احتلت أخبار الاحتجاجات الدامية في إثيوبيا عناوين وسائل الإعلام نهاية الأسبوع الماضي حيث صدم المتابعون بما كشفت عنه المنظمات الحقوقية من أرقام الخسائر البشرية المهولة التي أدخلت الأحداث الجارية في البلاد إلى دائرة اهتمام الرأي العام العالمي.

وتعتبر عطلة نهاية الأسبوع الماضي (6 – 7 أغسطس/ آب) نقطة تحول كبرى في الحراك الجاري، الذي تضرب جذوره عميقًا في المظلوميات الإثنية التاريخية التي تراكمت مع الفشل المتواصل في حلها من قبل حكومة اشتهرت بصيتها السيء في مجال حقوق الإنسان والحريات.

اندلعت الشرارة الأولى لموجة الاحتجاجات الحالية في شهر نوفمبر من العام الماضي ردًا على مخطط حكومي لتوسعة العاصمة أديس أبابا رأته قومية الأورومو (أكبر قوميات البلاد وتطوّق مناطقها العاصمة) نهبًا لأراضيها الزراعية، وأدى ردُّ السلطات الأوليّ حينها إلى مقتل 400 شخص وجرح الآلاف واعتقال عشرات الآلاف، قبل أن تضطر الحكومة - على وقع حالة الانفلات الأمني ومخاطر اندلاع تمرد مسلح - إلى التراجع عن مخطط التوسعة.

وفي الثاني عشر من الشهر الماضي اندلعت احتجاجات وأعمال شغب في مناطق الأمهرة (ثاني أكبر قوميات إثيوبيا) على خلفية محاولة اعتقال نشطاء حقوقيين بدعوى الاشتباه بتورطهم في أنشطة إرهابية، وخلال أسبوعين دخلت على الخط مدينة غوندر كبرى مدن الإقليم من خلال تظاهرة احتشد فيها مئات الآلاف نددت بانتهاكات الحكومة - التي تهيمن عليها أقلية التغراي - ضد إثنية الأمهرة.

ورغم حظر السلطات للاحتجاج والتظاهر وعمليات الاعتقال والقمع إلا أن دعوات التظاهر في كل من إقليمي أورميا وأمهرة ملأت وسائل التواصل الاجتماعي لتنجح في حشد أعداد كبيرة من المتظاهرين نهاية الأسبوع الماضي، وحسب نشطاء ميدانيين فقد كانت تظاهرات السبت والأحد التي وصل صداها إلى قلب العاصمة إديس أبابا الأوسع نطاقًا من حيث المساحات التي غطّتها والتي شملت معظم مدن إقليم أوروميا، أكبر أقاليم البلاد وإقليم أمهرة.

وبدا في هذه التظاهرات بشكل واضح كسر الجيل الإثيوبي الشاب الذي نشأ في كنف النظام السلطوي لحاجز الخوف، حيث أظهرت مقاطع نشرت على مواقع التواصل حشود من المتظاهرين يطاردون قوات الأمن في أحد الشوارع الرئيسة، بينما بدا المتظاهرون في مقطع آخر غير آبهين برصاص الجيش الذي أوقع فيهم قتلى وجرحى.

وبحسب منظمات حقوقية فقد سقط خلال 24 ساعة فقط قرابة 100 قتيل قضوا على يد قوات الشرطة والجيش التي استخدمت الرصاص الحي ضد المتظاهرين العزل في مشاهد كانت أشبه بالإعدامات الميدانية، كما أقدمت الحكومة على قطع الإنترنت وحظر مواقع التواصل في معظم مناطق البلاد خلال يومي السبت والأحد.

وكان من أهم ما لوحظ خلال احتجاجات نهاية الأسبوع الماضي حجم التضامن اللافت بين قوميتي الأرومو والأمهرة والذي بدا خلال الحراك الجاري بشكل غير مسبوق تاريخيًا، ما يدلل على توحيد قمع الحكومة لأكبر قوميات البلاد.

جدير بالذكر أن الإثنية تعد عاملاً مركزيًا في سياسات الحكم بإثيوبيا الحديثة، فقد تقلبت قديمًا بين الحكم الإمبراطوري (تم حله عام 1974م) والحكم العسكري الشمولي (سقط عام 1991م) حتى استقرت أخيرًا على نظام لا مركزي فيدرالي مبني على أساس إثني، ورغم الآمال العريضة التي علقتها الإثنيات المختلفة في البلاد على دستور عام 1994، إلا أن الهيمنة التدريجية لأقلية التغراي على مقاليد الحكم المركزي عبر تحالف الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية حوَّل الفيدرالية الإثيوبية إلى نظام "معطوب" رغم فسحة الحكم الذاتي التي منحها لمختلف الوحدات الفيدرالية الإثنية.

وتنسحب هذه الهشاشة على المجال الاقتصادي، فنظرة متعمقة في الاقتصاد الإثيوبي تكفي لتبين عدم خلوّه من المشاكل البنيوية التي يكمن أكبرها في اعتماده بشكل رئيس على مشاريع استثمار القطاع العام مقابل ضآلة حجم استثمارات القطاع الخاص، وهو ما ساهم في الحيلولة دون تحول اقتصادي حقيقي في مضمار التقليل من نسب الفقر والحد من الاعتماد الطاغي على الزراعة، يحدث كل ذلك رغم احتفاء العالم بإثيوبيا كأحد الاقتصاديات العالمية الأكثر نموًا نتيجة الارتفاع الحاد للناتج المحلي الإجمالي المرتبط بالاستثمارات الأجنبية الضخمة في مجالات المرافق والخدمات خلال السنوات الماضية.

إضافة إلى ذلك، فإن الدور السلبي الذي لعبته السياسات السلطوية وغياب الديمقراطية وحكم القانون أضعف إلى حد كبير من فرص الاستثمار في تطوير العنصر البشري وتوفير الجو الملائم لتفجير طاقاته، ناهيك عن زراعة هذه السياسات لحالة من انعدام الثقة بين شرائح واسعة من الشعب الإثيوبي والدولة، ما قد يمهد لقلاقل ونزاعات مدمرة ربما نشهد بوادرها الآن مع احتجاجات الأورومو والأمهرة.

لقد بدا التوجه العام لمطالب المحتجين حتى اللحظة متمحورًا حول مطالب حقوقية وسياسية دستورية لا ترقى إلى الانفصال أو إسقاط الحكومة المركزية، وهذا يعني أن أي مسار دستوري للحل قد يحول دون اندلاع حرب أهلية، لكن المشكلة أن أزمة إثيوبيا منذ منتصف التسعينات لا تتعلق بغياب هيكل حكم مثالي بل تكمن أزمتها أساسًا في انعدام "نظام دستوري" تتجسد فيه مواد الوثيقة الدستورية، إذ ظلت فيدرالية الحكم الذاتي الإثني هيكلاً يخفي تحته ديكتاتورية أقلوية، ولذا فليس من المستبعد - في حال عدم مباشرة إصلاحات جذرية سريعة - أن تتطور الحالة الراهنة إلى تصعيد أكبر يتناسب طردًا مع حجم القمع الذي تواجه به السلطات المحتجين.

وتعد إثيوبيا لاعبًا إقليميًا متنفِّذًا في شرق إفريقيا، كما تعد أهم حليف للغرب والولايات المتحدة في مشروع مكافحة الإرهاب ومواجهة حركة الشباب في الصومال، لذا فإن أي انهيار أو تفكك محتمل لهذه الدولة إثر اندلاع صراع صفري بينها وبين مكونات شعبها نتيجة فشلها في إدارة الأزمة الحالية سيلقي بظلاله على المنطقة كلها، وهو ما يفسر بيان السفارة الأمريكية في أديس أبابا الذي تجاوز على غير المعتاد حدود إمساك العصى من الوسط بحديثه عن "احتجاجات غير مصرح بها"، غني عن الذكر أن انهيار إثيوبيا سيمثل أيضًا تطورًا بالغ السوء بالنسبة للاعبين عالميين كالصين، والتي استثمرت بكثافة في البلاد منذ قرابة العقد.

ولا شك أن أحداث نهاية الأسبوع الماضي شكلت منعطفًا تاريخيًا له أثره العميق في مستقبل البلاد - سواء استمر التصعيد بنفس الوتيرة أم تم إيجاد مخرج له - فليس بوسع الحكومة إزاءها الاستمرار في حالة الإنكار وسعار القمع دون أن تضع نفسها في مواجهة خطر حرب شاملة ضد شعبها.