عبد الإله بن كيران رئيس الوزراء ورئيس حزب العدالة والتنمية المغربي

بدأت يوم السبت الموافق 24 سبتمبر، الحملة الانتخابية للأحزاب المشاركة في اقتراع السابع من أكتوبر المقبل، وبدأ المسلسل المعهود لدى الشعب المغربي، في محاولة من الأحزاب لإقناع الفئة المصوتة، بالاستمرار في ذلك، خصوصًا وأن جل التوقعات تذهب إلى أن نسبة التصويت في هذه الانتخابات ستكون كارثية بكل المقاييس، فكل المؤشرات تشير إلى ذلك، اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا، من جهة أخرى، فإن بعض الأحداث التي سبقت الحملة، والتي ستقع في أثنائها، أعطت إشارات، لهوية متزعم الحكومة القادمة، وهذا موضوعنا، وسنحاول توضيح دلالات الوقائع ما أمكن.

هناك من ينتظر ما ستفرزه الانتخابات القادمة، ليس اقتناعًا بجدواها، وانتظارًا لإحداث تغيير عبرها، لكن لدراسة دهاليز اللعبة السياسية المخزنية وخباياها، ولمعرفة مدى صحة التوقعات، التي سنورد بعضها في سطورنا، من خلال ما جد من أحداث، وتتبعًا لتجربة العدالة والتنمية في السنوات الخمس المنصرمة.

لا بد من الإشارة قبل كل شيء، إلى أن القصر ومحيطه، يحتكر كل شيء، ويمسك بكل السلطات، مما يفرغ الانتخابات من محتواها، ويجعلها مجرد وسيلة لتزين صورة النظام داخليًا وخارجيًا، الانتخابات تخاط على مقاس معد مسبقًا، فكما كان المقاس يناسب العدالة والتنمية، حين تحركت الجماهير الشعبية في سنة 2011، وكانت تلك بالإضافة إلى التغييرات الدستورية الشكلية أفضل وسيلة مخزنية لإخماد نار الغضب، ففي سنة 2016، لم يعد النظام في حاجة إلى هذا الحزب ليترأس الحكومة، وهذا واضح من عدة إشارات حملتها أحداث وقعت في الأسبوع الماضي وهذا الأسبوع، ومن الممكن أن تستمر إلى غاية انتهاء الاقتراع.

في الانتخابات التشريعية السابقة، والتي أجريت سنة 2011، دعم شيخ السلفيين "محمد المغراوي"، حزب العدالة والتنمية، لكن يبدو أنه قد راجع موقفه في الانتخابات الجماعية السنة الفارطة، حيث دعا لمقاطعة العدالة والتنمية  ونسجًا منه على هذا المنوال، دعا يوم السبت، حسب خبر أوردته جريدة "العمق المغربي"، إلى التصويت لحزب الأصالة والمعاصرة، وقد أوردت نفس الجريدة أن هذا تم بعد عقد اتفاق بينه وبين حزب الجرار، مقابل فتح دور القرآن التابعة لجمعية الدعوة إلى القرآن والسنة التي يرأسها.

جاءت مسيرة الدار البيضاء التي حملت شعار "لا لأخونة الدولة"، لتؤكد ما كان متوقعًا، ليست "المسيرة" بذاتها هي من أكدت، باعتبار أنها لم تثمر ما انتظره المشرفون عليها، لكن أقصد "من يقف وراءها"، أعوان السلطة، بالإضافة إلى أعضاء حزب الأصالة والمعاصرة، وهذا حسب كلام من حضر للمسيرة.

كما أن منع وزارة الداخلية، الشيخ السلفي حماد القباج، تلميذ المغراوي، من الترشح باسم حزب العدالة والتنمية، فيه رسائل، وقد فهمها الحزب حسب اعتقادي، وأبرزها أن النظام، حذر البيجيدي من أي تحالف مع السلفيين، بحكم أنه كان لهم نصيبهم من الأصوات التي نالها الحزب في انتخابات 2011، حين صوتوا لصالحه، والرسالة الأخرى، وهي أن الخيار الأول للمخزن، هو حزب "الجرار"، وبإمكانهم التحالف معه، إن أرادوا الاستمرار في الحكومة، وإلا فمكانهم خارجها.

وفي خطوة غريبة نوعًا ما، أقدم "قائد" على استدعاء أحد أعضاء حزب العدالة والتنمية بمدينة بركان، شرق المغرب، وطلب منه التصويت لصالح حزب الأصالة والمعاصرة، لأن "سيدنا" (الملك)، يريد ذلك، كذلك في نفس المدينة، وفي اليوم الأول لبداية الحملة الانتخابية، تم العثور على أوراق ملقاة في الشوارع، تدعو إلى عدم التصويت لـ "البيجيدي"، وربما هذا الفعل إضافة إلى كونه غبيًا، فهو يحمل إشارات كسابقيه.

قبل أسابيع، احتج وزير العدل والحريات في تدوينة له على الفيسبوك أثارت جدلاً كبيرًا، على تسلط وزارة الداخلية، واحتكارها للشأن الانتخابي، وقال "لا استشار في الانتخابات التشريعية"، وكتب كذلك "خلال الانتخابات الجماعية السابقة كان وزير العدل والحريات يقرر مع وزير الداخلية في كل ما يتعلق بالشأن الانتخابي.. حاليًا على بعد ثلاثة أسابيع من انتخابات 7 أكتوبر تقع عجائب وغرائب."

كل ما سبق، يؤكد، أولاً، أن الانتخابات شكلية، وفارغة المحتوى، بل لا تمثل الإرادة الشعبية، بحكم أن غالبية الشعب المغربي لا يصوت، والسبب واضح، وهو أن كل السلطات متركزة في يد المؤسسة الملكية، ولا يمكن للانتخابات أن تأتي بشيء، سوى أنها زينة لتلميع صورة المخزن، وإطالة أمده، وهذا ما أكدته تدوينة وزير العدل، الذي اختار الفايسبوك ليحتج، في خطوة توضح ما وراء الستار، وتؤكد أن عددًا من الوزراء يقتصر دورهم على ملء الكراسي فقط.

ثانيًا، أن المخزن لم يعد بحاجة للعدالة والتنمية ليترأس الحكومة، كما في السابق، وهو بالأفعال المذكورة، يحاول أن يرجح كفة الأصالة والمعاصرة، لتسهيل الأمر عليه، وإن لم ترجح، فسيتكفل بالأمر في الكواليس.

ثالثًا، المخزن مهد في فترة حكومة العدالة والتنمية، لما سيأتي بعدها، حيث وصلت كل المشاكل في هذه الفترة أوجها، وتم تمرير كل القوانين التي كان من المستحيل تمريرها من ذي قبل، وتأزمت المجالات الحيوية: التعليم، والصحة، بالإضافة إلى ضرب القدرة الشرائية للمواطن، بغلاء الأسعار، وتقزيم الأجور، هذا كله تمهيد لمرحلة قادمة، تكون فيها الأصالة والمعاصرة على رأس الحكومة، ليحدث النظام تغييرات بسيطة، تجعل المواطن، يرى أن الأمور قد صارت أفضل، ليلقي باللوم على الحكومة السابقة، وينسى أن المخزن هو المتحكم في كل شيء، وهذا ما يهدف إليه النظام، أن يحدث تغيرًا بسيطًا في عهد الحكومة القادمة، لكي يتضح للشعب أن الخلل كان بالإسلاميين الذين ترأسوا الحكومة.