بعد ما يقرب من عام من تفسخه وتشتت فصائله بسوريا بسبب خلافات داخلية، عاد "جيش الفتح" من جديد ليعلن عن دخوله المشهد الحربي بالبلاد، ليشكل بوجهة نظر المحللين "النواة الحقيقية" لاجتماع الكلمة بالشمال السوري، بعدما أعطى تشتت الفصائل المجال للنظام العلوي والمليشيات المتحالفة معه للتقدم في بعض المواقع ولاسيما ريف حلب الجنوبي.

كانت بداية تشكيل جيش الفتح المليء بالخبرات والعتاد العسكري في مارس من العام 2015 بهدف السيطرة على مدينة إدلب ومدن أخرى حولها، لكن انسحاب جند الأقصى منه، بعد خلافات مع حركة أحرار الشام، إثر الإعلان عن معركة السيطرة على حماة، تسبب في ترهله وانهياره تباعًا، وهي المرحلة التي لحقها انسحاب جبهة النصرة، المكون الرئيسي فيه، وتعليق عملها، تضامنًا مع الجند.

خلافات وانهيار

تداعيات الخلافات بجيش الفتح لم تمنعه وقتها من إصدار بيانًا عسكريًا أعلن فيه بدء غزوة حماه، عبر فيديو يظهر فيه عبد الله المحيسني، قاضي جيش الفتح والشرعي الأول في جبهة النصرة، ردًا على الحملة العسكرية الشرسة لقوات النظام وقتها المدعومة بسلاح الجو الروسي، وبعض القادة الميدانيين الروس بمشاركة حزب الله اللبناني، باتجاه ريف حماه الشمالي، وهي الحملة التي تصدت لها فصائل الجيش الحر بغالبية كبيرة دون مساعدة من جيش الفتح، رغم طلب المؤازرات حتى من بعض المجموعات التابعة له التي كانت متواجدة في المنطقة كنقاط رصد.

المحيسني وعد في الفيديو وقتها أهل حماه بواقع وسيناريو مشابه لما حدث بعد تحرير وادي الضيف ومعسكراته ومن بعدها ساحة إدلب، مشيرًا إلى أنه سيتم إنجاز الغزوة في أيام معدودة، لكي لا يسمح للنظام بضرب المدينة وإهلاك أهلها، وهو التخوف الذي رفعته جماعة جند الشام وقتها.

وكانت أسباب اعتراض بعض الفصائل المعارضة على غزوة حماه تتعلق بكون المدينة تحتوي على عدد كبير من المدنيين والنازحين يقدرون بمليوني شخص، ومن المتوقع أن تكون هناك أعمالاً انتقامية من النظام ضدهم، قياسًا لما حدث في الثمانينات من القرن الماضي، كما أن هناك معارك أكثر أهمية وجدوى كدمشق والساحل أو حتى التمكن من حلب، لكن المحيسني رد وقتها بأن الأمر "جاء بناء على قرار قادة عسكريين يقدرون المصلحة العسكرية، وأهل الميدان من القادة الذين عركتهم الحروب أقدر على تقدير هذه المصلحة"، واصفًا دعوات الفصائل بعدم الاقتراب من حماة خشية تدميرها من قبل النظام، بمن يوجه سؤالاً للفصائل بقوله "لماذا قمتم بالثورة؟".

غياب الاستراتيجية

تلك الحملة أو الغزوة كما وصفها المحيسني، كانت سببًا رئيسيًا في تفسخ عناصره وانصراف عدد من الفصائل عنه ، بسبب غياب استراتيجية واضحة ومتكاملة للحملة تجاه حماة المدينة، آخذين في الاعتبار وقتها خطر تدخل داعش من الجهة الشرقية (الصبورة - السعن - السلمية) الذي يعني انكشاف ظهر جيش الفتح لها، في حال بدأ هجومه على المدينة من تلك الجهة، وبالتالي اتساع الجبهة واختلاف نقاط الاشتباك، إضافة إلى تعدد أجندات الفصائل المعارضة نفسها.

من قلب الموقف الرافض لغزوة حماه نشأت بعض الرؤى والقراءات التي تقول بأن اتساع الجبهات وكثافة الحواجز، ستطيل مدة العمل، وتستنزف الكثير من القدرة العسكرية، مما قد يخلق صعوبات كبيرة في التمسك بالنقاط المحررة والمدينة، إذا ما تم تحريرها، ناهيك عن تواجد عدد كبير من المقاتلين الروس مع عتاد وتجهيزات ضخمة لإنشاء قاعدة روسية في حماة، وبالتالي لن تسمح روسيا بسهولة بسقوطها بيد جيش الفتح، كما أن وصول المعركة لحماه المدينة دون تحقيق تحرير كامل أو بحال الفشل فيها، سيخلق ردة فعل سلبية لدى المدنيين فيما يخص أي أعمال لاحقة، وهو ما حدث فعلاً بعد إطالة أمد الغزوة، وعدم تحقيقها أي تقدم عسكري ملموس؛ لينهار مع فشلها جيش الفتح تمامًا.

تحرك تركي

من المعروف أن جيش الفتح هو قوة عسكرية ممولة ومدعومة من كل من تركيا وقطر ومعهما السعودية، وتشكل عودته الآن بضغط تركي - وفق المحللين - إعادة لمنهجية دمج الفصائل تحت قيادة موحدة، بعد تفكك الجسم العسكري جراء تزايد الخلافات والاغتيالات المتبادلة.

وعلى مدى أسابيع ثلاثة مضت عقد المحيسني سلسلة اجتماعات مع قيادات فصائل الفتح بالتزامن مع إرساله مندوبين من جبهة النصرة لإقناع جند الأقصى بالعودة إلى التحالف العسكري الذي انضم له حديثًا "الحزب الإسلامي التركستاني"، بإيعاز من المخابرات التركية التي استدعت المحيسني مع عدد من قادة الفصائل التي تدعمها، وطلبت منه إعادة لم شمل جيش الفتح وإنهاء الخلافات، والتحضير لعمل عسكري، بعد أن كان قد قرر اعتزال العمل العسكري بعد الإصابات المتكررة التي تعرض لها، إلا أنه عدل عن قراره وبدأ جولة على أرياف إدلب وحماة وحلب للم الشمل، بين أحرار الشام والنصرة وفيلق وأجناد الشام والحزب الإسلامي التركستاني، إضافة إلى جيش السنة ولواء الحق، فيما رفض جند الأقصى الانضمام بسبب خلافه مع أحرار الشام، بينما فضلت كل من حركة نور الدين الزنكي ولواء السلطان مراد، العمل بشكل منفرد، فيما رفض المحيسني توجيه الدعوة إلى جيش الإسلام في إدلب، لخلافاته الكبيرة مع جميع الفصائل التي طردته من معارك ريف إدلب، لعدم التزامه عسكريًا وإحداثه خللاً في العديد من المعارك التي تسببت بخسائر بشرية.

تغيير بموازين القوى

برؤى المحللين فإن عودة جيش الفتح في هذا التوقيت يعتبر حدثًا بارزًا، لاسيما بانضمام الحزب الإسلامي التركستاني إلى التشكيل، وهو الذي يتميز مقاتلوه التركستان بشراستهم في القتال، الأمر الذي يفسر ضمهم إلى غرفة عمليات جيش الفتح، استعدادًا لمعارك مركزة بريف حلب الجنوبي، والغربي، وريف حماة، والساحل، لإنهاك قوات النظام فيها.

بقراءة متأنية لتداعيات ونتائج عودة جيش الفتح للساحة العسكرية في سوريا ، قياسًا على ما فعله سابقًا من تحرير إدلب وجسر الشغور، بالإضافة إلى الحاضنة الشعبية الكبيرة التي يتميز بها دون باقي الفصائل المسلحة، نجد أنه سيكون قادرًا على كسر قوات الأسد والميليشيات الشيعية المتحالفة معها، خصوصًا إذا أحسن استخدام قوته وقدرته القتالية العالية جدًا من عدة نواحي، سواء بخبرة مقاتليه والمعارك الطويلة التي خاضوها ضد قوات النظام، وقدرته على تنفيذ عمليات استشهادية بكثافة، ما يؤهله للاستفادة القصوى من التأثير النفسي المدعوم بالكثير من الانتصارات السابقة، ورصيد الرعب الذي زرعه في نفوس عناصر النظام، ناهيك عن أن عدد مقاتليه يتعدى الـ 20 ألف مقاتل في حلب وباقي المناطق، ما يعني القدرة على إنجاز الكثير وتنفيذ المعارك في عدة جبهات، تشمل حلب وريفها، وريف اللاذقية بشكل أساسي، وقدرتها على تنفيذ الكثير من العمليات في مناطق أخرى.

ارتباك بقوات النظام

ميدانيًا شكل إعلان المحيسني عن عودة جيش الفتح الخبر الأسوأ في الأشهر الأخيرة لقوات النظام السوري، خصوصًا في ظل حملته على حلب، التي يفكر في إلغائها أو وقفها الآن، خصوصًا وأن قوات جيش الفتح قادرة على توسيع وفتح المزيد من الجبهات، وإجبار النظام على إرسال قواته إليها كنوع من التشتيت، وهو تشتيت ليس في صالح قوات الأسد، المدعومة بعناصر إيرانية وروسية، لأنها تطيل أمد ومساحة المواجهة، ومع الوضع في الاعتبار حقيقة أن العناصر الروسية ليسوا معتادين على درجات الحرارة العالية في سوريا، سيحاولون التعجيل بالمعركة قبل بداية الصيف، الذي سيؤثر حتمًا على عمل آلياتهم وبخاصة الطائرات، التي سجل لها فشلاً كبيرًا في أفغانستان، بسبب درجات الحرارة المرتفعة صيفًا وكمية الغبار العالية، لدرجة أن الروس كانوا يتوقفون عن استخدامها ضد المقاتلين الأفغان خلال فترات ارتفاع الحرارة نهارًا، وهو ما يفكر فيه المحيسني ورفاقه لإطالة زمن استنزاف النظام، ومنعه من شن هجومه الرئيسي أو عمليته الأساسية، التي تستهدف حلب .

جبهات جديدة

رؤية عسكرية أخرى تقول بأن عودة الفتح لعملياته تشل خطة النظام للسيطرة على حلب، وتشمل فتح عدة جبهات في وقت واحد، لإشغاله في معارك الساحل، ومنعه من التفرد بحلب، مع إمكانية إحداث عدة خروقات في المنطقة تسمح بالوصول لمدى رماية صواريخ جراد التي يمتلكها الفتح؛ لقصف القاعدة الروسية في حميميم، الأمر الذي سيهز صورة كل من النظام وروسيا، ويستهلك قواتهم وضرباتهم الجوية، وبالتالي استنزافهم ومنعهم من حشد قواهم باتجاه حلب، مع إمكانية العمل على قطع طرق إمدادات النظام حول حلب خاصة طريق خناصر، الذي تعبره إمدادات النظام بشكل أساسي، والتي تعني تأثيرًا كبيرًا على قدرة النظام على فتح جبهة من نبل والزهراء باتجاه حلب، كما يمكن لجيش الفتح عبر خبرته الميدانية استهلاك العناصر لدى النظام، بالعربات المفخخة وعمليات القنص، كونها أقل خبرة خصوصًا الميليشيات الأفغانية والإيرانية.

وتبقى نقطة أخيرة تتعلق بالتسليح وإمكانية زيادة المجال الجوي الروسي بالمنطقة، وهو ما يوجب على الدول الممولة والداعمة "تركيا وقطر والمملكة العربية السعودية" استغلال الموقف الدولي من الهجمات الروسية على الأقل لتحييد سلاح الجو، الذي يعني في حال تحييده إنهاء وجود قوات النظام بالكامل في حلب وما جاورها.