سقط حزب الله في المعركة السورية وأظهر وجهًا لم تعتده المنطقة على فصيل أطلق على نفسه اسم "المقاومة" ليُفاجئ جموع العرب بنوع جديد من "المقاومة" تُقاتل الجماهير بجوار الأنظمة العربية الموصوفة بالمستبدة من قبل شعوبها، وهي الحالة الأدق لما يفعله حزب الله في سوريا.

هذا السقوط في المستنقع السوري كلف الحزب الكثير عسكريًا ليس شعبيًا فحسب، فقد قتل العشرات من مقاتلي الحزب على جبهات مختلفة في سوريا، لكن العديد من المراقبين يصفون خسائر الحزب على جبهة حلب بالتحديد بالفادحة.

ماذا يحدث في ريف حلب الجنوبي؟  

يُقاتل جيش الفتح المؤلف من العديد من كتائب المعارضة السورية المسلحة المتحالفة مع جبهة النصرة الفصيل الأقوى في الجيش أمام مجموعة متعددة من الجيوش والمليشيات والكتائب المسنودة جويًا من سلاح الجو الروسي، كل هذا بجوار الجيش السوري النظامي (لبنانيون، إيرانيون، أفغان، عراقيون، روس)

المعارك بحسب ناشطين أدت إلى مقتل وأسر أكثر من 500 عنصر من الميليشيات الشيعية الأفغانية والعراقية واللبنانية خلال نحو شهر، معظمهم ينتمون إلى حركة النجباء العراقية الطائفية ويليها عناصر ينتمون إلى حزب الله بقسميه العراقي واللبناني.

كما يذكر أنه سقط في معركة خلصة وحميرة وحدها أكثر من 150 مقاتلًا، كما أنه تم القضاء على اللواء 63 الإيراني بالكامل ضمن معركة السيطرة على العيس وتلّتها، وإيران اعترفت بالأمر، في المقابل لم يحقق النظام في ريف حلب الجنوبي أيّ شيء بل توالت الخسائر الفادحة.

تدور رحى المعارك في هذه البقعة حاليًا في جبهات العزيزة ومدينة الحاضر وقرية الوضيحي، في ظل تحصن قوات النظام والمليشيات المساندة لها بمدينة الحاضر حيث تتواجد أيضا مجموعات من عناصر الحزب.

 هذه النقطة العسكرية هي الأهم مما تبقى للنظام في ريف حلب الجنوبي، حيث يتوقع أن يبدأ النظام ومليشياته بسحب العتاد الثقيل والمدافع من المدينة تمهيدًا لانسحاب كلي، وذلك بعدما سيطر جيش الفتح على قرى خلصة وزيتان وبرنة، وفي الخطة القادمة التوجه نحو ثكنة عزان العسكرية جنوب شرق مدينة حلب.

هذه الخسائر الاستراتيجية الفادحة أدت إلى زيادة حدة هجمات سلاح الجو الروسي على حلب وريفها خلال الأسبوع الماضي، بعد أن تكبدت قوات النظام ومليشيات حزب الله خسائر كبيرة غير متوقعة حول المدينة، وذلك بعدما خيب حشد الأطراف المساندة للنظام الظن في المعركة التي خاضوها بدعم من إيران استعدادًا لمعركة استعادة حلب، لانتزاعها من يد المعارضة السورية.

استخدمت روسيا أسلحة خلال طلعاتها الجوية أسلحة فتاكة مجرمة دوليًا في قصفها على ريف حلب والمدينة منذ مطلع يونيو الجاري، أحصت المعارضة منها 300 غارة على الأقل، قالت تقارير غربية متخصصة إنها الأسلحة الأعنف التي استخدمت في معارك خلال العقود الأخيرة، من بينها أسلحة إشعاعية وفوسفورية.

حزب الله يحاول تثبيت عناصره، ولكنه قد يُدفع إلى الانسحاب من هذه المعركة

حاول الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في خطاباته الأخيرة الحديث بنبرة تثبت عناصره بعد كم الخسائر الكبيرة التي مني بها الحزب على الأراضي السورية خاصة في معارك حلب الأخيرة، وكذلك تصريحات نائب رئيس المجلس التنفيذي في الحزب نبيل قاووق خلال احتفال تكريمي لرفع المعنويات حينما أكد إن مشاركة حزب الله في معركة سوريا حتى الآن، إنما هي بجزء يسير من قواته.

لكن الواقع قد يكذب كل هذه التطمينات خاصة وأن هناك إشارات على خلاف إسراتيجي نشب بين قوات النظام السوري الراغبة في مواصلة محاولة السيطرة على المدينة بدعم جوي روسي، وبين مقاتلي حزب الله الذين يؤكدن استحالة السيطرة على المدينة بهذه الطريقة.

هذه الأنباء أكدتها وكالة آكي الإيطالية للأنباء، حيث قالت إن كتائب حزب الله اللبناني والميليشيات الأفغانية والعراقية الداعمة لها رفضت مساندة قوات النظام السوري وميليشياته لمواصلة الهجوم على مدينة حلب شمال سوريا.

وقد نقلت الوكالة عن مصادر من الحزب مواكبة للمعارك العسكرية: "أيقنا استحالة السيطرة على المدينة، وكذلك خطورة التوسع شريطيًا دون تأمين المناطق المجاورة للتوسع، فضلًا عن تكبد الحزب خسائر في قواته وفي القوات الموالية لإيران في المعارك التمهيدية"، وكشفت أن "الحزب أكد للقوات السورية أن مثل هذه المعركة تحتاج لنحو مائة ألف مقاتل على الأرض على الأقل لترجيح كفة نجاحها".

هذا بجانب تصريحات حسين ضاحي المرافق لقوات حزب الله كإعلامي لوكالة (آكي) الإيطالية للأنباء الذي قال إن الحزب وجه رسالة واضحة لقوات النظام حول هذا الأمر، فمدينة الفلوجة في العراق احتاجت أربعين ألف مقاتل ولعدة أشهر من القتال، وهذه المدينة العراقية تعتبر صغيرة جدًا بالنسبة لحلب المترامية الأطراف"، وأضاف " لكن قوات النظام لم تقتنع بهذه الرسالة وأصرت على المواصلة، وفي الغالب ستُدرك خطأها قريبًا".

وأوضح أن هذا الخلاف بالرؤى والاستراتيجيات دفع الروس للإعلان عن عدم وجود نية لدى النظام للسيطرة على حلب كرسالة غير مباشرة للنظام بأن الدعم الروسي سيكون محدودًا إن لم يُغير النظام خططه على الأرض.

يمكن قراءة هذا في تصريحات  السفير الروسي في سوريا، ألكسندر كينشتشاك، الذي قال إن سلاح الجو الروسي ساعد القوات النظامية على تجنب الحصار قرب حلب، واستبعد أن يهاجم الجيش النظامي كلًا من حلب والرقة في القريب العاجل.

وهو ما يعني أن النظام إذا استمر في خطته فقد يفقد دعم حزب الله في سوريا على هذا الجبهة، حيث يظهر أن القادة الميدانيين للحزب في خلاف مع إرادة الحزب السياسية لاستكمال المعركة حتى النهاية، وهو ما قد يحدث انشقاقات ربما يتجنبها الحزب بالانسحاب من هذه المعركة قريبًا.