صباح الإثنين الماضي (31 أكتوبر 2016) قامت السلطات التركية باعتقال رئيس تحرير أكبر الصحف التركية وأكثرها احترامًا في البلاد، صحيفة جمهوريت، وفي الأيام اللاحقة لذلك، كان عدد المعتقلين من الصحفيين والتنفيذيين في الجريدة قد ارتفع ليصل إلى 9 أشخاص، اتهمهم الادعاء في تركيا بارتكاب جرائم بالنيابة عن منظمة فتح الله غولن، وحزب العمال الكردستاني، وكلا المنظمتين تُصنفان كمنظمات إرهابية في تركيا.

كذلك أضاف مكتب الادعاء في بيان صدر في ذات اليوم أن تحقيقًا بدأ في أغسطس بشأن عدد من المسؤولين التنفيذيين في الجريدة بعد مزاعم بأن ما تنشره الصحيفة له طبيعة تضفي شرعية على محاولة الانقلاب في 15 يوليو الماضي.

وفي نوفمبر من العام الماضي، كان رئيس التحرير السابق للصحيفة جان دوندار قد اعتُقل لفترة وجيزة، قبل أن يُفرج عنه مع استمرار محاكمته التي انتهت إلى الحكم عليه برفقة مراسل الصحيفة في أنقرة، في مايو من العام الجاري، بالسجن لخمسة أعوام وعشرة أشهر، بسبب نشره معلومات بشأن شحنات أسلحة تركية متجهة لسورية، لكن دوندار لم يتم سجنه، إذ قام بالسفر إلى أوروبا حيث يستقر الآن في ألمانيا التي أعطته جواز سفرها قبل بضعة أيام.

لم يكن اختيار دوندار لألمانيا عبثيًا، إذ يبدو أن برلين تبذل جهدًا كبيرًا في انتقاد تركيا على مستويات عدة، إلى حد أغضب الأتراك بشدة.

فقبل يومين، وتحديدًا يوم الخميس، قال إن ألمانيا أصبحت ملاذًا للإرهابيين و"سيحاكمها التاريخ"، واتهم أردوغان ألمانيا بإيواء مقاتلين من حزب العمال الكردستاني الذي يشن تمردًا منذ ثلاثة عقود مطالبًا بحكم ذاتي للأكراد كما تؤوي يساريين من جبهة حزب التحرير الشعبي الثورية اليسارية التي نفذت هجمات مسلحة في تركيا، وحتى أنصار رجل الدين فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة.

لكن اتهامات أردوغان لألمانيا لم تأت بسبب استضافة جان دوندار فحسب، فقبل يوم واحد من تصريحات أردوغان، أعربت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل عن قلقها على حرية الصحافة في البلاد، وبعد حديث أردوغان بيوم واحد، استدعى وزير الخارجية الألماني فرانك - فالتر شتاينماير القائم بالأعمال التركي نظرًا "للتطورات الخطيرة في تركيا".

كانت الخارجية الألمانية تتحدث، لا عن احتجاز صحفيي جريدة جمهوريت فحسب، لكن أيضًا، وبالأساس، عن توقيف نواب من حزب الشعوب الديمقراطي.

ففي وقت مبكر من صباح الجمعة، أصدرت المحكمة الجنائية الثانية في ولاية دياربكر، قرارًا باعتقال زعيمي حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرطاش، الذي كتب تغريدة يقول فيها إن الشرطة تقف بباب منزله، وفيغان يوكسك داغ، ضمن إطار التحقيقات الجارية في قضايا إرهابية.

وإلى جانب دميرطاش وفيغان، أصدرت المحكمة قرار اعتقال بحق عدد من النواب الآخرين في حزب الشعوب الديمقراطي، أبرزهم النائب البارز في الحزب إدريس بالوكن، فيما تم إخلاء سبيل النائب الآخر سرّي ثريا أوندر بشرط الرقابة القانونية.

الادعاء التركي قال إن توقيف نواب حزب الشعوب الديمقراطي جاء بسبب رفضهم الذهاب إلى النيابة العامة للإدلاء بإفادتهم حول التحقيقات الجارية في أحداث الشغب التي جرت في 6 - 8 أكتوبر من عام 2014، وبعض القضايا المتعلقة بالإرهاب.

الأحداث التي تتحدث عنها النيابة التركية تعود إلى أكثر من عامين خلتا، حيث كان أنصار منظمة حزب العمال الكردستاني قد خرجوا في 6 أكتوبر من عام 2014 إلى الشوارع في عدد من الولايات التركية بدعوة من نواب حزب الشعوب الديمقراطي، وقاموا بأحداث شغب، تسببت بمقتل 33 شخصًا بينهم شرطيين، للتنديد بهجوم تنظيم داعش لمدينة عين العرب (كوباني) الكردية في سوريا.

الانتقادات التي وُجهت لتركيا كانت الأحد من ألمانيا، إلا أن برلين لم تكن الوحيدة التي وجهت الانتقادات لتركيا.

فقد قالت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني إنها قلقة للغاية بعد اعتقال قادة حزب الشعوب الديموقراطي، وأكدت أنها على تتواصل مع الحكومة التركية.

وتابعت موغريني على حسابها على تويتر في اليوم التالي قائلة إنها تحدثت مع وزير الخارجية التركي ووزير شؤون الاتحاد الأوروبي في البلاد لمناقشة اعتقال ديمرطاش.

تركيا في وقت سابق كانت قد ردّت بحدة على الانتقادات الأوروبية بشأن حرية الصحافة عبر رئيس وزرائها بن علي يلدرم، "بمجرد أن نُفذت الاعتقالات في هذه الصحيفة خرجوا مثل الكورال للبدء فورًا في ترديد أن حرية الصحافة انتهت، ونحن اعتدنا على ذلك"، وتابع يلدرم "نحن لا نهتم بخطكم الأحمر، الشعب هو من يرسم الخط الأحمر، ما أهمية خطكم؟".

إلا أن رئيس الوزراء أكد على احترامه حرية الصحافة، إلا أنه تابع قائلًا: "لا نتوصل إلى التفاهم حول هذه النقطة مع شركائنا الأوروبيين، في كل مرة يخرجون لنا حرية التعبير عندما نتخذ إجراءات لمكافحة الإرهاب".

ألمانيا من جانبها تعترف بحزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية، لكنها مع ذلك تؤوي العديد من الأفراد الذين يصفهم صحفيون ألمان بأنهم "مقاتلون من أجل الحرية" أو مدافعون عن القضية الكردية، ويعتقد معلقون بأن هناك أسباب تستدعي النظر في الدعاوى الموجهة  ضد حزب العمال الكردستاني وضد حزب التحرير الشعبي الثوري، لكن ذلك بنظرهم لن يحدث إلا في ألمانيا.
   
في داخل ألمانيا أيضًا تتصاعد الانتقادات للحكومة وللمستشارة ميركل إذ طالبها الحزب اليساري باتباع أقوالها وقلقها بالأفعال تجاه تركيا، التي تثير غضب الساسة في أوروبا بشكل عام، وفي دول مثل ألمانيا وبلحيكا على وجه الخصوص، بلجيكا مثلًا، ترى أن أنشطة حزب العمال الكردستاني شرعية، ولا تصنفه كمنظمة إرهابية، إلى حد أنها سمحت لنشطاء الحزب ببناء خيمة أمام مقر قمة تركية أوروبية عُقدت مارس الماضي في بروكسل، ما يثير غضب الساسة الأوروبيين في هذه المرحلة هو أن تركيا تملك الكثير من الأوراق السياسية التي تضغط بها على الاتحاد الأوروبي، لا سيما في تلك الأوقات الصعبة التي يمر بها الاتحاد، تستطيع أنقرة الضغط بورقة اللاجئين، وأوراق اقتصادية وسياسية متعددة، لكن الأمر أعقد من ذلك بكثير.

فألمانيا التي تستضيف أكثر من ثلاثة ملايين تركي، تدرك تمامًا مخاطر صعود تركيا بالنسبة لها، وتمددها في أوروبا، أو حتى في محيطها العربي والآسيوي، لا سيما مع الاستقلالية التركية المتزايدة ومع تطور النزعة القومية لدى حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب أردوغان.

هناك إشارات متعددة على تعزيز النهج القومي لدى إدارة الرئيس أردوغان، خاصة مع تقارب حزبه مؤخرًا وبشكل لافت مع حزب الحركة القومية، لكن قادة الحزب وأنصاره لا يعتبرون ذلك مناقضًا للديموقراطية التي يعتبرها الحزب مكوّنًا رئيسيًا في منظومته الفكرية.

أوروبا، والغرب بشكل عام، كان ينظر إلى نموذج رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية باعتباره نموذج الإسلام الوسطي المعتدل في الحكومة، ويعتقد كثيرون أن هذا هو ما سمح للحزب بالبقاء والاستمرار حتى الآن، إذ إن مناورات الحزب وقادته مكنته من الاستفادة بشكل كبير من مسارات التحديث الغربية في الاقتصاد والمؤسسات، لكنها لم تضعه تحت الهيمنة الأوروبية أو الأمريكية بشكل كامل، ولربما كانت تلك هي المشكلة بالنسبة للعديد من عواصم الغرب.

الآن، وكما جاء في مقال للكاتب التركي فخرالدين ألتون، ترى العديد من الدوائر الأكاديمية والسياسية في الغرب تركيا كدولة "غير قادرة على التحديث" بل وتقاوم ذلك التحديث، بالنظر إلى عدم التزام حزب العدالة والتنمية بالمسار الغربي، وهو ما قاده إلى نزع العباءة الأوروبية، والحديث بشكل واضح عن توجه، إن لم يكن تصادميًا، فهو مقاوم على الأقل.

إن دولة كردية على الحدود التركية، يعني وكيلًا ألمانيًا على تلك الحدود، والدعم الغربي الفجّ لحزب الشعوب الديموقراطي يؤكد أن اللعب على الصراعات داخل تركيا هو الأولوية لإرهاق البلاد المرهقة أصلًا بالحرب على حدودها الجنوبية وباللاجئين على كافة أراضيها.

إن المعركة داخل تركيا وحولها الآن ليست معركة حول الصحافة أو حزب كردي أو حركة إسلامية مضطهدة، إنها صراع هوياتي يعزز من رؤية صامويل هانغتون للأزمة في تركيا باعتبارها دولة منقسمة بين أتراك غربيين، وآخرين شرقيين مسلمين، واستمرار هذه المعركة يعني الاستمرار في إضعاف البلاد.

لا يمكن لألمانيا تصور تركيا قوية، ذات نفوذ قوي في العراق وسوريا، وذات أيد ممتدة في آسيا الوسطى وإفريقيا وأوروبا، وإن كان لا بد لتركيا أن تكون كذلك، فعليها أن تلتزم بأجندة محددة مسبقًا لدول "العالم الحر"، لكن أما وإن قرر أردوغان أن يكون صاحب توجه شديد الاختلاف أو التناقض مع ما يطرحه الأوروبيون، فسيكون للعالم ردٌ مشابه لرد فعل ألمانيا، ولذلك فلم يكن من الغريب أن تصدر العديد من التصنيفات لتشير إلى تركيا باعتبارها دولة ذات ديموقراطية مهددة، أو دولة على حافة الديكتاتورية، أو دولة ديكتاتورية حتى!