باستثناء البعض من طلبته الذين كانوا شغوفين بهندسة الطائرات دون طيار وباستثناء الأوساط الأكاديمية والعلمية بكلية المهندسين في محافظة صفاقس حيث كان يعد رسالة الدكتوراة، لم يكن محمد الزواري معروفًا لدى الكثيرين، رجل في حاله يعيش في عالمه الخاص دون جلبة ودون أن يلفت الانتباه لا إلى نفسه ولا إلى المهمة الجسيمة التي كان يؤديها إلا أن ذلك لم يحجب عيون العدو عن ترصده ومتابعة تحركاته حتى اغتياله بأكثر من 20 طلقة في سيارته وأمام منزله.



في يوم ممطر وفي جنازة بسيطة لم يتجاوز عدد المشاركين فيها خمسة عشر شخصًا شُيِعَ الزواري مسجى بالعلم التونسي إلى مثواه الأخير.

مر يوم الـ15 من ديسمبر الذي شهد اغتيال الزواري ثقيلاً ومثقلاً بأسئلة كثيرة وشهدنا نحن التونسيين الاغتيال وما لحقه من تفاصيل وقراءات غذت وسائل التواصل الاجتماعي وكأننا في حالة من البهتة، إذ إن شكل الجريمة وما اتسمت به من هدوء وبرود في الآن ذاته كان أمرًا غير مسبوق في الساحة التونسية، وإذ بدت بصمات جهاز محترف بيّنة وجلية فإن السؤال عن تورط الموساد الذي انكفأ عن الساحة التونسية منذ سنة 1991 ظل إنكاريًا.

ضرب العدو الصهيوني تونس في مناسبة أولى في الأول من أكتوبر سنة 1985 فيما يعرف بعملية الساق الخشبية التي استهدفت اغتيال الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عبر غارة بالطائرات على مقر القيادة العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية في مدينة حمام الشط الساحلية (25 كم جنوب العاصمة تونس) وعاد جهاز عملياته الخارجي الموساد سنة 1988 ليغتال خليل الوزير (أبو جهاد) عبر فرقة كوماندوز تسللت من البحر إلى منزله وأفرغت فيه 70 رصاصة، ثم عاد بعدها من جديد عام 1991 ليغتال صلاح خلف (أبو إياد) وهايل عبد الحميد وأبو محمد العمري وكلهم من قيادات المقاومة الفلسطينية ومنذ ذلك التاريخ لم تسجل أية عمليات تحمل بصمات الموساد.

كان مستوى التعاطي الشعبي مع الجريمة لافتًا حيث ضجت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بعبارات الاحتفاء والافتخار بالشهيد

تحولت جراح الضربات الإسرائيلية الثلاث ندوبًا في تاريخ تونس الحديثة لم تمحها محاولات النظام السابق لتجاهلها والتعتيم عليها وتحولت ذكرى ضربة حمام الشط إلى مناسبة سنوية يجدد فيها الطلبة ومنظمات المجتمع المدني وعامة التونسيين اللقاء تخليدًا للذكرى وتجديدًا لوقوفهم إلى جانب القضية الفلسطينية، ورغم ما كان يقوم به نظام بن علي لمحاصرة فعاليات الاحتفال بهذه الذكرى فإن المعنيين بها كانوا يجدون في كل مرة طريقة للالتفاف على تضييقات البوليس التونسي.

أما بعد الثورة فأصبحت هذه الذكرى أكثر تنظيمًا وأوسع مشاركة، لكن ملف ضربة حمام الشط أسوة بعمليتي الاغتيال اللتين وقعتا تباعًا في 1988 ثم في 1991 ظل مطوقًا بجدار من الصمت الرسمي وبغموض يغذيه شح المعطيات بشأن فداحة الاختراق الأمني خاصة في واقعتي الاغتيال اللتين لم يكن لهما أن تقعا لولا تسهيل أو تواطؤ من أطراف محلية تونسية.

تعود كل هذه الأسئلة لتطرح من جديد بعد واقعة اغتيال المهندس محمد الزواري، ففي مستوى أول تعاطت جل وسائل الإعلام مع عملية الاغتيال كجريمة عادية من الممكن أن تحدث في كل زمان ومكان رغم ما بدا فيها من علامات مريبة منها أن جرائم القتل باستعمال الرصاص لا تحدث في تونس إلا نادرًا جدًا فما بالك بعملية قتل بمسدسات كاتمة للصوت وبأكثر من عشرين طلقة استقرت في جسد الفقيد.

ورغم تكشف معطيات إضافية عن الموضوع والاشتباه الجاد في ضلوع أجانب في عملية القتل هذه واصلت جل القنوات والإذاعات الحديث عن القضية باقتضاب وحذر شديد باستثناء فضائية التاسعة التي أشارت بشكل مباشر لتورط الموساد في اغتيال الزواري منذ اليوم الثاني لعملية الاغتيال كما استضافت أحد أصدقاء الفقيد الذي أكد صلة الزواري وتعاونه مع كتائب القسام في السنوات الأخيرة قبل أن تصدر هذه الأخيرة رسميًا نعيًا له.



هذا التعامل الإعلامي الرتيب والبارد من مجمل وسائل الإعلام التونسية يوزايه مستوى ثانٍ من التعاطي يخص الجهات الرسمية، حيث تم التعاطي مع القضية بشكل روتيني وسريع يحمل في طياته أمرين مهمين أولهما أن هذه الجريمة تأتي في وقت تتجند فيه البلاد بكل إمكانياتها الأمنية والعسكرية وخاصة منها الاستخباراتية لمكافحة الاختراقات الإرهابية وفي سياق تتحدث فيه السلطات التونسية عن تعافي أجهزتها وعن استعادتها لكامل قدراتها في التوقي من الاختراقات الأمنية ومن الضربات الإرهابية.

بينما تُبَيّن قضية الحال أن الجناة رصدوا الزواري وراقبوه ومن ثم نفذوا عملية الاغتيال وتلاعبوا بمسرح الجريمة وغادروا التراب التونسي (بما أن الموقوفين إلى حد الآن ليسوا من المنفذين المباشرين للاغتيال) دون أن تتفطن أجهزة الأمن التونسية لأي من مراحل العملية وهو ما يعد فشلاً أمنيًا ذريعًا وخطيرًا.

أما الأمر الثاني فيتمثل في تواصل غياب الموقف الرسمي التونسي من الجريمة طول ثلاثة أيام بعد ارتكابها، فرغم تبني كتائب القسام للزواري وتوجيهها الاتهام دون مواراة للموساد بالوقوف وراء اغتياله ورغم ثبات ضلوع أجانب في القضية، فإن أيًا من المؤسسات الرسمية لم تعلن عن موقفها من عملية الاغتيال إلى حين مساء الأحد.

آنذاك نشرت صفحة الحكومة على موقع فيسبوك بلاغًا قالت فيه إنها تتابع سير التحقيقات الخاصة بجريمة اغتيال المواطن التونسي المرحوم محمد الزواري، وأن الدولة ملتزمة بتتبع الجناة الضالعين في عملية اغتيال المرحوم داخل أرض الوطن وخارجه بكل الوسائل القانونية، وهو ما اعتبره متابعون موقفًا ضعيفًا بالنظر إلى حجم الاختراق الأمني الحاصل وإلى بشاعة الجريمة وجسارة مرتكبيها، وكما يبدو فإن مؤسسات الحكم في تونس قد أُخِذَتْ على حين غرة وهو قطعًا ما يفسر ترددها وتلكؤها في التعبير عن موقف صريح.

وعلى العكس من ذلك تمامًا كان مستوى التعاطي الشعبي مع الجريمة لافتًا، حيث ضجت صفحات وسائل التواصل الاجتماعي بعبارات الاحتفاء والافتخار بالشهيد رغم محاولة صحفيين وإعلاميين معروفين اتهام الزواري إما بكونه إرهابيًا أو تاجر أسلحة قتل في تصفية حسابات، وتداعى رواد وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإشادة بالشهيد والاعتزاز بانتمائه إلى المقاومة.

كما نوهت النقابة الوطنية للمهندسين التونسيين بدور الزواري وأدانت اغتياله شأنها في ذلك شأن أحزاب حراك الإرادة والتيار الديمقراطي وحركة الشعب والبناء الوطني، كما أدان حزبا حركة النهضة وآفاق تونس الحاكمين الجريمة دون الإشارة في كلا بيانيهما إلى علاقة الزواري الوثيقة بحركة حماس ولا إلى التورط المحتمل للعدو الصهيوني في هذه الجريمة.

وإلى حدود كتابة هذه الأسطر غاب موقف حزبا نداء تونس (الحزب الأغلبي في البرلمان) والاتحاد الوطني الحر الحاكمين بدورهما، كما غابت مواقف المنظمات الوطنية الكبرى كالرابطة التونسية لحقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين والاتحاد العام التونسي للشغل وهي التي لها مواقف معلومة وراسخة من المقاومة ومن القضية الفلسطينية.

هذا التعامل الإعلامي الرتيب والبارد من مجمل وسائل الإعلام التونسية يوزايه مستوى ثانٍ من التعاطي يخص الجهات الرسمية حيث تم التعاطي مع القضية بشكل روتيني

إن المستوى الأهم في عملية اغتيال محمد الزواري يكمن في نقطتين أساسيتين تتعلق الأولى بطيف واسع من النخبة التونسية من إعلاميين ومثقفين وأكاديميين وسياسيين ممن جعلوا من القضية الفلسطينية والموقف من المقاومة في الأراضي المحتلة عنوانًا لمواقف عالية السقف ومقدمة لرمي خصومهم من الإسلاميين بالعداء للمقاومة وذريعة لوَصْمِ الثورات العربية بالربيع العبري ذي الغايات التقسيمية التخريبية، وكل أصحاب هذا الخطاب انقسموا بين منكفئ عن إبداء الرأي والموقف من اغتيال الزواري أو مشكك في خلفية اغتياله أو متهم له بالإرهاب والتطرف.

هذا الموقف المزدوج من قضية كانت تتطلب قدرًا كبيرًا من المبدأية كشف أن مواقف الغالب الأعم من هؤلاء لم تكن مبدأية بل مصلحية وانتهازية وكاذبة ولم تكن ثابتة إلا بما تحققه لهؤلاء من سهولة المزايدة على داعمي الثورة ومناصريها عبر جرهم إلى نقاشات تبدأ بفلسطين والقدس وتنتهي عند الموقف من نظام بشار والثورة السورية وهؤلاء بالإضافة إلى أنهم يسيئون إلى أنفسهم من خلال جعل قضية فلسطين محل مزايدة سياسية وإيديولوجية، فإنهم يسيئون إلى رمزية وعدالة القضية الفلسطينية وهنا تكمن النقطة الثانية فاغتيال محمد الزواري جدد ألق القضية الفلسطينية في تونس ورسخ رمزيتها وأهميتها لدى التونسيين.



منذ نعي المقاومة الفلسطينية للقائد القسامي التونسي محمد الزواري وإشادتها بدوره وإنجازاته ومع تواتر صوره في المعلقات واللافتات المطبوعة بشعار القسام سرت في أجسادنا نحن التونسيين قشعريرة محببة عبرت عن استعادة الأمل بقدرتنا وقدرة الأجيال الشابة خاصة على خدمة القضية الفلسطينية وعلى دعم المقاومة لا بالتعاطف والأسف والأسى ولكن بالعمل الجاد الدؤوب الثابت والمدروس، كذا كان نهج محمد الزواري ابن تونس وشهيد فلسطين الذي كرس حياته وبذل روحه فداءً لها والذي كلما حلقت طائرته (أبابيل) فوق الأراضي المحتلة إلا وحلقت أرواحنا وأفئدتنا معها فخرًا ونخوةً بما أنجز وتوقًا وشوقًا إلى فلسطين، كذا فعل الزواري وكذا سيفعل من بعده تلاميذه.