شهدت فترة السبعينات ما عرف بالصحوة الإسلامية والتي تمثلت في عودة عموم الناس إلى الالتزام الديني والإقبال على مظاهر التدين من الصلاة بالمساجد وانتشار الحجاب وإحياء السنن وغيرها , كما شهدت الفترة التالية صعودا كبيرا للتيار الإسلامي بشقيه المجتمعي والسياسي مع نجاح عدد من أعضائه وقياداته في البرلمان والسيطرة على النقابات المهنية.

سرعان ما تمايزت التيارات الإسلامية منها من اهتم بالجانب العلمي الشرعي وأسس المدرسة السلفية ومركزها الإسكندرية ومنها من دخل في صدام مسلح مع الدولة وهى الجماعة الإسلامية ومركزها الصعيد في حين استفادت جماعة الإخوان المسلمين من تلك الصحوة في التأسيس الثاني لها والتمركز في مساحة كبيرة من العمل المجتمعي والتربوي والدعوي وبدأت منذ ذلك الحين تساهم بفعالية في المجال السياسي والنقابي متجاوزة محن الخمسينات والستينات .

نتيجة صدامها العنيف مع الدولة فقدت الجماعة الإسلامية كثير من تأثيرها وتواجدها في المجتمع المصري بينما بطبيعتها خاطبت المدرسة السلفية شرائح محدودة وتميزت في معظم أوقاتها بالانغلاق على نفسها , ورغم كثرة أعداد المنتمين لها إلا أن تأثيرها على المجتمع لطالما كان محدودا.
في المقابل اتسعت بمرور الوقت دوائر المنتمين والمحبين لمدرسة الإخوان المسلمين وازداد تأثيرهم في المجتمع لعدة عوامل منها وسطية واعتدال الفكر واهتمام الجماعة بالعمل المجتمعي وشعور عموم الناس بمظلومية الجماعة وفساد السلطة مع الاقتراب من العام 2000 .

بعد ثورة يناير قل اهتمام الإخوان بالعمل الدعوي والتربوي بشكل ملحوظ مع توجيه معظم الجهود للعمل السياسي ربما بسبب تسارع الأحداث وبعيدا عن تقييم أداء الجماعة السياسي إلا أن تلك الفترة أثبتت أنه مع حالة الانفتاح من الصعب على كيان واحد أن يوزع اهتماماته على كافة الجوانب المجتمعية (ومنها المسار الدعوي) والسياسية , فكيف بكيان منشغل كل عام تقريبا بانتخابات وما بينها من الأحداث المتتابعة ألا يهمل المسار الدعوي؟

صعدت الجماعة للسلطة فزادت التحديات وكما حدث في بلدان أخرى تأثر العمل المجتمعي بالسلب بعد الوصول للحكم وأصبحت العلاقة مع المجتمع أو قطاعات كبيرة منه في إطار تنافس سياسي بدلا من الإطار الجامع الذي يتميز به العمل الدعوي.

خرجت الجماعة من السلطة بطريقة مأساوية وعملت السلطة الجديدة على التنكيل بها في محاولة للحد من تأثيرها في المجتمع ما كان له بالغ الأثر وهو ما أدى لتلاشى الدور الدعوي للجماعة تقريبا , وبهذا يكون المسار الدعوي قد عانى من إخفاق المسار السياسي بينما هو برئ من ذلك الإخفاق.

لم ينجح أحد حتى الآن في شغل المساحة الدعوية التي تركتها مدرسة الإخوان , وذلك لأن التيار السلفي كما ذكرنا يخاطب بطبيعته شرائح محدودة كما أنه عاد لانغلاقه الأول بعد حالة انفتاح مثلتها الفضائيات التابعة له وكذلك خفوت تأثير الدعاة الجدد ونخبويتهم ولسنا في حاجة للحديث عن دور الأزهر المتراجع بشدة منذ سنوات طويلة , أدت تلك العوامل لأن تبدو الساحة الدعوية خالية ما كان له بالغ الأثر في تراجع مظاهر التدين التي عرفتها الصحوة الإسلامية وانتشار الأفكار والمظاهر التي لا تتوافق مع الدين في مجتمعنا ولم تعد تلك المظاهر تثير غضب البعض أو استغرابه بل اعتاد الكثير عليها , هذا فضلا عن احتياج مجتمعنا الحتمي للدين وقيمه وأخلاقه سواء في حياتنا العادية ومعاملاتنا وكذلك في فهمنا للحياة بأسرها تطبيقا لقوله تعالى " قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ".

هناك موقف طريف للإمام أبي حنيفة يبين فطنته في تجنب الصدام مع السلطة السياسية وفي ذات الوقت عدم تفريطه فيما يعتقد ويؤمن به :

كان أبو العباس الطوسي سيء الرأي في أبي حنيفة ، وكان أبو حنيفة يعرف ذلك ، فدخل أبو حنيفة على أمير المؤمنين أبي جعفر المنصور ، فقال أبو العباس قاصدا إحراج أبي حنيفة و وضعه بين شقي رحى , إما مهادنة الخليفة أو التضحية بنفسه - و قد كان أبو جعفر المنصور جبارا ، فقال الطوسي : يا أبا حنيفة ، إن أمير المؤمنين يدعو الرجل منا ، فيأمره بضرب عنق الرجل ، لا يدري ما هو , أيسعه أن يضرب عنقه ؟
فقال له : يا أبا العباس ، أمير المؤمنين يأمر بالحق أو بالباطل ؟ قال : بالحق.
قال : أنفذ الحق حيث كان ، ولا تسأل عنه ، ثم قال أبو حنيفة لرجل بجواره : إن هذا أراد أن يوثقني ، فربطته .

رغم حالة القمع التي تعانيها مصر حاليا إلا أنه تظل هناك مساحة قابلة للضغط عليها وزيادتها بكيانات ومؤسسات قد تبتعد قليلا عن الصراع السياسي في صورته المباشرة وتهتم بالوعظ والإرشاد وإعادة ليس فقط مظاهر التدين بل جوهره وتعمل على توضيح الفهم الصحيح للإسلام , وهذا العمل هو لمصلحة المجتمع والفكرة الإسلامية حتى لا نفاجأ بأجيال جديدة بعيدة عن الدين وتطبيقه في حياتها .

ربما يعترض البعض عن تخلي تلك الدعوة عن الصراع السياسي في صورته المباشرة ويتهم هذا الطرح بالسذاجة والسطحية إلا أن حاجة الواقع في تصوري أشد إلحاحا كما أنني أقر بأن تلك الدعوة لا بد وأنها ستعمل على التخلص من حالة الاستبداد السياسي والتبعية بكافة مظاهرها وأن تغرس قيم الحرية والعدل والكرامة في المجتمع لأن هذا هو صلب الإسلام لكن ستفعل ذلك بصورة غير مشتبكة مباشرة مع الواقع وهذا ربما ما قام به كثير من العلماء على مختلف الأزمنة حتى لا نكتشف بعد سنوات أننا خسرنا الدولة والمجتمع معا , وبهذا ستكون تلك الدعوة عملا مقاوما بامتياز فالمقاومة التي تبني أكثر تأثيرا من تلك التي تهدم وكلاهما مطلوبان.