قلق دولي من آثار انسحاب أمريكا من اتفاقية باريس للمناخ

"من أجل أداء واجبي في حماية أمريكا وشعبها، فإننا سنخرج من اتفاقية باريس".. بهذه الكلمات أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من اتفاقية باريس للمناخ الموقعة في ديسمبر 2015 معلنًا تنفيذ وعده الذي قطعه على نفسه إبان حملته الانتخابية نهاية العام الماضي.

ترامب في تبريره لهذا القرار تعهد بالخروج من أي اتفاق "لا يضع أمريكا أولا"  كاشفًا أن اتفاقية باريس " تضعف الولايات المتحدة وتعطي مزايا اقتصادية لدول أخرى تعد الأكثر إصدارا للتلوث"، ملفتًا أنها " "ظالمة لأقصى حد بالنسبة للولايات المتحدة وتعيق قدرات أمريكا الاقتصادية وكلفتها مليارات الدولارات وتزيد التكلفة على الشعب الأمريكي".

بهذا القرار تدخل الولايات المتحدة قائمة الـ 1% من بلدان العالم التي خرجت عن هذا الاتفاق، محتلة المرتبة الثالثة بعد نيكاراجوا وسوريا من أصل 197 دولة عبر العالم وقعت على هذه الاتفاقية.

قرار الرئيس الأمريكي المفاجئ قوبل بعاصفة من الانتقادات الداخلية والخارجية، فضلا عن حالة القلق والترقب لما يمكن أن يترتب عليه من آثار بيئية واقتصادية كارثية، فهل حافظ ترامب بقراره هذا على السيادة الوطنية لبلاده كما يقول؟

ماذا نعرف عن اتفاق باريس للمناخ؟

يعد اتفاق باريس أو كما يطلق عليه "كوب 21"  أول اتفاق عالمي يتعلق بالمناخ، يسعى إلى وضع حد للانبعاث الحراري بهدف حماية الأرض من الأثار المدمرة الناجمة عن زيادة معدلات الانبعاث الناجم عن الثورة الصناعية والإفراط في استخدام أدواتها دون مراعاة البعد البيئي.

البداية كانت مع وزير الخارجية الفرنسي السابق، لوران فابيوس، والذي تقدم بمشروع أمام مؤتمر الأمم المتحدة الحادي والعشرين للتغير المناخي في باريس في 2015، والذي لاقى ترحيبًا كبيرًا من جميع الدول المشاركة في المؤتمر حيث تم التصديق عليه من  قرابة 197 دولة وذلك في الثاني عشر من ديسمبر 2015.

الاتفاق يهدف إلى احتواء ارتفاع معدل درجات الحرارة لأقل من درجتين مئويتين مقارنة بما كان عليه في السابق، مع استهداف جهود الاحتواء إلى 1,5 درجة مئوية مستقبلا، وهذا يتطلب مراجعة الدول الموقعة على الاتفاق لسياساتها في خفض الانبعاث الحراري كل خمس سنوات، مع تسجيل أي تطور يمكن تحقيقه في هذا المجال.

التصدي لتحدي تغيّر المناخ مسؤولية مشتركة بين الدول بحسب ما ينص عليه الاتفاق، لكنه يتفاوت بحسب قدرات كل دولة واختلاف السياق الوطني لكل واحدة منها، كما يراعي مستوى التنمية والاحتياجات الخاصة للبلدان الأضعف، كأن يتعين على البلدان المتقدمة تيسير نقل التكنولوجيا للدول الأقل تقدمًا في هذا المجال بهدف الوصول إلى هدف واحد مشترك.

الدول الموقعة التزمت كذلك بزيادة جهودها فيما يخص التخفيف وخفض انبعاثات الغازات المسئولة عن الانبعاث الحراري، واعتماد استراتيجيات إنمائية لا تتسبب إلا في انبعاثات طفيفة في الأجل الطويل، كما أن هناك بعض القواعد القانونية الملزمة للدول الأعضاء في الاتفاق منها التزام البلدان المتقدمة بتقديم الدعم المالي للبلدان النامية من أجل تنفيذ الاتفاق.

يعد هذا الاتفاق الأول في العالم الذي يتعلق بالمناخ ويهدف إلى احتواء ارتفاع معدل درجات الحرارة لأقل من درجتين مئويتين مقارنة بما كان عليه في السابق

197دولة وقعت على الاتفاقية في ديسمبر 2015 في العاصمة الفرنسية باريس

نكسة للبيئة ولدور واشنطن

حملة انتقادت داخلية تعرض لها ترامب عقب الإعلان عن الانسحاب من اتفاق باريس، حيث استنكر الرئيس السابق باراك أوباما هذا القرار، معتبرًا إياه تهديد واضح لمستقبل الأجيال الأمريكية القادمة، حيث قال معلقًا على هذا القرار "لكن حتى في غياب القيادة الأمريكية... وحتى عندما تنضم هذه الإدارة لحفنة من الدول التي ترفض المستقبل... فإنني واثق في أن ولاياتنا ومدننا وشركاتنا ستمضي للأمام وتفعل أكثر من ذلك لتقود الطريق وتساعد في حماية الأجيال القادمة على كوكبنا الواحد".

كما وصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر القرار بأنه "أحد أسوأ التحركات السياسية التي اتخذت في القرن الحادي والعشرين بسبب الضرر الهائل لاقتصادنا وبيئتنا"، بينما علق السناتور بيرني ساندرز قائلا "في هذه اللحظة، التي يسبب فيها تغير المناخ بالفعل ضررا مدمرا حول العالم، ليس لنا الحق أخلاقيا في أن ندير ظهورنا لجهود ترمي للحفاظ على هذا الكوكب للأجيال القادمة".

أما لويد بلانكفين، الرئيس التنفيذي لمجموعة جولدمان ساكس، والتي تعد من أشهر المؤسسات المصرفية في الولايات المتحدة والعالم، فكتب على حسابه على موقع التواصل "تويتر" يقول: "قرار اليوم نكسة للبيئة والموقف الرائد".

وفي سياق متصل فقد علق رئيس بلدية بيتسبرج الأمريكية، بيل بيدوتو، على ما قاله الرئيس ترامب بشأن انسحابه من الاتفاقية والذي جاء فيه "انتخبت لتمثيل مواطني (مدينة) بيتسبرج وليس باريس"، بقوله " إن مدينتي بيتسبرج وهي منذ زمن طويل قلب صناعة الصلب في الولايات المتحدة، تبنت بالفعل اتفاقية باريس"

تشاك شومر وصف قرار ترامب بأنه أحد أسوأ التحركات السياسية التي اتخذت في القرن الحادي والعشرين

أمريكا تفقد زعامتها

"الانسحاب من اتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي، يعني نهاية زعامة أمريكا للعالم الحر".. هكذا علق فريد زكريا، المحلل السياسي ومقدم برنامج GPS على شبكة CNN  الأمريكية الذي أوضح أن "اللا مسؤولية المنوطة بهذا القرار تحبس الانفاس، لأن اتفاق باريس للمناخ في الحقيقة مرن للغاية وليس له أي قدرة أو تأثير على السيادة الأمريكية ويسمح لكل دولة بوضع خططها الخاصة."

زكريا فند مزاعم ترامب بشأن تبرير الاتفاق بقوله إن "هناك 194 دولة موقعة على هذا الاتفاق، بما فيها دول يصفها دونالد ترامب بأنها لا تلتزم بالاتفاقات، حتى الدول التي تشعر بالغيرة على سيادتها مثل الصين والهند وروسيا كلهم وقعوا على هذه الاتفاق"

وهو ما ذهبت إليه أيضًا صحيفة "نيويورك تايمز" عبر تقريرها الذي تحدثت فيه عن دلالات هذا القرار، والذي يعكس تبني ترامب  سياسة انعزالية والنأي بالولايات المتحدة عن بقية دول العالم، خاصة وأنها جاء بعد أيام قليلة من رفضه منح حلفائه في حلف شمال الأطلسي تأكيدا قويا على التزام الولايات المتحدة بأمنهم وبعد بضعة أشهر من تخليه عن صفقة تجارية هي الشراكة عبر المحيط الهادىء التي تهدف إلى وضع الولايات المتحدة في مركز مجموعة تجارية تستطيع من خلالها وقف تصاعد نمو القوى المنافسة لأمريكا اقتصاديًا.

اتهامات لترامب بتعريض زعامة أمريكا للعالم للخطر

الصحيفة أوضحت أن هذا القرار المفاجئ للرئيس الأمريكي سيصب في صالح خصومه وحلفاءه على حد سواء، لاسيما المنافسين للولايات المتحدة في قيادة وزعامة العالم، على رأسها الصين وروسيا، ومن ثم فهو بمثابة هدية على طبق من ذهب لهذه القوى المنافسة، وهو ما يعكس سير ترامب على عكس اتجاه أسلافه من الرؤساء السابقين لاسيما فيما يعتقده بعدم جدوى " القوة الناعمة"  في توجهات واشنطن الخارجية ويقصد بها الاستثمارات في التحالفات والمشاريع العالمية الأوسع نطاقا، والتي ترمي – وفق رأي ترامب -  إلى استنزاف النفوذ، وليس إضافتها إليه.

"نيويورك تايمز " تقول إن قرار ترامب هدية على طبق من ذهب للصين لريادة العالم

الاتفاقية غير قابلة للتعديل

قوبل قرار ترامب بانتقادات حادة من قبل زعماء وقادة أوروبا، ففي بيان مشترك لكل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا مريكل، ورئيس الوزراء الإيطالي باولو جينتيلوني، أشاروا فيه إلى إنهم تلقوا  -بأسف- قرار الولايات المتحدة بالخروج من اتفاقية باريس العالمية حول التغير المناخي، غير أن ذلك "لن يمنعهم من المضي فيها"، مؤكدين أن الاتفاقية "غير قابلة للتعديل وغير قابلة للتفاوض"

الزعماء الثلاث في بيانهم أوضحوا أن الاتفاق يعد أداة حيوية بالنسبة للكون وللمجتمعات ولاقتصادات العالم، مضيفين أنه سيبقى "حجز زاوية في التعاون بين البلدان، لأجل مواجهة التغير المناخي وتطبيق مخطط 2030 الذي يحمل أهداف التنمية المستدامة".

كما تناول البيان تأكيد قادة أوروبا "التزامهم التام بتنفيذ الاتفاق، ومن ذلك الأهداف المالية، وكذا تشجيع كل الشركاء على تسريع العمل لمواجهة التغير المناخي، فضلا عن الاستمرار في دعم البلدان النامية، لا سيما منها الفقيرة والأكثر احتياجا".

أما المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، فقد وصف قرار ترامب بأنه "خيبة أمل كبرى"، بينما قالت الهيئة التابعة للأمم المتحدة التي تقود مفاوضات المناخ إنه لا يمكن إعادة التفاوض بشأن الاتفاقية بناء على طلب دولة منفردة.

انتقادات أوروبية لقرار ترامب 

تهديد مستقبل العالم

من الواضح أن الرئيس الأمريكي حين أعلن العزم على الانسحاب من اتفاق باريس لم يكن يضع مستقبل الأجيال القادمة في أمريكا تحت مجهر العناية والاهتمام، وأن الدوافع التي ساقها لتبرير قراره بعيدة تمامًا عن الواقع وما يمكن أن يكون عليه المستقبل حال دخول هذا القرار حيذ التنفيذ..

صحيفة " فورين بوليسي" الأمريكية في تقرير لها بشأن هذا القرار الذي وصفته بـ "اللاعقلاني"، تطرقت إلى الحديث عن الآثار الكارثية التي تضمنتها هذه الخطوة خاصة تهديد مستقبل الشباب الأمريكي خلال السنوات القادمة.

المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة معلقًا على القرار: خيبة أمل كبرى

التقرير لفت إلى أن أمريكا هي ثاني أكبر منتج لغاز ثاني أكسيد الكربون في العالم بنسبة 14% بعد الصين التي تنتج حوالي 27% مقارنة بما تبعثه دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة والذي لا يتجاوز 10% ، ومن ثم فإن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق يحمل مخاطر قد تهدد الشعب الأمريكي في المقام الأول.

الصحيفة الأمريكية استندت في تقريرها إلى أراء العلماء والإقتصاديين بشأن العواقب المدمرة الناجمة عن الفشل في تقليل الانبعاث الحراري وتأثير ذلك على العالم أجمع بما فيه الشباب الأمريكي وأطفاله واحفاده في المستقبل.

العديد من الكوارث الطبيعية شهدتها الولايات المتحدة خلال السنوات الماضية، عواصف وفيضانات وأعاصير، وكلها نتيجة التغير الواضح في المناخ بسبب الاستهلاك المتزايد للغازات الدفيئة التي تزيد من عملية الاحتباس، وليس إعصار ساندي سوى ملمح واحد مما يمكن أن يؤل إليه العالم حال الفشل في تطويق ظاهرة الانبعاث.

تقرير يرصد تسبب واشنطن وحدها - حال انسحابها من الاتفاق- في ارتفاع درجات الحرارة بنسبة نصف درجة مئوية، إضافة إلى انبعاث 3 مليار طن إضافي من ثاني أكسيد الكربون في الهواء سنويا

وفي تقرير سابق لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) كشف أن ظاهرة الاحتباس الحراري ستخفض من إنتاج الغذاء في كثير من الدول، ما يهدد بزيادة عدد الجوعى في العالم، حيث من المتوقع أن تتسبب هذه الظاهرة في خفض نسبة الأراضي المزروعة بنسبة 11% ، كما أن 65 دولة نامية ستفقد نحو 280 مليون طن من المنتجات الغذائية الزراعية، إضافة إلى احتمالية أن يتشرد أكثر من 500 مليون فرد  معظمهم من الدول الفقيرة.

"نون بوست" في تقرير له نقلا عن "واشنطن بوست" رصدت ما يمكن أن يحدث على كوكب الأرض إذا ما انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق باريس، بحسب ما توصلت إليه وكالة "أسوشيتد برس" من نتائج عقب استشارة أكثر من 24 عالم مناخ ممن أكدوا أن عدم التزام أمريكا بما ورد في اتفاق المناخ سيعمق من تبعات معضلة الاحتباس الحراري كما سيزيدها سوءا وتعقيدا، ومن ثم سيصبح من الصعب تفادي إمكانية بلوغ درجات حرارة خطيرة على مستوى عالمي.

التقرير رصد أن واشنطن ستتسبب وحدها في ارتفاع درجات الحرارة بنسبة نصف درجة (أي 0.3 درجة مئوية) في العالم بحلول نهاية هذا القرن، كما أنه سينبعث 3 مليار طن إضافي من ثاني أكسيد الكربون في الهواء سنويا، وذلك بحلول سنة 2030، ما يؤدي إلى ذوبان الصفائح الجليدية بشكل أسرع، وارتفاع مستوى البحار، فضلا عن التسبب في تقلبات جوية أكثر عنفا.

وهكذا يواصل الرئيس الأمريكي تغريده خارج السرب العالمي منذ قدومه للبيت الأبيض، بداية باستعداء العرب والمسلمين بقرارات حظر الدخول لبلاده، تلاها موقفه من حلف الناتو والجدار مع المكسيك، مرورًا بتصريحاته الهجومية ضد بعض قادة أوروبا وصولا إلى الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، وبالرغم من الضغوط الممارسة على الرجل داخليًا كانت أو خارجيًا والتي أجبرته على إعادة النظر في العديد من توجهاته إلا أن الصدام ما بينه وبين مؤسسات الدولة السيادية يبدوا أنه لم ولن ينتهي في القريب العاجل وهو ما يضع مستقبل ترامب نفسه على المحك.