تتزايد الضغوط على الدولة التركية للعب دور أكبر في ملف داعش سواء كانت هذه الضغوطات خارجية من المجتمع الدولي، أو قادمة من الداخل كتلك الاستهدافات التي تفاقم الوضع الأمني سوءًا في تركيا، وهو ما يستدعي تدخلًا لوضع حد لهذه التطورات الأمنية التي وصلت لواحد من أهم المطارات في العالم وهو مطار أتاتورك الدولي بمدينة اسطنبول التركي، الذي يمر من خلاله قرابة 60 مليون مسافر من جميع أنحاء العالم.

الاستهداف الأخير للمطار الذي راح ضحيته 42 شخصًا وأصيب فيه قرابة 240 آخرين اعتبر من قبل البعض بمثابة "11 سبتمبر" بالنسبة لتركيا نظرًا لحساسية مكان الاستهداف، ورغم أنه حتى الساعة لم يعلن تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" تبنيه لهذا الحادث، إلا أن مصادر رسمية تركية تؤكد أن الإشارات الأولية تُشير إلى ضلوع التنظيم في الحادث، أبرزها تصريحات لرئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم عقب الهجوم مباشرة.

كشف تفاصيل الحادث وعلاقته بداعش

كشفت وسائل الإعلام التركية نقلًا عن مصادر أمنية هوية الانتحاريين الثلاثة، الذين نفذوا الهجوم على مطار أتاتورك، حيث اتضح أن الثلاثة يحملون الجنسيات الروسية والأوزبكية والقرغيزية، كما تم الكشف عن معلومات تفيد بأن الانتحاري الداغستاني الذي يحمل الجنسية الروسية، دخل إلى تركيا قبل شهر، وتم العثور على جواز سفره في أحد المنازل التي قام باستئجارها الانتحاريون الثلاثة، في منطقة الفاتح في مدينة إسطنبول.

وكانت السلطات التركية قد قدمت سيناريو وصفي لما حدث في عملية المطار، حيث قام أحد المهاجمين بتفجير قنبلة في صالة القادمين في الطابق الأرضي منها وتحديدًت بالمحطة الدولية، وبعده بدقيقة واحدة قام مهاجم آخر بالتفجير في صالة المغادرين في الطابق العلوي، قبل أن يقوم انتحاري ثالث بتفجير نفسه في منطقة وقوف السيارات.

وعليه قامت السلطات التركية بشن حملات أمنية موسعة ضد خلايا في مدينتي اسطنبول وإزمير يُشتبه في انتمائها لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وهو ما يعني أن لدى الأمن التركي خيوطًا تفيد التأكد من وقوف التنظيم خلف هذه الحادثة رغم عدم الإعلان، ولكن باستراتيجية جديدة.

حيث اختلفت هذه العملية عن العمليات السابقة التي نفذها التنظيم في تركيا، فلم يكن المنفذون أتراكًا أو سوريين من المقاتلين الذين تدربوا على يد التنظيم في مناطق سيطرته في سورية، مما يؤكد أن التنظيم بدأ ينتهج آلية جديدة بعد الحصار الأمني المفروض عليه في مسألة نقل عناصره عبر الحدود من هذه المناطق.

فيما أكد وزير الداخلية التركي، إفكان آلا، خلال حديثه للنواب الأتراك في البرلمان، أن التحقيقات الأولية تشير إلى ضلوع داعش في الهجوم، وأنه تم التعرف على هوية أحد الانتحاريين الثلاثة، من دون أن يكشف عن المزيد من التفاصيل.

الحكومة التركية أيضًا تنتوي التشديد في قضية تسرب عناصر داعش عبر أراضيها، فحتى اليوم، أعلنت السلطات التركية عن تمكنها من منع 50 ألف و677 شخصًا من 145 دولة من دخول تركيا، بينما تم ترحيل 3 آلاف و603 شخصًا مؤخرًا.

تركيا نحو مزيد من الانخراط في معركة داعش

اتهمت تركيا في السابق بعدم الجدية في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وذلك بسبب رفض تركيا أن تكون هي المتصدر في المعركة وسط صمت دولي وعالمي، وهو ما واجتهه قوى دولية بشن حملات إعلامية على الجانب التركي تصفه بالتساهل أمام التنظيم وعناصره.

ولكن بعد فترة من بداية هذا السجال بين تركيا والغرب انضمت تركيا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم الدولة، وفتحت قاعدة إنجيرليك الجوية للطائرات الأمريكية  المشاركة في قصف مواقع التنظيم.

وبعد أن عانت تركيا على مدار سنة من خمس هجمات تفجيرية على يد عناصر التنظيم، بالإضافة إلى الاستهداف الأبرز لمطار أتاتورك، يبدو أن تركيا ستكون في اتجاه التصعيد بالمزيد من الإجراءات ضد تنظيم الدولة الإسلامية وعناصره، ويتوقع خبراء أن تفتح تركيا خط صراع خاص بها مع التنظيم خارج التحالف الدولي، نظرًا لتضرر تركيا أكثر من أي دولة من بقاء التنظيم على حدودها، وهو ما معناه أننا يمكن أن نشهد تدخلًا عسكريًا تركيًا خالصًا في بعض المعارك ضد التنظيم، أو على الأقل مزيد من الدعم لهذه المعارك.

وعن ذلك يقول سونر جاغابتاي، مدير برنامج الأبحاث التركية بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، إذا ثبت أن تنظيم الدولة الإسلامية يقف وراء الهجوم فإنه سيكون بمنزلة إعلان حرب، مؤكِدًا أن الهجوم هذه المرة مختلف حيث إنه استهدف قلب العاصمة الاقتصادية وأدى إلى مقتل العشرات.

وعلى الصعيد الداخلي حاليًا تقوم فرق مكافحة الإرهاب التركية في مديرية أمن ولاية إزمير بشن مداهمات عدة في عدد من مناطق الولاية. أوقفت خلالها 9 أشخاص بتهمة انتمائهم لتنظيم داعش كما تم العثور على وثائق تنظيمية خلال هذه الحملات.

وفي اسطنبول قامت القوات الأمنية خلال الساعات الماضية بعدة مداهمات جرت بقيادة عناصر من شرطة العمليات الخاصة، استهدفت بؤرًا بشكل متزامن، في كل من منطقة بنديك، وبشاك شهير، وسلطان بيلي، في إسطنبول، مما أدى إلى اعتقال 13 شخصًا، بينهم 3 أجانب، يُشتبه بانتمائهم للتنظيم ومشاركتهم في الهجوم على مطار أتاتورك.

فيما يواجه الموقوفون تهم عدة أبرزها الاتصال مع تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في الداخل السوري، والقيام بنشاطات تخدم مصالح وأهداف التنظيم على الأراضي التركية، إضافة إلى تأمين عناصر وموارد مالية ودعم لوجستي له.

هذا التصاعد بين تركيا وتنظيم الدولة قالت عنه صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية، إن تركيا تتجه إلى حرب أكثر شراسة وصراحة مع تنظيم الدولة، عقب تفجيرات مطار أتاتورك في إسطنبول، كما أن ذلك قد يمهد لتدخل تركي أكبر في الصراع السوري.