الصورة لعدنان إبراهيم على قناة روتانا السعودية

مع صعود تيارات الإسلام السياسية في المنطقة بعد ثورات الربيع العربي، تلك التيارات التي امتازت بمشاريع مستقلة عن نمط التدين الخليجي والسعودي بشكل عام إلى حد كبير، حيث أصبح هذا النسق الذي يُطلق عليه السلفي الوهابي في مواجهة تيارات إسلامية حداثية بشكل أو بآخر تقودها الجماعة الأكبر في الشرق الأوسط "جماعة الإخوان المسلمين".

احتدمت المواجهة بين هذه الأطراف على خلفية سياسية فيما عُرف بمربعات "الثورة والثورة المضادة" فكان التحالف السعودي الإماراتي أمام تحالف قطري تركي مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين في مصر التي نجحت في الصعودة إلى سدة الحكم حينها.

كانت أحد ميادين التنافس وقتئذ المجال الديني الذي حاولت السعودية أن تحتويه بخطابها السلفي الكلاسيكي الذي بدأ يتراجع بريقه شئيًا ما مع تصاعد احتجاجات الربيع العربي، خاصة وأن رموزه المدللين وقفوا ضد هذه الموجات الشعبية، وهو ما أفقدهم جزءًا كبيرًا من شعبيتهم.

صعدت الإمارات بنمط تدين خاص بها تدعمه بقوة محاولة خوض غمار هذا الميدان أمام الحركات الإسلامية السياسية في محاولة لنزع تفردهم بهذا الميدان الشعبوي، فبدأت برعاية مؤسسات دينية تنافس تلك التي تراعها الجماعات الإسلامية، ولعل أبرزها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يترأسه الشيخ يوسف القرضاوي المنحدر من خلفية إخوانية.

حيث قامت الإمارات باستقطاب أحد نوابه عبدالله بن بيه وذلك لإنشاء هيئة منافسة تحمل اسم "مجلس حكماء المسلمين"، وقد أكدوا حين تأسيسه بالتعاون مع شيخ الأزهر أحمد الطيب أن الهدف منه نشر ما أسموه "الخطاب الإسلامى الوسطى" بعد أن جرى "تسييس الدين"، وهو ما يُشير بوضوح إلى استخدام هذا المجلس لمواجهة الحركات الإسلامية.

كما عملت الإمارات في نمطها الديني الخاص على استقطاب مجموعة من الدعاة الجدد المنتمين إلى النسق الصوفي ودعمهم جماهيريًا لسحب البساط من أقطاب التيار الإسلامي الذين سيطروا على الساحات الدعوية.

ثمة نوع آخر استعانت بهم الإمارات في نمطها الخاص هذا، وهم ما يُعرفوا باسم "العقلانيين" الذين له مآخذ على التراث والفقه الإسلامي التقليدي الشائع، ولعل كان أبرزهم "عدنان إبراهيم" أحد أشهر السالكين لهذا الدرب.

لكن الملاحظ أن ما يجمع كل هؤلاء هو تبنيهم لوجهة النظر الإماراتية حيال أحداث الربيع العربي أو إن شئت قل يتشاركون في عداء تيارات الإسلام السياسي بشكل عام، وقد بدأت الإمارات في استخدامهم في هذه المعركة.

التناقض مع المشروع السعودي

رغم الاتفاق الظاهري مع ما أهداف ما ذهبت إليه الإمارات في هذا النمط المواجه للتيارات الإسلامية في الشرق الأوسط، إلا أن المملكة العربية السعودية تختلف معه اختلافًا منهجيًا جذريًا بنمطها السلفي الخالص الذي لطالما هاجم الصوفية وحذر منهم، وكذلك هاجم منهج عدنان إبراهيم بضراوة، حتى أن هيئة كبار العلماء بالسعودية حذرت من متابعة الداعية الإسلامي عدنان إبراهيم.

كما وصفت الهيئة ما يقدمه إبراهيم بـ "الضلالات، التي تتضمن تناقضات وسبًا للصحابة"، مطالبة المتخصصين بكشف ذلك للجميع.

ولكن في الواقع يظهر إبراهيم في رمضان 2016 ضمن برنامج "صحوة" على قناة "روتانا" الممولة سعوديًا، فأصبح هناك تضارب واضح بين الاتجاه الديني السعودي الداخلي، والواقع الممارس على الفضائيات.

لم يكن هذا هو التناقض الأول بين الاتجاهين في السعودية، فقد تجاهلت مجموعة قنوات mbc حالة الغضب التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي عقب استضافة قناة الإخبارية السعودية للداعية المجنس إماراتيًا، وسيم يوسف - خطيب جامع الشيخ زايد الكبير، الذي يتهم دعاة سعوديين مقربين من فكر جماعة الإخوان المسلمين بدعم الإرهاب.

وقد أخذ على القناة بشكل عام هجومها على هذه الفئة من الدعاة السلفيين بربطهم بالإرهاب والدعوة إلى الفوضى، وذلك بعد بث تقرير عُرض في برنامج "إم بي سي في أسبوع"، وصف أبرز الدعاة السعوديية بأنهم "دعاة على أبواب شق الصف، بعضهم يدعو للفتنة، والآخر يدعو للفوضى باسم الجهاد".

ولكن لماذا استعانت السعودية بنمط التدين الإماراتي على شاشتها رغم عدم وجود رضا داخلي تام عن هذه الخطوة؟

الإجابة تكمن في أن الدفع الإماراتي بالتيارات الصوفية والعقلانية ربما تراه السعودية أكثر مصداقية في مواجهة التيارات الإسلامية، وهو ما قد يستطيع جذب شرائح كبيرة بعيدًا عن مساحات الإسلاميين، خاصة وأن بعض هذه الشخصيات حققت نجاحات بالفعل في أوساط شبابية لا تستسيغ الخطاب السلفي السعودي التقليدي.

لذا يمكن أن نستشف أن الدفع بمثل هذه الوجوه إلى الشاشة السعودية يقف خلفه قرار سياسي لا يُرضي أجنحة كثيرة داخل المملكة، لكنه تحت ضغط الحاجة الملحة لحصار التيارات الإسلامية في مجالهم الأوسع انتشارًا، رغم أن هذه القنوات هي التي كانت تستضيف هؤلاء الدعاة قبل ذلك التي تهاجمهم الآن وتصفهم بدعم الإرهاب، ليطفوا في النهاية نمط التدين الإماراتي المهادن على القنوات السعودية تحت ذريعة مواجهة التطرف، إلا أن هذا النمط يستهدف بالأساس إيجاد مسوغات شرعية لتوجهات الخليج السياسية ضد ما يرونه تمردًا من حركات الإسلام السياسي عليهم.