هل تستطيع الدول أن تحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال الاقتراض؟ البعض يري أن استخدام القروض في إقامة مشروعات انتاجية تحقق ربحية تساعد في دفع فوائد وأصول القروض، والآخر يري أن التنمية لا تأتي إلا بالتصنيع واتباع سياسة إحلال الواردات، لنجيب هل هذا السؤال سنطرح نموذجًا ونحلله لنصل إلى إجابة شافية واضحة.

مر الاقتصاد المصري بالعديد من الأزمات والصعوبات، وقد نجي منها كلها ليس باستعادة عافيته أو بإدارة حكامه، بل بقدرة المسؤولين عنه بالاقتراض، فضلا عن منح الخليج.

أصبح الاقتصاد المصري مقومًا بالديون والمنح، منذ القرن الماضي وتحديدا منذ السبعينات بعد أن أكلت الحروب التي خاضها جمال عبدالناصر الاحتياطي النقدي للبلاد، وكأنه أصبح مدمنا عليها، ومنذ ذلك الوقت لم يستطع التخلي عنها.

تفاقمت الديون في عهد الراحل محم أنور السادات، حين لجأت مصر لأول مرة في تاريخها لصندوق النقد الدولي، وكعادته أملى الصندوق شروطه كي يتم صرف القرض، وقد حملت الشروط في طياتها مزيد من التقشف وترشيد الانفاق العام وبالتبعية ارتفاع أسعار السلع الأساسية الذي أدي بدوره إلى انتفاضة شعبية كبيرة في يناير 1987\1988، ما أدي إلي عدول الحكومة وقتها عن القرض.

إن الاقتراض لا يدفع النمو للتقدم الاقتصادي والاجتماعي بل على العكس، يعمل علي تحميل البلد المقترض أعباء خدمة الديون واصولها

تراكمت الديون الخارجية علي مصر حتي ظهر طوق نجاة للحكومة في عهد الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، حيث تنازلت معظم الدول الخارجية ونادي باريس عن مستحقاته لدي مصر إثر خوضها حرب الكويت وردع العراق.

إنها ليست النهاية بل بداية لمرحلة جديدة من الديون، اقترضت مصر عام 1993\1991 من صندوق النقد الدولي قرضا بقيمة 375.2 مليون دولار مشروطا باصلاحات اقتصادية علي أثرها تم تخصيص بعض شركات القطاع العام في وقت لاحق، استطاعت الدولة المصرية أن تتكفل أمورها من خلال إيرادات قناة السويس والسياحة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والاستثمارات الاجنبية المباشرة، واستقرت وتيرة القروض نسبيًا.

الفترة الأخيرة شهدت تعثر في موراد مصر بسبب ثورة يناير 2011 وعدم استقرار الأوضاع السياسية والأمنية التي أدت إلى انسحاب العديد من المستثمرين من السوق المصري، وانخفاض إيرادات القناة وتحويلات المصريين العاملين بالخارج بسبب تدني أسعار النفط عالميًا منذ 2014، ليأتي سقوط الطائرة الروسية في صحراء سيناء ليقضي علي الأمل المتبقي وهو السياحة.

شهدت القاهرة ندرة دولارية حادة العام الماضي، حيث انخفض الاحتياطي النقدي من 36 مليار دولار ليصل إلي 15.5 مليار دولار أكتوبر الماضي وفقا لبيانات البنك المركزي المصري، وارتفع سعرالدولار ليقارب 20 جنيه في السوق الموازي مقابل 8.88 جنيه في البنوك.

 لجأت القاهرة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي نوفمبر المنصرم لاقتراض 12 مليار دولار من الصندوق و 3 مليار دولار من البنك الدولي علي مدار ثلاث سنوات لدعم الاحتياطي النقدي للبنك المركزي، الذي ارتفع إلي 23 مليار دولار نوفمبر الماضي.

تعدت الديون الخارجية المصرية الـ 70 مليار دولار، أما الداخلية فقد فاقت 3 تلريون جنيه مصري حسب أحدث البيانات، وفي تزايد مستمر.

أصبح الاقتصاد المصري مقومًا بالديون والمنح، منذ القرن الماضي وتحديدا منذ السبعينات بعد أن أكلت الحروب التي خاضها جمال عبدالناصر الاحتياطي النقدي للبلاد

ساءت أحوال المواطن المصري بعد قرضي الصندوق والبنك الدوليين، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية والخدمات والمحروقات.

من خلال العرض السابق المختصر يتبين لنا أن الاقتراض لا يدفع النمو للتقدم الاقتصادي والاجتماعي بل على العكس، يعمل علي تحميل البلد المقترض أعباء خدمة الديون واصولها، حيث يصبح في الاخير تعب وجهد المواطنين وخيرات البلد يصب لصالح الجهات المقرضة، الخلاصة هو استعمار في ثوب مساعدة.