حالة من القلق والترقب تسيطر على أرجاء وزارة القوى العاملة المصرية مع اقتراب المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الدولية بجنيف والمقرر انعقاده في الفترة من 5 من يونيو وحتى 16 من يونيو القادم، خشية أن يتم إدراجها ضمن القائمة السوداء للحريات النقابية.

مصر التي أُدرجت ضمن لائحة تضم 40 دولة تنتهك الحريات النقابية في العالم والتي يساورها القلق من الانضمام إلى قائمة أخرى تضم أكثر 23 دولة انتهاكًا للحريات النقابية، تضع أملاً على الزيارة الأخيرة التي قام بها وفد لجنة المعايير بمنظمة العمل الدولية، لوزارة القوى العاملة، في القاهرة، في تحسين صورتها عالميًا بشأن مناخ الحريات لديها.

العمال في مصر.. واقع مأساوي

العمال فصيل أساسي من الشعب المصري، بل أحد أكبر مكوناته على الإطلاق، إذ يتجاوز عددهم 28.9 مليون عامل بحسب آخر إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلا أنهم في الوقت ذاته أكثر الفئات تعرضًا للانتهاكات والقهر في ظل هذا المناخ غير الملائم.

وخلال السنوات الأخيرة واجه عمال مصر أوضاعًا ربما تكون الأسوأ في تاريخهم بأكمله وذلك لسببين، الأول: تراجع المستوى المعيشي بصورة غير مسبوقة لا سيما في السنوات الثلاثة الأخيرة، إذ تجاوز معدل التضخم 32% في سابقة لم تحدث منذ الحرب العالمية الثانية، فضلاً عن الارتفاع الجنوني للأسعار والذي التهم معه أي زيادة متوقعة في الرواتب والدخول.

أضف إلى ذلك الضربات التي تلقتها الأسرة العاملة في مصر خلال الفترة الماضية أبرزها إغلاق أكثر من 8000 مصنع متعثر وإهدار استثمارات تقدر بنحو 35 مليار جنيه (ملياري دولار)، مما تسبب في تشريد نحو مليوني أسرة بعد فقدانهم مصدر الدخل الوحيد لديهم.

واجه عمال مصر بعد 25 من يناير 2011  أوضاعًا ربما تكون الأسوأ في تاريخهم بأكمله

الثاني: وضع الحريات العمالية النقابية والتي تعاني من الكبت وتضييق الخناق بصورة ملفتة للنظر، وهو ما عزاه البعض إلى رغبة النظام الحالي في استنساخ آليات نظام مبارك ورجاله في التعامل مع النقابات، حيث دعم القيادات الفاسدة وملاحقة المتطلعين للتغيير والتطور، فضلاً عن تحميل العمال مسؤولية أي فشل للسياسات المالية والاقتصادية للدولة.

ويكفي للوقوف على حالة الفوضى والعبث التي تخيم على أرجاء المشهد النقابي العمالي في مصر أن نشير إلى إلغاء الانتخابات العمالية منذ 2011 وحتى الآن، فضلاً عن إجهاض النقابات المستقلة وتفريغها من دورها المتعارف عليه وهو ما تكشف بصورة واضحة في الكتاب الدوري لمجلس الوزراء نهاية 2013 الذي منع التعامل مع المستقلين، كذلك قرار وزارة الداخلية بوقف اعتماد خطاباتها، وفتوى مجلس الدولة بعدم شرعية عملها، بالإضافة إلى التضييق على عملها في المؤتمرات أو تحصيل الاشتراكات، مما أدى إلى تجميد دورها بصورة شبه كاملة.

انتهاكات عدة يتعرض لها العمال منذ سنوات

قانون التنظيمات النقابية.. علامات استفهام

"نحن في دولة استبدادية تتعامل مع الحركة العمالية والاحتجاجات بعنف مبالغ فيه"، بهذه الكلمات وصف كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية المصرية، الوضع العمالي في بلاده، ناعتًا المشهد العمالي الحالي بـ"العبثي".

عباس في حوار له بجريدة "الشروق" المصرية أوضح ما أسماه " تواطؤ" الحكومة ممثلة في الاتحاد العام لنقابات العمال والمعين من قبل الدولة، ضد العمال والشعب المصري بصورة عامة، وذلك من خلال تسهيل بيع القطاع العام وخصخصة الشركات، والتلاعب بمصير العمال من أجل مكاسب شخصية، منوهًا أن هناك العديد من الشكاوى المقدمة ضد قيادات في الاتحاد والحكومة ولم يتم تحريكها حتى الآن في مشهد وصفه بـ"الغريب".

المناخ الفوضوي الذي تعاني منه منظومة العمال في مصر يرجع بنسبة كبيرة منه إلى عدم الانتهاء من إصدار قانون التنظيمات النقابية، والذي قوبل بعاصفة من الجدل ما بين الرفض والتحفظ من قبل المهتمين بالشأن العمالي داخل مصر وخارجها.

ورغم الانتقادات العديدة للقانون الذي يتم مناقشته الآن داخل مجلس النواب تمهيدًا لتمريره قبل موعد المؤتمر السنوي لمنظمة العمل الدولية، فإن أبرز التحفظات تدور حول 6 نقاط قيل عنها إنها غير ديمقراطية ولا تتوافق مع الدستور والاتفاقيات الدولية التي وقعت عليها مصر.

المادة (14).. والتي تتطلب وجود 100 عامل داخل الشركة أو المؤسسة من أجل إنشاء لجنة نقابية، بشرط أن تكون نسبة العضوية 100%، علمًا بأن العدد المطلوب لإنشاء لجنة نقابية كما ترى لجنة الحريات بمنظمة العمل لا يتجاوز 20 عضوًا فقط.

المادة (16).. والتي تشترط لإنشاء نقابة عامة وجود عدد لا يقل عن 20 لجنة نقابية، تضم في عضويتها ثلاثين ألف عامل على الأقل، ويكون إنشاء الاتحاد النقابي العمالي من عدد لا يقل عن عشر نقابات عامة، تضم في عضويتها 300 ألف عامل على الأقل، وهو مخالف تمامًا لرأي المنظمة الدولية.

المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية المصرية: نحن في دولة استبدادية تتعامل مع الحركة العمالية والاحتجاجات بعنف مبالغ فيه

المادة (22).. والتي اشترطت أن يكون عضو النقابة مصري الجنسية، وهو ما يخالف توصيات لجنة الحريات النقابية بمنظمة العمل الدولية، علاوة على أنه يتعارض مع اتفاقية حماية جميع العمال المهاجرين وأفراد أسرهم التي صادقت عليها مصر.

المادة (26).. وتنص على انتهاء عضوية العامل بالمنظمة النقابية ببلوغ سن الستين، وهذا الحكم يجب أن يترك للوائح الداخلية للنقابة، فلكل منظمة نقابية ظروفها الخاصة.

المادة (37).. والتي تتعلق بعدم جواز الجمع بين عضوية مجلس إدارة النقابات المهنية وعضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية العمالية، وهذه المادة قد تم الحكم ببطلانها من قبل المحكمة الدستورية العليا.

المادة (41).. والخاصة بتحديد شروط من يرشح نفسه لعضوية مجلس إدارة المنظمة النقابية العمالية، إذ إن هذا الأمر بأكمله يعد شأنًا داخليًا، فتحديد الفئات التي يمتنع عليها عضوية النقابة يجب أن تترك للوائح الداخلية للمنظمة النقابية.

جدول بشأن قانون التنظيمات النقابية داخل مجلس النواب

خنق الحريات النقابية

منظمة العفو الدولية في بيان لها أول مايو الحالي أدانت وبشكل كبير الحكومة المصرية بسبب الانتهاكات ضد العمال، ملفتة إلى عشرات العمال الذين تعرضوا للفصل والمحاكمة والانتهاكات بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة.

في بيانها أشارت المنظمة إلى اتخاذ الحكومة المصرية سلسلة من الإجراءات التأديبية والجنائية للتضييق على العمال والنقابيين، فضلاً عن مساعيها لتعديل القوانين القائمة لتشديد القيود على حقوق العمال.

نجية بونعيم، مديرة الحملات في المكتب الإقليمي لمنظمة العفو الدولية في تونس، وصفت الانتهاكات التي تمارس ضد العمال في مصر بأنها نوع من التأديب تقوم به السلطات المصرية تستهدف العمال والنقابيين لمعاقبتهم وردعهم عن التجمع أو الإضراب.

مؤشر الديمقراطية عن الحراك العمالي في الفترة من 1 من مايو 2016 وحتى 30 من أبريل 2017، كشف عن 744 احتجاجًا عماليًا، بمتوسط 62 احتجاجًا شهريًا، واحتجاجين يوميًا، رغم حالة التضييق والملاحقة التي يتعرض لها العمال في مختلف الهيئات والقطاعات، الحكومية منها والخاصة.

التقرير أشار إلى أن الاحتجاجات لم تكن حكرًا على العاصمة وفقط، بل تشعبت بين محافظات ومدن وقرى الجمهورية، حيث شهدت القاهرة 151 احتجاجًا متصدرة القائمة، تلتها كفر الشيخ في المرتبة الثانية بـ68 احتجاجًا، ثم محافظة الشرقية كثالث المحافظات المحتجة برصيد 65 احتجاجًا، تلتها الغربية بـ54 احتجاجًا، ثم الإسكندرية بـ36 احتجاجًا، والدقهلية بـ33 احتجاجًا، تلتهم المنوفية بـ32 احتجاجًا والقليوبية بـ25 احتجاجًا، وشهدت محافظة الجيزة 12 احتجاجًا عماليًا خلال فترة التقرير.

الإجراءات القمعية المكثفة أثرت - وفق ما أورده التقرير - بشكل كبير في تضييق الخناق على الحراك الاحتجاجي العمالي وساهمت في تطويق الحريات النقابية بشكل ملفت للنظر، وهو ما تجسد في تراجع معدلات الاحتجاجات مقارنة بالعام الماضي والذي شهد 1117.

أما عن صور التضييق وكبت الحريات كما تطرق إليها المؤشر فتتمثل في إلقاء القبض على عدد ليس بالقليل من العمال وتقديمهم للمحاكمات بعضها عسكرية، بالإضافة إلى الاختفاء القسري لآخرين، وتعرض البعض للضرب والتنكيل، بينما واجه فريق آخر حزمة من التهديدات بالملاحقة والاعتقال حال إثارة العمال وتهييجهم ضد سياسات الدولة والحكومة.

العفو الدولية وصفت الانتهاكات التي تمارس ضد العمال في مصر بأنها نوع من التأديب تقوم به السلطات المصرية تستهدف العمال والنقابيين لمعاقبتهم وردعهم

انتقادات دولية بسبب تضييق الخناق على الاحتجاجات العمالية 

هل تدرج على القائمة السوداء؟

تساور الحكومة المخاوف من الإدراج على القائمة السوداء للحريات النقابية والتي تضم الدول الأكثر انتهاكًا في العالم وتبلغ نحو 23 دولة، وهو ما دفع وزارة العمل المصرية لدعوة وفد لجنة المعايير بمنظمة العمل الدولية لزيارتها من أجل محاولة إقناعه بالجهود التي تبذلها القاهرة في مجال الحريات النقابة والالتزام بالمعايير الدولية والاتفاقيات الموقع عليها.

القلق المصري يأتي في ظل التحذيرات التي وجهت له في المؤتمر السنوي للمنظمة العام الماضي بشأن الممثلين العمالين المشاركين في الوفد المصري، وكونهم غير منتخبين، وغير معبرين عن قطاع العمال المصري، وهو ما دفع المنظمة إلى المناشدة بضرورة الانتهاء من قانون التنظيمات النقابية وإجراء انتخابات فور الانتهاء منه، وهو ما لم يتم حتى الآن.

وزير العمل السابق كشف أن مصر أُدرجت ضمن القائمة السوداء للحريات النقابية في عهد مبارك خلال 2008 و 2010، ثم رفع اسمها من القائمة خلال فترة الإخوان وقبيل 30 من يونيو

وعلى الرغم من إشادة وفد المنظمة الدولية ببعض الخطوات التي اتخذتها الحكومة المصرية في هذا الشأن، فإن كمال أبو عيطة وزير القوى العاملة السابق، يؤكد أن المخاوف من إدراج مصر في القائمة السوداء لمنظمة العمل الدولية لا تزال قائمة حتى الآن.

أبو عيطة في تصريحات صحفية له أوضح أن هناك قائمتان سوداويتان لمنظمة العمل الدولية، الأولى: قائمة قصيرة تضم نحو 23 دولة وهي الدول التي تنتهك حقوق العمال والحريات النقابية بشك فج، الثانية: قائمة طويلة نسبيًا وتضم دولاً أقل انتهاكًا لحقوق العمال من الدول الموجودة للقائمة الطويلة.

الوزير السابق كشف أن مصر قد أُدرجت ضمن القائمة السوداء للحريات النقابية في عهد مبارك خلال 2008 و2010، ثم رفع اسمها من القائمة خلال فترة الإخوان المسلمين وقبيل 30 من يونيو، حيث شهدت العديد من الحريات النقابية وإنشاء النقابات المستقلة، ثم عادت مرة أخرى في نهاية 2013 قبل أن ترفع مرة أخرى في منتصف 2014 بعد التعهد بإجراء بعض التعديلات على قانون التنظيمات النقابية وإجراء انتخابات عمالية وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

وهكذا تظل الحريات النقابية في مصر أسيرة بين مطرقة قانون يسعى إلى تقنينها بصورة يتحول العمال من خلالها إلى ما أشبه بـ "الآلة" حيث لا مجال للحديث أو الاعتراض أو الاحتجاج، وبين سندان حكومة سخَرت كل إمكانياتها لتقليم أظافر كل من يغرد خارج السرب ومعاقبة كل من يفكر في الزود عن حقوقه.