السياق العام

يأتي مؤتمر حركة النهضة التونسية في سياقات خاصة سواء على المستوى الداخلي وكذلك سياق البلاد عمومًا، فمنذ اندلاع الثورة التونسية وتغير المعطى السياسي بالبلاد كان هناك تسارع غير مسبوق في إنشاء الأحزاب السياسية في تونس حتى جاوز العدد المئة حزب، كما ارتفع عدد الجمعيات المدنية ليتجاوز سبع عشرة ألف، هذا الانفتاح في المشهد التونسي السياسي والمدني يمكن فهمه وتفسيره بحالة القمع وخنق الأصوات الممنهجة والمعتمدة من النظام السابق، وهذا شكل تحد بارز لدى الأحزاب السياسية في إدارة شؤون البلاد وخاصة الأحزاب التي فازت في انتخابات أكتوبر 2011 والتي اعتلت السلطة وشكلت حكومة ما بعد الثورة.

كانت حركة النهضة هي الكتلة الأبرز في المجلس التأسيسي وهي الحزب الفائز في الانتخابات وأوكلت لها مهمة تشكيل الحكومة التي طال انتظار الإعلان عن وزرائها وجاءت بعد مداولات شاقة لتضم ثلاثة أحزاب (النهضة والتكتل وحزب المؤتمر)، ووجدت نفسها تقود الائتلاف الحاكم لأول مرة في تاريخها.

بالإضافة إلى دخولها تجربة الحكم، انغمست حركة النهضة في طرح جملة من الأسئلة المفصلية المتعلقة بإدارة الشأن الداخلي، ولعل أبرز هذه الأسئلة يتمثل في كيفية إدارة المشروع المجتمعي والسياسي والاقتصادي ومسألة الاستمرار في حركة جامعة تضم الأبعاد الدعوية والسياسية أم أن الحالة الجديدة التي عرفتها البلاد وكذلك الخروج من العمل السري إلى العمل العلني يفرض التخصص ويطرح أساليب جديدة للتعاطي مع المشهد التونسي.

بقيت كل هذه الأسئلة معلقة ولم يحسم فيها المؤتمر التاسع للحركة وهو أول مؤتمر علني لها وقد انعقد في شهر جويلية/ يوليو 2012، لم يكن من السهولة بمكان أن يحسم المؤتمر التاسع عدد من المسائل الحارقة نظرًا لحداثة العهد مع تجربة الحكم وسرعة تطورات المشهد ليس فقط التونسي بل كذلك الإقليمي والدولي، ليجد قيادات الحركة أنفسهم بعد مؤتمرهم التاسع في حالة نحت صورة جديدة لحركتهم وقد تباينت أراؤهم حد التناقض بخصوص تقييم تجربة الحكم وكذلك تقييم عمل الحركة في السنوات الماضية بالإضافة إلى الاختلاف الحاد في التعاطي مع تطورات المشهد السياسي وكيف تفاعلت معه الحركة وقياداتها.

كل هذا يبرز من خلال النقاش الحاصل الآن والذي تضمنته لوائح المؤتمر العاشر المزمع عقده أيام 20،21 و22 مايو الجاري، والذي سنأتي عليه بالتفصيل في العنوان في هذه الورقة.

محطات تاريخية هامة

كي نفهم طبيعة المضامين المطروحة على طاولة المؤتمر العاشر لحركة النهضة لا بد أن نستذكر تطور النقاش الفكري وأبرز المحطات التي أحدثت النقلة في فكر الحركة وكيفية تفاعلها مع الأحداث وهذا ما نرجو أن نتوضحه في هذا المقام.

ما من شك في أن حركة النهضة خاضت عدة حوارات جدية ووقفت في تاريخها لحظات تأمل واستطاعت أن تبرهن على قدرتها في ممارسة النقد الذاتي وأبرز دليل على ذلك خوضها تسعة مؤتمرات منذ نشأتها سنة 1981 .

فمنذ تاريخ مؤتمر النشأة عبرت الحركة عن التزامها بالعمل السياسي المدني والخضوع لحكم الصندوق واحترام إرادة الشعب في الاختيار، وتكرست هذه الرغبة بشكل جلي عندما شاركت في انتخابات 1989 على الرغم من سنوات المطاردة والسجون، إلا أن قيادة الحركة لم تنسق إلى العنف ومواجهة الدولة، ولعل هذه المؤشرات والرغبة الملحة في الانخراط في العمل السياسي المدني منذ سنوات التأسيس هو ما يفسر عودة الخطاب اليوم بخصوص الفصل بين الدعوي والسياسي وهو السؤال الأبرز في مؤتمر الحركة العاشر.

ربما فهمت حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية أن المعركة الحقيقية تتمثل في كيفية إدارة شؤون الناس وتوفير لقمة العيش وتيسير سبل الاسترزاق والانتباه لمشاغل المواطن، وهو ما أفصحت عنه وثائقها التأسيسية ومخرجات مؤتمراتها السابقة، إلا أن انعدام مناخ الديمقراطية والحرية حال دون مزيد من تعميق النظر في كل هذه القضايا الجوهرية، فهل يمكن أن تستأنف الحركة ما بنته وتعمل على تطويره زمن الانفتاح والحرية؟

أسئلة المؤتمر العاشر

بات مؤتمر حركة النهضة العاشر الحدث السياسي الأبرز هذه الأيام في تونس، وتتجلى أهمية هذا المؤتمر ليس لكونه سيطرح قضايا مضمونية تتعلق بهوية الحزب فحسب، بل لأنه سيمر بالحركة من مجرد إثبات الوجود وديمومة الشعبية إلى تجويد هذا الوجود وتنصيع صورته من خلال إثبات قدرته على التصدي للشأن العام، ولعل هذا السؤال أصبح ملحًا خاصة بعد تجربة الحكم أو بعبارة أدق صدمة الحكم التي خلخلت أركان الحركة دون أن تنال من صمودها ووحدة صفها، لتدخل الحركة مؤتمرها العاشر مثقلة بتقييم تجربتها في الحكم ومسيرتها التاريخية، بالإضافة إلى جملة اللوائح الأخرى المتمثلة أساسًا في رؤيتها المجتمعية والاقتصادية ومعالم المشروع السياسي ولائحة الرؤية الفكرية علاوة على المسألة الهيكلية وغيرها من اللوائح.

يمكننا القول أن حركة النهضة تستقبل مؤتمرها وهي تدرك أن تجربة الحكم لم تكن سهلة وأنها لم تفلح في قيادة الدولة بالشكل السليم وهذا مفهوم لغيابها عن مؤسسات الدولة وفقدانها التجربة التي تخولها أن تقود مرحلة ما بعد الثورة وهي مرحلة صعبة وشاقة خاصة أمام إرث النظام القديم المتمثل في ارتفاع مؤشرات الفقر والتباين بين الجهات والتحدي الأمني وتزايد وتيرة الإرهاب وزد عليه الفساد الإداري المتفشي في مؤسسات الدولة وأجهزتها، وهذا ما يرجح الرأي القائل بأن تجربة النهضة في الحكم تتلخص في أنها سايرت إرث الدولة ولم تسيرها وهذا نجد له تبريرًا عندما نلاحظ حجم الفساد الذي يسري في جسم الدولة وأجهزتها.

لعل هذه التجربة تركت صدى بالغ الأثر لدى قيادة الحركة ودفعها للتفكير في إيجاد بدائل حقيقية وواقعية في كيفية تسيير الدولة وإدارة شؤون الناس، وتحاول أن تتقدم خطوات هامة في طرحها الفكري والسياسي وتكون قادرة على إنتاج حلول واجتهادات عملية في اتجاه تطوير فعلها وأدائها في واقع سياسي واجتماعي متحول.

ربما استطاعت حركة النهضة أن تلعب الدور الأبرز في تحقيق نجاحات على المستوى السياسي في تونس ما بعد الثورة، إلا أن الاجتهاد الحقيقي يجب أن يتركز حول المسألة الاجتماعية التي مازالت ضامرة في خطاب الحركة وكذلك في أدائها، وتحول الحركة في خطابها وإعادة الإشارة في كل مناسبة إلى أن مدنيتها وإيمانها بالعمل السياسي المدني لا يعد ضمانًا ولا فلاحًا في قدرتها على إدارة الدولة لو لم تفلح - وهي على أبواب مؤتمرها العاشر- في تبني مشروعًا يستهدف الاستقلال المعيشي المتمثل في حق التشغيل والتنمية وكذلك تبني مشروعًا فكريًا وطنيًا يؤسس لثقافة الحرية والمسؤولية. 

يبقى مجال الاجتهاد الحقيقي لحركة النهضة - وهي تحط الرحال في مؤتمرها العاشر - أن تبرهن على قدرتها على لعب أدوار متقدمة في صناعة البدائل بعد أن اجتازت عتبة حفظ البقاء وهذا لا يكون إلا من خلال تغيير البنى العقلية والنفسية التي صبغت شخصية الإسلامي على مدى سنوات عديدة، صحيح أن هذا التغيير ليس بالأمر الهين ولا يمكن أن يتجلى بسرعة ولكن إمكانية التغيير والتدارك تبقى واردة بل ممكنة التحقق وخاصة إذا توضح هذا في لائحة الرؤية الفكرية التي تدفع إلى ضرورة تغيير المواقع، فبدل المكوث في موقع الضحية وجب الانتقال إلى موقع الفعل والمبادرة.

تبقى هواجس المؤتمر العاشر لحركة النهضة مسيطرة على المشهد الداخلي للحركة وتبقى المخرجات غير يقينية حتى يتم انعقاد المؤتمر والمصادقة على لوائحه النهائية، ويبقى السؤال الأبرز والذي نغفل عنه أحيانًا: هل تستطيع النهضة المحافظة على وحدة صفها خاصة أمام التباين في المواقف والآراء بين قيادتها؟