قد لايستطيع البعض وخصوصا ممن يعيشون في البلاد الآمنة تماما أن يتخيلوا وضعية البلاد المحتلة و صاحبة الأحداث الساخنة إلا كونها أشبه بالصحراء يقتتل فيها الناس ويبيح احدهم دم الآخر وليست سوى تخلفا واستعبادا و تهديدا للآخرين !
إلا أن الذين يعيشون في هذه البلاد لايستطيعون أنفسهم تخيل الوضعية التي يعيشونها إلا أنها تسير بالقدرة الإلهية ! كثيرٌ ممن يتابعون الأخبار عن العراق يتخيلونه عبارة عن معركة مفتوحة لا أمن فيها والاقتتال مستمر فيها دائما ,, نوعا ما هي هكذا إلا أن الصورة التي تنقل غالبا ماتكون صورة جزئية لاتتناول جميع الأحداث سوى الساخنة منها والعاجلة , العيش في العراق أصبح عيشا إزدواجيا تسير الحياة ولاتسير ! تأقلم الناس مع معيشة لاتتناسب مع أدنى أدنى متطلبات الحقوق إلا أنهم تأقلموا معها وكيفوا أنفسهم معها رغم صعوباتها ومضارها إلا أن مللا وسأما قد أصاب الجميع والكل ينتظر تلك القشة التي ستقصم ظهر البعير !وهذه الحقوق المفقودة والأحداث الصعبة المتكررة أصبحت من المألوفات الآن في العراق والتي لايستطيع حتى أن يتخيلها الشخص الأجنبي عن البلاد والذي يعيش مع كامل حقوقه .
وأصبحت هذه المآسي طرائفا يتغنى بها الشعب كالكوميديا السوداء ! فيقولون مابين سيطرة وسيطرة سيطرة للسخرية! وهذه عن كثرة الحواجز الأمنية والسيطرات التي يقف فيها الجيش والتي أصبحت بعدد هائل ولاداعي له سوا أن ترى في كل 10 أمتار حاجز أمني للجيش ينبغي عليك أن تبطئ سيارتك بالقرب منه وأن تفتح النافذة وتلقي السلام ثم تكمل طريقك الى ماشاء الله من الحواجز الأمنية الأخرى ! من الممكن أن تكون معتادا على طريق قريب وسهل يوصلك الى المكان الذي تريده ثم تراه مغلقا في اليوم الثاني ! هذا بالإضافة إلى الإختناقات المرورية التي تولدت بعد أن جعل الجيش لكل منطقة سكنية مهما كانت كبيرة منفذا واحد للخروج والدخول !
كان الشعب في البداية يرفض , يستنكر , ثم مالبث الآن إلا أن يأقلم نفسه مع الخرائط الجغرافية الجديدة التي يرسمونها له !
وأما الإستهدافات الفردية والجماعية فمازالت مستمرة , تارة مشتعلة لأيام متتالية وتارة مختفية لأسابيع عديدة ! ولكن الشعب بات يعيش ازدواجية مفروضة عليه ! فأنت ترى في نفس الوقت الذي يقتل فيه العشرات,  في منطقة أخرى الحياة مستمرة والناس تمارس أعمالها بصورة طبيعية تماما ! وكأن شيئا في أحاسيسها تبلد ! نعم هي تحزن وتستنكر ولكنها تعودت فأصبح الأمر أقرب للطبيعي !
يحدث أن تستيقظ من الصباح الباكر وتستعد للذهاب الى عملك فتتفاجأ وقت خروجك بوجود حظر للتجوال لسبب غير معلوم ولفترة غير معلومة أيضا !
وأن تحدث بعض الإستهدافات الموجهة لبعض الأيام مثل أستهداف المطاعم لبضعة أيام ثم الأنتقال لهدف آخر !
أن تخرج من منزلك فتنفجر بالقرب منك سيارة أحدهم بعد تفخيخها بعبوة ناسفة تستهدف هذا الشخص أو تكون قد إشتبهت بسيارته فيكون قتلا خاطئا تعتذر الجماعة المسؤولة لذوي المقتول عن هذا القتل !
ومقت عام وإستياء من حكومة لاتعرف المعنى الحقيقي لكلمة حكومة وكلمة مسؤول ! لأن المسؤولين أنفسهم قد إنشغلوا بالرواتب المالية الضخمة التي يستلمونها بعيدا عن آلالام الشعب ونكباته ,, تشويه لصورة العراقيين من خلال مسؤولين يظرون بصور غير لائقة ليتحدثوا بأحاديث لايتكلم عنها شخص إلا وكان خارجا عن وعيه ! إستخفاف بالعقول لدرجة تحميل فيضانات الشوارع في أيام المطر الشديد إلى كون جهات مدسوسة قد وضعت حجار ضخمة من أجل أن تغرق بعض المناطق السكنية ! وبدلا من وضع الحلول تجد الحكومة أن أسهل حل هو وضع عطلة لجميع الدوائر الخدمية والمدراس والجامعات والشعب بالتأكيد يفرح بهذا الوابل من العطل , لأن التعليم بالأساس منهار تماما والقرارات الفجائية لكل سنة تعليمية قرارت مجحفة بحق الطلبة المجدين ولايستفيد منها إلا كل متقاعس كسول وهو يعلم في النهاية أنه سينجح وسيكون من أوائل الحاصلين على فرص العمل !
وإذا كانت العلاقات بين أبناء الطوائف المختلفة جيدة و أخوية فلا بد من فتن طائفية بين حين وآخر كقتل مسيحيين من القرى في مدن غالبية سكانها من المسلمين , وهكذا تشتعل الأوضاع مرة أخرى !
وتبقى بعض الأماني من الشعب العراقي بعد فقدان الأمل بالكثير من المتطلبات الأساسية لو أن له حرية الكلام والتظاهر والخروج إلا أنها أصبحت أحلاما يتغنى بها لكون هذه الحرية شيئا فوق المستحيل لأنه لا مجال أن تتكلم او تعلي بصوتك وكل من حاول زُج به في السجون لمصير غير معلوم تماما !
ولامتنفس له سوى بعض الحرية الإلكترونية التي يحاول من خلالها أن يوصل بعضا من همومه من خلال الحس الفكاهي الذي يشبه مهرجا يبكي من الداخل ووجهه ضاحك مستبشر !  ثم يكمل حياته ويستيقظ ليوم آخر وهو حقا لايدري أي فيلم آكشن سيحدث معه هل سيكون من ضمن خسائر عمليات إنتحارية لايعلم لها دافع ولا من يمولها ولا من يقف خلفها ,وفي النهاية هل سيعود إلى بيته آمنا !