تلوح في الأفق بوادر أزمة في الخفاء تحمل تداعيات دبلوماسية – قضائية – اقتصادية بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، حيث يحاول أعضاء الكونجرس تمرير مشروع قانون يجرد الحكومات الأجنبية من الحصانة في القضايا "الناجمة عن هجوم إرهابي يقتل فيه أمريكيون على أراض أمريكية"، ما يعني السماح بمحاكمة مسؤولين سعوديين بتهمة التورط في أحداث 11 سبتمبر 2001، الأمر الذي ردت عليه المملكة بالتهديد بسحب استثماراتها البالغة 750 مليار دولار من واشنطن، تشمل عقارات وإيداعات وسندات بالبنوك.

يأتي ذلك فيما ينتظر العالم لقاءا حاسما بين الرئيس الأمريكي أوباما، وخادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، خلال القمة الخليجية – الأمريكية، هذا الأسبوع .

أزمة التقرير السري

بدأت فصول الأزمة حينما فرضت السلطات الأمريكية السرية على 28 صفحة من تقرير التحقيق حول 11 سبتمبر، يقال إنها تتناول دور الحكومات الأجنبية في الهجمات، على الرغم من أن الولايات المتحدة اتهمت 15 شخصا سعوديين من أصل 19 متهما نفذوا الهجمات، لكن لم يسبق توجيه أي اتهام للحكومة السعودية، الحليفة للولايات المتحدة، في تلك الهجمات، كما نفى المسؤولون السعوديون أي علاقة لهم بها.

وخلصت اللجنة التابعة للكونجرس الأمريكي والتي حققت عام 2002 في هجمات سبتمبر، إلى استبعاد "تورط كبار المسؤولين السعوديين، أو جهات حكومية سعودية في تمويل القاعدة"، لكن جملتها هذه فتحت مجال التخمينات أمام إمكانية "تورط مسؤولين سعوديين من مستويات أدنى بالهجمات" حيث أشر أعضاء اللجنة تحت كلمة كبار المسؤولين بعلامة تحديد تؤكد تلك الاحتمالية.

في المقابل، طالبت المملكة منذ بدء إثارة الأزمة بضرورة الكشف عن هذه الصفحات المفروضة عليها السرية منذ عام 2002، قائلين إن ذلك سيمنحهم الفرصة للدفاع عن أنفسهم ضد الاتهامات بالتورط في الهجمات، في حال كانت هناك اتهامات موجودة أصلا، لكن إدارة الرئيس السابق جورج بوش رفضت ذلك؛ بذريعة أنه سيضعف قدرتها على جمع معلومات استخباراتية عن المشتبه بتورطهم في عمليات "إرهابية"، وهو النهج الذي سارت عليه إدارة أوباما فيما بعد.

تعويضات بالملايين

ملامح تجدد الأزمة بدأت منتصف العام 2015 مع رفع أسر ضحايا هجمات 11 سبتمبر دعوى قضائية ضد الحكومة السعودية، لمطالبتها بتعويضات تتجاوز ملايين الدولارات عن ضحايا الهجمات، قبل أن تقضي المحكمة الفيدرالية، برفض الدعوى بسبب الحصانة التي تملكها المملكة في هذه القضية.

وهنا يقفز في ذهن المحللين تساؤلين هامين، الأول يستفسر عن فرص مقاضاة السعودية لتعويض ضحايا الهجمات، والآخر يعني بمدى إمكانية الرد السعودي ببيع السندات والأصول المملكة لها بواشنطن، والتي تتجاوز مليارات الدولارات، والتي تعني إلحاق ضرر بالغ بالاقتصاد الأمريكي والسعودي على حد السواء؟.

علاقات قوية

برؤى المحللين الإجابة على هذين التساؤلين ترتبط بقوة علاقات البلدين، التي قاومت ظروفا أصعب من تلك خلال السنوات الأخيرة، والتي كانت آخرها عاصفة الاتفاق النووي "الأمريكي – الإيراني" الذي رآه الكثير من المحللين صفعة أمريكية للمملكة ودول الخليج، وربما تؤثر على علاقات البلدين، لكنهما تجاوزا الأزمة بكل أريحية وثقة معا .

مصادر عدة قريبة من إدارة الرئيس الأمريكي أوباما تقول بأن إدارة أوباما ضغطت على الكونغرس لمنع إقرار القانون، فيما حذر مسؤولون كبار في وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين، الشهر الماضي، أعضاء لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، من أن تمرير مشروع القانون قد يعرض الاقتصاد الأمريكي للخطر، بينما احتدم النقاش بين مشرعين ومسؤولين بالخارجية والبنتاجون، حول جدوى التهديدات السعودية وما يمكن أن تحدثه من أثر بالاقتصاد الأمريكي.

منظور اقتصادي

برؤية اقتصادية، للسعودية دورا كبيرا في الحفاظ على الدولار كعملة احتياط رئيسية في العالم، فالمهم ليس مقدار النفط الذي تبيعه السعودية لأمريكا، خاصة وأنها تبيع النفط للكثير من دول العالم، ولكن المهم هو دور السعودية في التوافق مع أمريكا على إبقاء الدولار عملة تقويم للنفط، لدى منظمة الدول المصدرة "أوبك"، ما يعني أن العملة الأمريكية هي الاحتياط الرئيسي لتلك الدول، في إطار التفاهم القائم بين الجانبين منذ سبعينيات القرن الماضي، فيما يعرف بظاهرة "البترودولار" وما نتج عنها من طلب عالمي لا يتوقف على الدولار الأمريكي، أو على الأوراق المالية المقومة بالدولار الأمريكي.

أضف إلى ذلك أن المديونية العالية للولايات المتحدة الأمريكية، تدفع بواشنطن إلى الاعتماد بشكل رئيس على تمويل ميزانيتها بالاعتماد على السندات التي يبتاع الأجانب جزءا كبيرا منها، ما يعني أن على الحكومة الأمريكية أن تضمن على الدوام الإقبال على عملتها، وفي اللحظة التي تفقد فيها أمريكا القدرة على طباعة الدولار، وتصديره إلى الخارج باعتباره عملة الاحتياطي العالمي، ستنتهي قدرتها على تمويل عجزها المالي الكبير.

مخاطر خارجية

في المقابل ، يرى محللون أن ضغط إدارة الرئيس الأمريكى باراك أوباما، لمنع القانون السابق الإشارة إليه يضع الأمريكيين خارج البلاد فى خطر قانونى، خصوصا أن نتائج تحقيق الكونجرس فى الهجمات عام 2002 وصلت إلى أدلة على تورط مسئولين سعوديين موجودين بالولايات المتحدة وقت الأحداث فى المخطط، وهو ما أكده السناتور السابق، بوب جراهام، الذى اطلع على التقرير، مشيرا إلى أن زكريا موسوى، الذى يُحاكم فى الولايات المتحدة بتهمة الضلوع فى هجمات سبتمبر، اعترف بتورط أعضاء بالعائلة بالأسرة المالكة السعودية فى دعم الهجمات، وأنه ناقش خطة لإسقاط طائرة الرئاسة الأمريكية باستهدافها بصاروخ "ستينجر" مع موظف فى السفارة السعودية فى واشنطن، مؤكدا علاقة العائلة أو جزء منها بتنظيم القاعدة فى فترة التسعينيات.

اعترافات موسوي حملت أيضا عددا من المفاجآت أهمها أنه تلقى أوامر من قائد القاعدة فى أفغانستان عام 1998 أو 1999 بإنشاء قاعدة بيانات معلوماتية للجهات المانحة للمجموعة، ومن بين الذين طلب إدراج أسمائهم فى قاعدة البيانات كان الأمير تركى الفيصل، رئيس الاستخبارات السعودى السابق، والأمير بندر بن سلطان، ورجال دين بارزون لم يعلن عنهم بعد، وهو ما أنكرته السفارة السعودية فى واشنطن، فى بيان أصدرته بمجرد وصول المعلومات إليها.

الخطورة في الأيام المقبلة هي أن هيلاري كلينتون، المرشحة الأوفر حظا عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، والمرشح الجمهوري المحتمل تيد كروز، يؤيدان مشروع القرار، الأمر الذي يعني أن المشروع قد يتحول إلى قرار بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة خلال العام الحالي، وهنا يبرز التساؤل المخيف، هل تقدم السعودية على سحب أرصدتها من الولايات المتحدة؟، وهل هناك أساس لمقاضاة السعودية للحصول على تعويضات عن هجمات سبتمبر 2001؟.. ننتظر لنرى.