طوابير أمام مكاتب البريد لتحديث بيانات بطاقات التموين

بعد عشرة أشهر من السجال والترقب ما بين التأييد والنفي، بشأن "عدم أحقية من يتجاوز راتبه 1500 جنيه (83 دولارًا) في بطاقات التموين المدعومة"، ها هي الجريدة الرسمية المصرية في عددها (179) الصادر بتاريخ 8 من أغسطس 2017 تكشف النقاب عن هذا اللبس لتؤكد صحة  تخوفات محدودي الدخل، وكالعادة كان المبرر "مصلحة المواطن".

قرار وزارة التموين والتجارة الداخلية بشأن تنظيم قواعد استخراج البطاقات التموينية للفئات الأولى بالرعاية، أثار حالة من الجدل والصدمة في آن واحد، إذ إنه يعني أن كل من يتجاوز دخله الشهري (83 دولارًا) بات محسوبًا من شريحة ميسوري الحال ممن لا يستحقون الدعم.

ضحك كالبكاء، هكذا قوبل هذا القرار جماهيريًا، فالمواطن الذي لم يكد يفيق من صدمة ارتفاع أسعار الكهرباء والمياه وأسعار السلع والخدمات والمواصلات العامة ومن قبلها زيادة معدلات التضخم جراء قرار تعويم الجنيه، ها هو اليوم يجرد من آخر رداء دعم له، ليصبح المواطن الفقير عاريًا تمامًا من كل مقومات الحياة، وعليه أن يواجه الصعاب كافة وحده، نظرًا للظروف الصعبة التي تمر بها البلاد في هذا التوقيت، تلك الظروف التي لم يطالب بدفع نفقاتها وتكلفتها سوى الفقراء فقط.

نفي وتأكيد

منذ نوفمبر الماضي واكتظت برامج "التوك شو" بالسجال الدائر بشأن إقدام وزارة التموين على إلغاء بطاقات التموين لمن يزيد راتبه على 1500 جنيه بالنسبة لموظفي القطاع العام والخاص و1200 لأصحاب المعاشات وهو ما نفته الوزارة شكلاً وتفصيلاً حينها.

الوزارة في بياناتها الرسمية وعبر الجهات الرسمية المتحدثة باسمها أشارت إلى أن مثل هذه الأخبار تستهدف إحداث القلق والفوضى والطعن في الحكومة والنظام الحالي، ومن ثم فعلى كل وسائل الإعلام توخي الحذر حيال التعامل مع مثل هذه الأخبار.

استخراج البطاقات للفئات المذكورة بحد أقصى أربعة أفراد للأسرة، وعدم إضافة أي أفراد أخرى للبطاقة بعد الاستخراج

قبل يومين نفى وزير التموين والتجارة الداخلية محمد علي مصيلحي، تلك الأنباء التي باتت تتردد بشكل مكثف خلال الأسبوعين الماضيين، موضحًا أن الهدف من عمليات تنقية البطاقات التموينية المطلوبة "ضمان توجيه الدعم لمستحقيه وللفئات الأكثر احتياجًا والأولى بالرعاية".

وبعد أقل من يوم تقريبًا من تلك التصريحات استيقظ المصريون على خبر منشور بالجريدة الرسمية يحدد الفئات المستحقة لبطاقات التموين وكان من ضمنها "أصحاب المعاشات العاملين بالحكومة أو القطاع العام أو الخاص، بحد أقصى 1200 جنيه شهريًا، كذلك للعاملين في القطاع الحكومي والعام والخاص، بحد أقصى 1500 جنيه شهريًا".

الأمر لم يقتصر عند هذا الحد، بل وصل إلى استبعاد الطفل الثالث من أي دعم مستحق، فالأسرة وفق القرار المنشور بالجريدة الرسمية والصادر عن وزارة التموين يجب أن تتكون من أربعة أفراد وفقط، الوالدين، وطفلين فقط، أما ما يزيد على ذلك فلا رصيد له من الدعم، وذلك حسب نص القرار على أن "استخراج البطاقات للفئات المذكورة بحد أقصى أربعة أفراد للأسرة، وعدم إضافة أي أفراد أخرى للبطاقة بعد الاستخراج".

المادة الأولى من القرار المنشور بالجريدة الرسمية المصرية 8 أغسطس 2017

الوزارة آخر من يعلم

"تخيل أن الوزارة لم تعلن هذا القرار، ونشر في الجريدة الرسمية دون علم الوزارة، ووكالات الأنباء والمواقع المصرية نقلته عن الجريدة الرسمية"، هكذا علق المتحدث باسم وزارة التموين والتجارة الداخلية محمد سويد، على القرار المنشور بشأن استبعاد بعض الفئات من بطاقات التموين.

سويد في مشاركة تليفزيونية له لفت إلى أن هذا القرار كان مفاجئًا حتى للعاملين داخل الوزارة، والجميع تلقى هذا القرار عبر وسائل الإعلام والوكالات الإخبارية وهو ما أثار العديد من التساؤلات خاصة أنها ليست المرة الأولى التي يصدر قرار دون علم منسوبي الوزارة والعاملين فيها، فقد حدث قبل ذلك إبان رفع الدعم عن المحروقات حيث فوجئ الجميع بتلك الخطوة عبر الإعلام أيضًا.

الوزارة تعليقًا على هذا القرار أصدرت بيانًا أكدت فيه "أن القرار لا يتضمن استبعاد أي من المستفيدين الحاليين على بطاقة التموين، البالغ عددهم 70 مليون مواطن" مهيبة بوسائل الإعلام "عدم تداول الشائعات المغلوطة التي تروج إلى استبعاد من يزيد دخله على 1500 جنيه"، وهو ما أثار استهجان البعض ممن علقوا على ذلك بأن الوزارة حتى وإن صدقت في عدم المساس بالمنتفعين حاليًا إلا أن ذلك من المؤكد سيعاد النظر فيه مستقبلاً في إطار مراحل التنقية التي دشنتها الحكومة لتقليل عدد المستفيدين من بطاقات التموين المدعومة وصولاً إلى المرحلة الصفرية من الدعم كما سياتي ذكره.

لليوم الرابع على التوالي يدخل أكثر من 6 آلاف عامل من عمال مصانع شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة المحل الكبرى في محافظة الغربية في إضراب مفتوح وكامل عن العمل

ليست المرة الأولى

مخطط الحكومة لاستبعاد بعض الفئات من بطاقات التموين يأتي في إطار منهج النظام الحالي نحو تقليل الدعم تدريجيًا حتى رفعه بصورة كاملة بحلول 2022 استجابة لشروط صندوق النقد الدولي فيما أطلق عليه حينها "خطة الإصلاح الاقتصادي" التي قدمتها الحكومة للحصول على القرض المقدر له 12 مليار دولار على ثلاث سنوات.

وكانت لجنة العدالة الاجتماعية التي أقرتها الحكومة لتقليل الدعم التمويني عبر تنقية البطاقات والمشكلة من 4 وزارات هي "التموين والتخطيط والمالية والتضامن"، قد وضعت عدة معايير خاصة للإبقاء أو إلغاء بطاقات المواطنين، في محاولة لتقليل عدد المنتفعين منها والبالغ قرابة 71 مليون مواطن.

إلغاء بطاقات التموين لمن يزيد راتبه على 1500 جنيه بالنسبة لموظفي القطاع العام والخاص و1200 لأصحاب المعاشات

المعايير العشر التي وضعتها اللجنة تضمنت: استبعاد الأسر التي تُلحِق أبناءها بمدارس دولية، وكذلك الأسر التي تلحق أبناءها بمدارس خاصة ويتجاوز مصروفات الطالب الواحد 20 ألف جنيه سنويًا، استبعاد الأسر التي يزيد إجمالي دخلها الشهري على 10 آلاف جنيه، والأسر التي تمتلك عقارين فأكثر وأحدهما في المناطق الجديدة أو المناطق السياحية، وكذلك الأسر التي يزيد معدل استهلاكها من الكهرباء شهريًا على 650 كيلووات، كذلك استبعاد أصحاب فواتير المحمول التي تزيد على 6 آلاف جنيه مصري سنويًا، إضافة إلى من يملكون أراضي زراعية تتجاوز 10 أفدنة، كما سيتم استبعاد أصحاب السجلات التجارية التي تتجاوز مبالغ مالية كبيرة سيتم تحديدها لاحقًا كما تضمنت المعايير استبعاد أصحاب الضرائب على الشريحة الأولى من الدخل.

الخطة مقسمة إلى عدة مراحل لتنقية تلك البطاقات تستهدف حذف ما بين 5 إلى 10 مليون مواطن من قائمة المستفيدين من بطاقات التموين، مما يعني قرابة 14% من الإجمالي ككل في المرحلة الأولى فقط، هذا بخلاف المراحل التالية التي لم يتم إعلانها حتى الآن.

يأتي هذا القرار الرامي إلى استبعاد الملايين من بطاقات الدعم في الوقت الذي يعاني فيه المواطن من ارتفاع جنوني في أسعار السلع والخدمات وهو ما يزيد من وقع هذه الخطوة وتأثيرها على محدودي الدخل بصورة ربما تنقلهم من خانة محدودي الدخل إلى تحت خط الفقر.

تخوفات من زيادة معدلات الفقر بين المصريين بسبب خطة الحكومة لرفع الدعم نهائيًا في 2022 

ارتفاع الأسعار.. عرض مستمر

تعرض محدودو الدخل في مصر في الفترة الأخيرة لصدمات ارتفاع أسعار السلع والخدمات بصورة لم يسبق لها مثيل طيلة العقود الماضية، فلم تخرج سلعة ضرورية أو خدمة حيوية عن السقوط في فخ زيادة أسعارها بصورة أثقلت كاهل المواطنين ممن تحول جزء كبير منهم إلى شريحة الفقراء.

وقد ارتفعت أسعار فواتير المياه وفق شرائح جديدة أقرتها شركة المياه القابضة بنسب تتراوح ما بين 20 إلى 70 %، وفي المواصلات العامة زادت من 50 – 200%، بينما في الوقود والطاقة فكانت الزيادة الأبرز حيث وصلت في بعضها إلى 100% كما هو الحال في أسطوانة الغاز والتي ارتفعت من 15 جنيهًا إلى 30 جنيهًا مرة واحدة.

علاوة على زيادة لتر سعر البنزين(80) ليصل إلى 3.65 جنيه للتر بدلا من 235 قرشا، و5 جنيهات للتر 92 بعدما كان 350 قرشا، كما تحرك سعر السولار من 235 قرشا إلى 3.65 جنيه، بينما ارتفعت أسعار الفواتير بنسبة تتراوح ما بين 15 – 42% للاستهلاك المنزلي، وبنسبة تتراوح بين 29- 46% للاستهلاك التجاري.

القفزات الجنونية في الأسعار وما أعقبها من زيادة نسب التضخم التي وصلت بحسب الإحصائيات الرسمية إلى 32% دفعت الكثير من الشرائح المجتمعية إلى التحرك من أجل المطالبة بالحد الأدنى من حقوقهم على الأقل، في محاولة للتعاطي مع الزيادات الهائلة في السلع والخدمات، وهو ما يفسر زيادة معدلات الاحتجاجات المجتمعية في الآونة الأخيرة لاسيما قطاع العمال الذي يشهد هذه الأيام حالة من الحراك من إضرابات واعتصامات تنديدًا بعدم حصولهم على حقوقهم المشروعة من حوافز وعلاوات.

6 آلااف عامل بالمحلة في اعتصام مفتوح

لليوم الرابع على التوالي يدخل أكثر من 6 آلاف عامل من عمال مصانع شركة مصر للغزل والنسيج في مدينة المحل الكبرى بمحافظة الغربية في إضراب مفتوح وكامل عن العمل، حيث تم إيقاف جميع الماكينات مما تسبب في إحداث حالة من الشلل التام داخل الشركة.

العمال طالبوا بصرف علاواتهم وحوافزهم المتوقفة منذ فترة واشترطوا الحصول عليها لاستئناف عملهم وهو ما قوبل بتعنت من قبل مجلس إدارة الشركة، ورغم توقف العمل لليوم الرابع إلا أن أحدًا لم يستجب لمطالب العمال وبدأت عمليات الابتزاز والمساومة بالحصول على جزء من الحافز والعلاوة وهو ما رفضه العمال حتى كتابة هذه السطور، ولا زالت الضغوط تمارس عليهم لإثنائهم عن موقفهم وإعادتهم للعمل مرة أخرى.

إضراب عمال الغزل ليس الأول من نوعه هذه الأيام، ففي السابع والعشرين من يوليو الماضي هاجمت قوات الشرطة مقر اعتصام عمال مصنع "ميدكوم أسوان للأسمنت" المضربين عن العمل، احتجاجًا على وفاة 3 من أصدقائهم تفحمًا وإصابة العشرات بحروق جراء إجبار الإدارة لهم على العمل في ظروف لا تتوافر فيها شروط السلامة المهنية.

الخطة مقسمة إلى عدة مراحل لتنقية تلك البطاقات تستهدف حذف ما بين 5 إلى 10 مليون مواطن من قائمة المستفيدين من بطاقات التموين، مما يعني قرابة 14% من الإجمالي ككل في المرحلة الأولى فقط

الشرطة اعتقلت 8 من العمال المعتصمين، ووجهت لهم حزمة من التهم على رأسها تعطيل وسيلة إنتاج عمدًا واستخدام وسائل العنف والتهديد مع موظفين عموميين والتحريض على ترك العمل والامتناع عن تأدية واجبات وظيفتهم، إلا أنه تم الإفراج عنهم من قبل قاضي المعارضات بمحكمة أسوان، مما دفع 11 حزبًا وحركة سياسية ونقابة ومؤسسة مجتمع مدني، بالإضافة إلى 164 مواطنًا ومواطنة ينتمون إلى نقابات مهنية وعمالية مختلفة، إلى إعلان تضامنهم مع هؤلاء العمال، مطالبين بتبرئة ساحتهم من التهم المنسوبة إليهم.

"نون بوست" في تقرير له كشف النقاب عن الخناق الذي يمارس على الحريات النقابية في مصر، والانتهاكات التي يتعرض لها 28.9 مليون عامل بحسب إحصائيات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من قبل أرباب العمل من جانب والسلطات المصرية من جانب آخر.

التقرير السنوي لـ"مؤشر الديمقراطية" عن الحراك العمالي في الفترة من 1 من مايو 2016 وحتى 30 من أبريل 2017، كشف عن 744 احتجاجًا عماليًا، بمتوسط 62 احتجاجًا شهريًا، واحتجاجين يوميًا، رغم حالة التضييق والملاحقة التي يتعرض لها العمال في مختلف الهيئات والقطاعات، الحكومية منها والخاصة.

التقرير كشف أن الإجراءات القمعية المكثفة أثرت بشكل كبير في تضييق الخناق على الحراك الاحتجاجي العمالي وساهمت في تطويق الحريات النقابية بشكل ملفت للنظر، وهو ما تجسد في تراجع معدلات الاحتجاجات مقارنة بالعام الماضي والذي شهد 1117، وهو ما دفع منظمة العفو الدولية إلى إدانة الحكومة المصرية بسبب الانتهاكات ضد العمال، ملفتة إلى عشرات العمال الذين تعرضوا للفصل والمحاكمة والانتهاكات بسبب مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، حسبما جاء في بيانها الصادر أول مايو الماضي.

مصلحة المواطن التي لا تئن

حالة من السخرية فرضها قرار وزارة التموين الأخير على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تفاعل رواد تلك المواقع مع هذا القرار بشكل ساخر لا سيما فيما يتعلق بتبرير اتخاذه كونه يصب في مصلحة المواطن، وهي العبارة التي ترافق بيان الحكومة عقب إقرار أي زيادة في السلع أو الخدمات.

وهكذا تتسع رقعة الفقر في مصر، فرغم تجاوز عدد الفقراء حاجز الـ30 مليون مصري ممن تقل دخولهم اليومية عن حد خط الفقر العالمي والمقدر 1.9 دولار ( 36 جنيها) فإن هذا الرقم مرشح للزيادة بصورة كبيرة خلال الأيام القادمة وذلك حين يتم تطبيق مراحل تنقية بطاقات التموين، ومع قدوم عام 2022 وهو العام المتوقع فيه رفع الدعم بصورة كاملة ربما يصل عدد الفقراء إلى ما يزيد على نصف المصريين وهو ما قد يدخل المجتمع في آتون الصراعات الأهلية من أجل توفير لقمة العيش.