادات الفكرية بين مفكريها وتياراتها السياسية حول حيثيات الخلافة في العصر الحديث، ويمكن تقسيم أصحاب الاتجاه الثاني إلى ثلاثة فئات كبرى كان لها بالغ الأثر والتأثير:

  1. الجبهة السلفية - الوهابية:

أولاً ينبغي التنبيه لوجود اختلاف بسيط بين السلفية والوهابية؛ فالأولى "مذهب ديني" بالأساس له نظرته المعرفية للدين والحياة يغلّب النص على العقل إذا حدث التباس بينهما في قراءة النص الشرعي غير الصريح، ويهتم أنصاره بالحديث النبوي الشريف أكثر من اهتمامهم بالقرآن الكريم في مسائل الدين والحياة حتى تم تسميتهم بأهل الحديث من طرف البعض، أما الوهابية فهي أيديولوجية سياسية لمسائل الحكم والدولة، تُنسب للشيخ المصلح محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر في الحجاز، تركز على ضرورة الإصلاح العقائدي قبل كل شيء وقد حدث تحالف بينها وبين آل سعود لاقتسام شؤون الدين والسياسية في منطقة الحجاز وإقامة دولة الخلافة الإسلامية هناك لتكون بديلاً عن خلافة العثمانيين.

يتبنى أنصار هذه الجبهة مفاهيمًا سياسية كلاسيكية جدًا عن مسائل الدولة والحكم والعلاقة مع الآخر (مثل مفاهيم دار الإسلام ودار الحرب ودار العهد) ولا تختلف نظرتها للخلافة عما هو مألوف في السابق، وتجعل الحكم قرشيًا وترفض كل المفاهيم السياسية الحديثة تقريبًا، لذا نراها تعتبر الديمقراطية كفرًا والأحزاب السياسية فتنة والمعارضة - خاصة المسلحة منها - ضربًا من ضروب العصيان والخروج عن الحاكم، فهم يرون في هذه المفاهيم مفاهيمًا قادمة من مجتمع غربي كافر فهي غريبة عن المسلمين وعقيدتهم، وفي مبادئها كفر وشرك صريح إذ إنه ينفي حكم الله وشرعه، ويمجد حكم الشعب، ومبدأ الحرية، وحرية إبداء الرأي حسبهم مبدأ يبيح للإنسان أن يطلق العنان للسانه يطعن فيمن شاء، ويفعل ما يشاء وهو مخالف للمبدأ الأخلاقي في الإسلام.

لا تشارك التيارات السلفية في العمل السياسي وتقتصر على العمل الدعوي، إلاّ أنها عرفت تطورًا في الفترة الأخيرة وصار قسم منها يشارك في العمل السياسي ضمن أحزاب سياسية ظهرت في الكويت، الجزائر ومصر مثلاً، من الكتاب السلفيين نجد الشيخ سلطان بن عبد الرحمان العيد، محمد شاكر الشريف، أبو الأعلى المودودي صاحب فكرة الحاكمية والأستاذ محمد قطب أخ المفكر الشهير السيد قطب وغيرهم الكثير.

  1. حزب التحرير:

هو تكتل إسلامي تم تأسيسه في القدس سنة 1953 على يد الشيخ القاضي تقي الدين النبهاني نتيجة تأثره بسقوط الخلافة العثمانية، يُسمى زعيمه أميرًا وعرف ثلاثة أمراء إلى الآن، ينشط في كافة بقاع العالم الإسلامي وخارجه أيضًا، بينما يُحظر نشاطه في دول عدّة منها ليبيا والعراق وألمانيا، وتُراقب أنشطته في دول أخرى كمصر والأردن وبريطانيا، له نشاط مكثف في وسط آسيا خاصة أوزباكيستان وأتباع كثر في أندونيسا وماليزيا أيضًا.

 يركز على موضوع الخلافة الإسلامية بشكل واضح، جاعلاً إقامة دولة الخلافة الإسلامية أهم قضية على الإطلاق، ومدعيا بأن "كل مشاكل الشعوب الإسلامية ستحل بإقامة هذه الدولة"، يمتاز عن غيره من الحركات الإسلامية بأحد الأمرين:

  • عدم قبوله بالحلول الوسط في سعيه لإقامة الخلافة الإسلامية، وإصراره الشديد على ذلك، فهو لا يقبل بالدول الإسلامية الوطنية (ضمن حدود دولة ما)، ولا حتى كحل مرحلي على طريق إنشاء الدولة الكبرى كما ترى ذلك جماعات إسلامية أخرى مثل الإخوان المسلمين.
  • في المقابل يصر الحزب على الدعوة الفكرية فقط، وتجنب ما يسميه العمل المادي.

يحرم حزب التحرير الديمقراطية تحريمًا تامًا، ويعتبرها "نظام كفر" لا يجوز الاحتكام لها، ولا الدعوة إليها، بل يعتبر الدعوة إليها دعوة إلى باطل، بل إن حزب التحرير أصدر كتابًا رسميًا بعنوان: "الديمقراطية نظام كفر، يحرم أخذها أو تطبيقها أو الدعوة إليها"، ويرد في مقدمة هذا الكتاب: "الديمقراطية التي سوَّقها الغرب الكافر إلى بلاد المسلمين هي نظام كفر، لا علاقة لها بالإسلام، لا من قريب، ولا من بعيد، وهي تتناقض مع أحكام الإسلام تناقضًا كليًا في الكليات وفي الجزئيات، وفي المصدر الذي جاءت منه، والعقيدة التي انبثقت عنها، والأساس الذي قامت عليه، وفي الأفكار والأنظمة التي أتت بها".

هذا الرفض التام والجازم جلب الاتهامات للحزب بكونه حركة أصولية وحركة راديكالية جعلت الحزب في موقع الاتهام في العالم الغربي وعند كثير من العرب.

يدعي حزب التحرير أنه يملك تصورًا واضحًا لإدارة دولة الخلافة التّي يطمح لها، وقد وضع لها دستورًا ونظامًا اقتصاديًا يستقي أفكاره من الشريعة الإسلامية كما يقول، ويرى أيضًا أن الصراع الدائر في العالم هو صراع بين الحق والباطل بين الإسلام والكفر، وأن الأنظمة السياسية الحالية في العالم الإسلامي هي أنظمة عميلة تساهم في تكريس أجندة الغرب المحاربة للمسلمين، لذلك فهو حزب محظور في كثير منها، كما تتهمه بعض الجهات بمسؤوليته عن أعمال عنف وإرهاب وأن أفكاره صارت أقرب للتيارات المتطرفة منها للحركات المعتدلة.

  1. جماعة الإخوان المسلمين:

هي أكثر الجماعات الإسلامية اعتدالاً ووسطية، ظهرت سنة 1928 مع الشيخ حسن البنا وهي مستمرة إلى الآن ولها فروع في كل أنحاء العالم الإسلامي على شكل أحزاب سياسية تنهل من ذات المرجعية الفكرية، طورت عبر الزمن فهمًا وسطيًا لمسائل الحكم والخلافة والسياسة، فجمعت بين مفاهيم الإسلام الأصيلة وبين مقتضيات العصر وتطوراته السياسية، فكانت نظرتها ترتكز على مقاصد الشريعة بدلاً من نصوصها الحرفية، رأت مسألة الخلافة أنّها مسألة دنيوية وليست دينية، لذا فباب الاجتهاد فيها يبقى مفتوحًا في كل عصر، لم يكفر علماؤها بمفاهيم الديمقراطية، التداول على السلطة، الأحزاب السياسية والمعارضة مثلاً، وإنما تم تنبيها مع تعديلات متفاوتة لتتناسب مع مقصد الشرع ونصوصه وخصائص المجتمعات الإسلامية، أبرز علماءها ودعاتها بعد حسن البنا كان الشيخ محمد الغزالي، حسن الهضيبي، يوسف القرضاوي وراشد الغنوشي.

تؤمن هذه الحركة بضرورة المشاركة السياسية السلمية عبر الأحزاب السياسية والاقتراع لأجل تحقيق التغيير السلمي في نظم الحكم، لذا تحرم استعمال السلاح والعنف المادي لتغيير السلطة، كما تطورت أفكار الحركة عبر الزمن فصارت تؤمن بفكرة الدولة المدنية الحديثة على أن تكون لها مرجعية إسلامية، ويرى بعض علمائها الروحيين أمثال الدكتور القرضاوي أن رئيس كل دولة مسلمة اليوم هو بمثابة خليفة في ديار المسلمين عليه أن يتحلى بصفات الخليفة ليُختار وأن يؤدي وظائف الخليفة التي تتراوح بين حراسة الدين وسياسة الدنيا، في مقابل أن يحظى بحق السمع والطاعة من قِبل الرعية، فهي تقبل بالوضع القائم وتحاول إصلاحه إلى أن تتغيّر ظروف المسلمين وتتهيأ ظروف الوحدة بين دولهم.

لا تتبنى الحركة مفاهيم تراثية كلاسيكية ثنائية مثل دار الحرب والسلم، الكفر والإسلام، الولاء والبراء وما شابه وإنما تنخرط في قضايا الحياة السياسية المحلية والدولية بما عليها من مساوئ لتغير فيها من الداخل قدر المستطاع وتصل بها إلى مقصد الشرع من كل شيء.

خاتمة

رغم زوال دولة الخلافة الإسلامية منذ أكثر من قرن من الزمن إلاّ أن موضوعها لا يزال حيًا في قلوب فئة كبيرة من المسلمين إلى اليوم، فحتى وإن تعددت الرؤى واختلفت الوسائل والمرجعيات، فإن العامل الأساسي الذي يُبقي هذا الموضوع مفتوحًا هو التحديات التي يعيشها المسلمين منذ ذلك التاريخ وتعرض أراضيهم للاحتلال والتبعية والاستغلال من طرف الغرب الأمر الذي أبعدهم عن ركب الحضارة بعدما كانوا من روادها يوم كانت تجمعهم مظلة واحدة اسمها الخلافة الإسلامية.