رمطان لعمامرة وزير الخارجية الجزائري

تنقل وسائل الإعلام كل بطريقتها الخاصة ووفقًا لأجندتها ما حدث ولا يزال يحدت في حلب، والشيء الثابت في كل ما نشاهده هو الوضع الإنساني الكارثي، أما ما هو مختلف عليه بالضرورة فهو تكييف المواقف تجاه ما يحدث، فالبعض يعتبره جريمة في حق الإنسانية تضاف إلى الجرائم التي عرفها تاريخ الحروب، والبعض يعتبره انتصارًا على الإرهاب.

الجزائر وفقًا لما صرحه وزير خارجيتها مؤخرًا أعلنت موقفها بشكل صريح من أن معركة حلب هي انتصار لنظام شرعي في معركته على الإرهاب، بالشكل الذي كسر قاعدة التحفظ التي عادة ما ميزت الموقف الجزائري تجاه تطورات النزاع السوري، فلماذا قررت الدبلوماسية الجزائرية إعلان موقفها بشكل صريح في هذا الوقت بالذات؟

وزير خارجية الجزائر: انتصر النظام الشرعي في حلب على الإرهاب

 معركة حلب والقراءة الموضوعية لمآلات الصراع

أحد التفسيرات التي قد تطرح تتعلق بنتائج معركة حلب، والتي استقرت لصالح النظام السوري وحلفائه، ووفقًا لوجهة النظر هذه يكون إعلان الجزائر لموقفها الصريح تجاه ما يحدث مرتبطًا بقراءة موضوعية لأهمية نتائج معركة حلب على مآلات الصراع السوري، فهذه المعركة أثبتت تحولات مواقف القوى الإقليمية وخاصة الموقف التركي تجاه تطورات النزاع، حيث لعب هذا التحول دورًا كبيرًا في إضعاف قدرة المعارضة السورية المسلحة المدعومة من تركيا والتي تحولت أولوياتها بشكل كبير تجاه هذا النزاع، بالشكل الذي عززه التقارب الوثيق التركي - الروسي والذي أثر بشكل كبير في تحولات النزاع على أرض الواقع.

ووفقًا لوجهة النظر هذه فإن الجزائر أعلنت موقفًا بشكل صريح استنادًا إلى قراءة موضوعية مفادها أن نتائج معركة حلب ستحسم الصراع بشكل كبير لصالح النظام السوري وحلفائه، حيث ستكون المرحلة القادمة في الصراع وفقًا لتلك القراءة مرتبطة بمسارين: أما الأول فهو استكمال المواجهة العسكرية مع القوى المعارضة المسلحة في المدن التي لا تزال تسيطر عليها والتي تعتبر أقل أهمية وأقل تعقيدًا مما حدث في حلب، والثاني هو توجيه التفاعلات العسكرية بالشكل الذي يحشد التنظيمات الإرهابية في مناطق محددة يسهل استهدافها، وما يعزز من ذلك بشكل كبير هو موقف الرئيس الأمريكي القادم دونالد ترامب والذي تتوافق رؤيته للنزاع السوري بشكل كبير مع هذه التفاصيل، حيث سيساعد تغير الموقف الأمريكي على ترسيم تسوية الصراع على أساس وجهة نظر النظام السوري وحلفائه.

الاستهداف الغربي والاحتماء الاستباقي

وفي المقابل ترى وجهة نظر أخرى أن الدبلوماسية الجزائرية اضطرت إلى إعلان موقفها ولم تكن مخيرة في ذلك تجاه النزاع السوري بالشكل الذي كسر مبدأين رئيسيين للسياسة الخارجية الجزائرية وهو مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ومبدأ عدم الانحياز، أما عن العوامل التي دفعت السياسة الخارجية الجزائرية لإعلان موقفها وفقًا لوجهة النظر هذه فهي مرتبطة بالاحتماء الاستباقي ضد الحملة الغربية التي تستهدف الجزائر.

والتي عبر عنها ابتداءً تقرير معهد المؤسسات الأمريكي والذي يعرف بعراب الربيع العربي الذي وضع الجزائر ضمن قائمة عشر دول مهددة بعدم الاستقرار، ثم تلته تصريحات الخارجية الأمريكية التي ادعت أن الجزائر بلد غير مستقر أمنيًا، وتوجته تصريحات أوروبية تربط الشبه بين الجزائر وسوريا، ووفقًا لوجهة النظر هذه فإن إعلان الجزائر موقفها بشكل صريح تجاه تطورات النزاع السوري هو احتماء استباقي بالطرف المدعم للنظام السوري من أجل مواجهة الحملة الغربية.

هل حسبتها الجزائر جيدًا؟  

اختلف كثيرًا مع من يقيمون موقف الجزائر مما حدث في حلب من منطلقات أخلاقية وإنسانية بحتة، فالإشكالية ليست تقييم مستوى التضامن الإنساني في السياسة الخارجية الجزائرية، ولكن الإشكالية الرئيسية هي هل هذا الإعلان الصريح عن الموقف الجزائري تجاه ما يحث في سوريا يخدم المصالح الجزائرية بالضرورة؟ فإذا توقفت عند وجهة النظر الأولى لا بد أن يطرح السؤال التالي على صانعي السياسة الخارجية الجزائرية: هل الربط بين نتائج معركة حلب وحسم الصراع لصالح النظام السوري وحلفائه هو ربط موضوعي بالضرورة؟ 

فحادثة اغتيال السفير الروسي في تركيا تثبت بما لا يدع مجالاً للشك تحفز مجموعة من القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة خلط تفاصيل الصراع بالشكل الذي لا يفرض تسوية الصراع  ارتباطًا بوجهة نظر النظام السوري وحلفائه، هذا على فرض أن وجهة النظر الأولى هي التي تفسر إعلان الجزائر لموقفها بشكل صريح من تطورات الصراع، أما إذا افترضنا أن وجهة النظر الثانية هي التي تفسر ذلك، أفلا يؤدي ذلك إلى استهداف غربي أكبر للجزائر توازيًا مع إعادة خلط أوراق الصراع السوري؟ كل هذه التساؤلات ستكشف الفترة المقبلة إن كانت الدبلوماسية الجزائرية قد حسبتها جيدًا.