كانت أولى الكلمات التي علق بها الرئيس السوري بشار الأسد بعد نهاية معركة حلب أن هذه المعركة هي محطة مرجعية في التاريخ ليس بالنسبة إلى الدولة السورية فقط ولا إلى منطقة الشرق الأوسط ولكن بالنسبة إلى النظام الدولي برمته، وفي هذا إشارة إلى أن معركة حلب حسمت إلى حد بعيد مسار الصراع في سوريا وأن كل ما تبقى هو الاستمرار في استهداف الحركات المسلحة في باقي المناطق التي تسيطر عليها.

والتي ستكون بالضرورة أقل تعقيدًا مما حدث في حلب، أما المسار الثاني فهو حشد ما يراه المجتمع الدولي منظمات إرهابية في مناطق محددة يسهل استهدافها، ومع ذلك هناك الكثير من الحجج التي يمكن استحضارها توضح أن الربط بين نتيجة معركة حلب ومآلات الصراع السوري هو ربط غير موضوعي بالضرورة.

هشاشة التحالف الروسي - الإيراني - التركي

كان لهذا التحالف دور كبير في حسم معركة حلب بأدوار مختلفة، أما الدور الروسي فكان قيادة المعركة الجوية، وقد اعترف وزير الدفاع الروسي أن مشاركة روسيا في النزاع السوري ترافق مع تجريب الأنواع الجديدة من الطائرات بالإضافة إلى استغلال ظروف الحرب لاختبار مدى كفاءة النخبة الجديدة من المنتسبين إلى سلاح الجو الروسي، كما كشف وزير الدفاع الروسي أيضًا عن مساهمة موسكو في مقتل ما قدره 35 ألف مسلح في سوريا أغلبهم كان في مدينة حلب.

أما المساهمة الإيرانية فتمثلت في قيادة القوات البرية على الأرض من خلال القيادة الموجهة  التي جسدها الجنرال الإيراني قاسم سليماني والذي تكفل بقيادة مجموعة متنوعة من القوات بعضها منتسب إلى القوات البرية السورية، والبعض الآخر منتسب إلى مجموعة متنوعة من الميليشيات المسلحة، أما الدور التركي فقد تمثل في توجيه جزء من المعارضة المسلحة السورية إلى محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والحركات المسلحة الكردية وهو ما أثر على  إسهام هذه المعارضة في المعركة الرئيسية ضد نظام بشار الأسد.

ويراهن من يربطون ربطًا موضوعيًا بين نهاية معركة حلب لصالح النظام السوري وحلفائه على قدرة التحالف الروسي الإيراني التركي على قيادة تسوية سياسية تفرض حلاً نهائيًا للصراع، ومع ذلك فإن الثقة في متانة هذا التحالف هي ثقة مبالغ فيها، وذلك من الزاوية التي يرى من خلالها كل طرف أنه قدم تضحيات كبيرة لحسم تلك المعركة، وبالتالي من المنطقي أن يحاول كل طرف استغلال مشاركته في النزاع من أجل توجيه ما تستقر عليه نتيجة الصراع لصالحه، فروسيا وفي سياق توسيع نفوذها العسكري العالمي ستحرص على إقامة قواعد عسكرية دائمة في سوريا وهو ما لا يمكن أن يلقى رضى إيران والتي تسعى إلى توسيع نفوذها الإقليمي إلى أقصى حد ممكن.

وفي ذات السياق ستسعى إيران إلى توظيف نتائج النزاع العسكري في سوريا ضد أعدائها الإقليميين الرئيسيين أي المملكة السعودية وإسرائيل، وكلتا الدولتين علاقتهما مستقرة إلى حد بعيد مع روسيا وتركيا في ذات الوقت الذي تسعى في تركيا إلى السيطرة بصورة كاملة على منطقة شمال سوريا بالشكل الذي يحسم نهائيًا فكرة إقامة كيان مستقل في تلك المنطقة، وهذا المسار لا يمكن أن يلقى قبولاً روسيًا إيرانيًا بالبساطة التي تتوقعها تركيا، فكلتا الدولتين لا يمكن أن تتنازل عن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة الشمال السوري. 

وبصورة عامة فإن التحالف الروسي التركي الإيراني سيكون مهددًا بقوة بما يمكن أن نسميه  "صدام المخاطرات"، حيث سيخاطر كل طرف من أجل الحفاظ على المكاسب التي تحققت له  من خلال الاشتراك في هذا النزاع، وستقع تلك الأطراف في إشكالية أن التعاون في توزيع المكاسب أصعب من التعاون في توزيع الخسائر بالشكل الذي يفجر نزاع على النفوذ بين الأطراف الثلاث.

وفي ذات السياق سيكون التحالف مهددًا بما يمكن أن نسميه "حسابات التضحيات" فالردود الانتقامية اتجاه الأطراف الثلاث تطال روسيا في الوقت الراهن بشكل أكبر من بين تلك الأطراف، وهذا سيشتت منطق التفكير الجماعي عند هذه الأطراف، حيث ستفكر روسيا بمنطق أن المجازفة في دفع الحد الأدنى من التكاليف أهم من المجازفة في الحصول على الحد الأدنى من المكاسب في حين لا يتوقع لإيران أن تفكر بذات المنطق تمامًا وقد بدا الخطاب الرسمي الإيراني في الإعلان على أن النزاع السوري هو استمرار لمشروع الثورة الإسلامية، في حين ستكون تركيا مجبرة على إيجاد توازن بين كلا المنطقين.  

دونالد ترامب والموقف الأمريكي

من اللافت للانتباه أن الإصرار على حسم معركة حلب تم قبل استلام دونالد ترامب الرئاسة ، وعلى الرغم من الرأي الشائع أن ترامب صديق لروسيا وأن رؤيته للنزاع تتوافق إلى حد كبير مع الرؤية الروسية، فإن دونالد ترامب نفسه يبعث برسائل متناقضة إلى روسيا وما هو ثابت إلى غاية الآن أن الشيء الحقيقي الوحيد في خطاب دونالد ترامب هو علاقته مع إسرائيل.

ولذا فمن وجهة نظري فإن الموقف الأمريكي في فترة دونالد ترامب سيكون مجرد انعكاس لما تريده إسرائيل من هذا النزاع، وهناك اتجاه قوي في إسرائيل الآن يتحدث عن خطورة نتائج معركة حلب بالنسبة لإسرائيل وخاصة ما يتعلق باستغلال إيران لنتائج النزاع السوري وإيصال التهديد إلى الحدود الإسرائيلية.

كما أن هناك حاجة إسرائيلية مهمة في استمرار انشغال حزب الله بالنزاع السوري بدل انشغاله بتهديد الأمن القومي الإسرائيلي، كما أنه يعيد إحياء سوريا باعتبارها العمق الاستراتيجي  الرئيسي لحركات المقاومة الفلسطينية وكل هذه الهواجس الإسرائيلية فتتكفل السياسة الأمريكية في فترة دونالد ترامب بمعالجتها وهو ما يعيد تحريك دينامكية الصراع من جديد.

إذ رغم العلاقات الجيدة بين إسرائيل وروسيا، فإن الطرف الإسرائيلي لا يثق  كثيرًا في روسيا لتحقيق مصالحها، كما أنه لا توجد مصلحة إسرائيلية في الاشتراك المباشر في إدارة النزاع  لأنها تستفيد في ذلك من كونها الدولة الإقليمية الوحيدة التي لم تستنزف من الصراع، وهذا يدفع إسرائيل للضغط على دونالد ترامب من أجل إدامة الصراع بالشكل الذي يستنزف القوى الإقليمية الأخرى بشكل أكبر، ومن المتوقع في هذا السياق أن تمارس الولايات المتحدة استراتيجية اتجاه النزاع السوري تهدف إلى خدمة تلك الأهداف الإسرائيلية بالاستناد إلى تمويل الدول الخليجية المتخوفة من الرد الانتقامي لنظام بشار الأسد بعد استقرار نتائج الصراع لصالحه.  

تغيير استراتيجيات الحركات المسلحة السورية

أعلنت الكثير من القيادات المنتسبة للحركات المسلحة السورية أن معركة حلب أثبتت خطأ هذه الحركات في الرهان على حرب المدن لأن فارق القدرات مع الطرف الآخر سيحسم الصراع لصالحه في نهاية المطاف، وبذلك يثبت أن هناك توجه إلى تغيير استراتيجية هذه الحركات من حرب المدن إلى حرب العصابات، وهذا النوع من الحروب فشلت في مواجهته كل الجيوش العسكرية الكبرى في العالم على مدار التاريخ.

وإذا راهنت الحركات المسلحة السورية على هذا النوع من الحروب فإنها ستلغي من جهة  الميزة التي استفاد منها النظام السوري في الاعتماد على الحلفاء فسلاح الجو الروسي سيفقد قيمته لأنه لن يكون متاحًا لها التعامل مع أهداف ثابتة وينطبق نفس الأمر على العمل العسكري الذي تقوم به الميليشيات المسلحة التابعة لإيران، ومن جهة أخرى سيتم ممارسة استراتيجية الاستنزاف ضد القوات النظامية السورية، ستمنع النظام السوري في الحد الأدنى من حسم المعركة عسكريًا لصالحه بشكل نهائي.

كل ما ذكرته سابقًا يثبت من وجهة نظري أن الربط بين نتائج معركة حلب واستقرار نتائج الصراع لصلح النظام السوري وحلفائه هو ربط سابق لأوانه، وأن ما هو متوقع بشكل أكبر أن تتجدد دينامكية النزاع بأولويات ورهانات وأدوار واستراتيجيات مختلفة.