إن الطبيعة الدموية والعنيفة للمجتمع العراقي تعد طبيعة ملازمة لتاريخه السياسي ولا يمكن لأحد إنكارها، لكنها لا تمارس عبر المكون الاجتماعي نفسه بل عبر من يمثله أو من يسيطر عليه سياسيًا وأمنيًا، فالعلاقات الودية والصلات الإيجابية والاجتماعية بين مكوناته مازالت موجودة لكنها مغيبة بفعل الصراع السياسي والطائفي الذي انتقل إلى القاع الاجتماعي بفعل التطرف وإرهاب المليشيات وتضييع الحقوق.

إن أي علاقة بين طرفين أو أطراف متعددة دائمًا ما تضبط وتنظم بعقد توقع عليه الأطراف المعنية ببنود لا يختلف عليها أي منهم، ليكون ذلك العقد بمثابة الأساس الذي تعود إليه تلك الأطراف في حالات الخِلاف بينها، كما هو معروف قانونيًا بالعقد شريعة المتعاقدين، ولقد نظم المفكرون السياسيون منذ العصور الأولى لإنشاء الإمبراطوريات والدول العلاقة بين المجتمع والدولة وأسموه بالعقد الاجتماعي لاحقًا في عصر النهضة الأوربية، وقد بنوه على افتراض الدولة الوطنية التي تقبل وتحتوي جميع المكونات وبمشروع وطني يحتوي ويستوعب الجميع وتتعامل الدولة معها بمسافة واحدة.

إن نظم الاستبداد والطغاة المستبدين فهموا أن التعامل مع المكونات بصهرها وتغييبها طبقًا لهوية وميول المستبد وليس باستيعابها كما تفعل النظم الديمقراطية والإنسانية في تعاملها مع شعوبها

إلا أن نظم الاستبداد والطغاة المستبدين فهموا أن التعامل مع المكونات بصهرها وتغييبها طبقًا لهوية وميول المستبد وليس باستيعابها كما تفعل النظم الديمقراطية والإنسانية في تعاملها مع شعوبها، فالعراق وبعد تأسيس الدولة العراقية وحتى بعد 2003 م لم يعالج مشكلة مكوناته المتعددة بصياغة مشروع وطني وإنما بتضييعها أو كبتها بالهوية التي افترضتها القوى السياسية المسيطرة وهي طائفية بطبيعتها التكوينية وتسيطر على الجيش والمليشيات وتستخدمها كأداة للسيطرة على المجتمع وتناقضاته، وتؤجل حل مشكلة المكونات وتستخدمها كورقة لتفكيك القوى والمكونات الأخرى إن وجدت صيغة مشتركة فيما بينها، خاصة إذا ما تعرض النظام السياسي لخطر الثورة أو أي حِراك اجتماعي يهدد بنقض أسس الاستبداد والسلطوية المقيتة للقوى المسيطرة.

فالمكونات العراقية لا تزال معرضة للتهديد المباشر بالصدام الأهلي المسلح المغلف بالصراع السياسي إذا ما تم تحفيز تناقضاتها ومحاولات تضييع حقوق بعضها، لأن العلاقة غير مبنية على تعاقد اجتماعي فيما بينها، فلا يمكن تحقيق السلم الأهلي في العراق ما لم يتم إقامة نظام أمني يكتسب شرعيته من القانون والدستور وبشراكة حقيقية في المؤسسات وفي الأداء السياسي والأمني، لتحقيق الأمن مع عقد اجتماعي جديد بين المكونات العراقية عن طريق من يمثلوهم سياسيًا واجتماعيًا وبرعاية دولية تراقب حالة تنفيذ بنود العقد والدفع باتجاه الصلح.

إن بناء الثقة التي تعد أزمة حقيقية بين المكونات العراقية أهم من بناء العقد الاجتماعي العراقي بين مكوناته وأهم من بناء العقد بين المجتمع والدولة، لأن الثقة تتطلب قبول الآخر وإقامة علاقة جديدة معه بعيدًا عن التقييمات المسبقة وبعلاقات صفرية من الناحية السياسية والاجتماعية والأمنية التي تتجسد عبر الممارسة السياسية اليومية بعيدًا عن اللفظ الإعلامي الشكلي، ناهيك عن إشراك المكونات بصناعة القرار وإدارة الدولة في المدن العراقية، خاصة التي عانت ولا تزال تعاني الإقصاء والتهميش والكيل بمكيالين في تعاملات الحكومة العراقية معها وإشراكها في إدارة الملف الأمني.

بناء الثقة ليس سهلًا أبدًا بعد أكثر من عشر سنوات من هدم جزء كبير من المشتركات التي من الممكن أن تجمع المكونات العراقية مع بعضها البعض، فحالة التشظي العراقي لم تعد حالة بين المكونات الرئيسية ككتل كبيرة، وإنما تطورت إلى حالة داخل كل مكون من المكونات باختلاف الرؤى والأهداف والطموحات والمعالجات، فقد أصبح الصراع السياسي يشكل دافعًا للحزبية والعشائرية والمصالح المتناقضة داخل كل مكون من المكونات والتي تقود يومًا بعد يوم إلى إعادة إنتاج السلطوية والاستئثار بالمناصب وبانتماءات أضيق من الطائفية.

أخيرًا، العقل الطائفي والحزبي والعشائري والمصلحي لا يبني مجتمعًا ولا دولة ولا عقدًا اجتماعيًا ولا ثقة بين المكونات والأطراف داخل كل مكون، فالعراق بحاجة لمشروع وطني يؤسسس لدولة المواطنة ويبني الهوية العراقية الملوثة بالطائفية والتطرف.