مع التسجيل الذي انتشر مؤخراً على مواقع الشبكة العنكبوتية، تكون المعركة الدائرة منذ أشهر في تركيا قد دخلت طوراً جديداً، بتعرض التسريبات بشكل مباشر لرئيس الوزراء اردوغان، متهمة إياه شخصياً بالضلوع في الفساد ومحاولة توزيع أموال ضخمة موجودة في بيت ابنه بلال خوفاً من ضبطها.

ورغم أن كلاماً كثيراً قيل في نقض التسجيل وتفنيد ما جاء فيه لجهة التوقيت والشكل والمضمون بما يرجح كفة فبركته وعدم صحة ما فيه، إلا أنه لا قيمة كبيرة لهذه المقاربة، فلم يكن المقصود إثبات تهمة الفساد على اردوغان (حيث لا يمكن استعمال هكذا تسجيلات كدليل في أي قضية) بل مجرد التشويش والتشويه في إطار المعركة الدائرة، والتي يستعر أوارها كلما اقتربت الانتخابات، وطالما استمرت الحكومة في حملتها ضد ما تسميه "التنظيم الموازي" في أجهزة الدولة.

لقد كان متوقعاً جداً نشر هذا النوع من التسجيلات بعد الفضيحة التي هزت أنحاء تركيا قبل أيام حين أعلن عن اكتشاف قائمة بأكثر من 7000 شخص تم التنصت عليهم لأكثر من 3 سنين، يمثلون رأس الدولة والأحزاب المختلفة والأكاديميين وممثلي المجتمع المدني وحتى الفنانين. فمن يملك سجلاً مثل هذا – وسجلات أخرى ربما - سيكون تحت يديه قطعاً المئات إن لم يكن الآلاف من هذا النوع من التسجيلات، صحيحة كانت أم ملفقة.

إن كشف حساب لما قامت به الحكومة التركية خلال الشهرين الماضيين بعد "حملة الفساد والرشاوى" التي بدأت في 17.12.2013 (يسميها اردوغان وحكومته "الانقلاب القضائي") يظهر أنها وجهت ضربات قوية لما تسميه "التنظيم الموازي" المتهمة جماعة الخدمة/كولن بالوقوف وراءه. فقد شنت الحكومة حملة شاملة منظمة، بدأت بتغيير المدعين العامين المسؤولين عن تحريك الحملة دون إذن أو علم رؤسائهم في العمل وبتجاوزات إجرائية كبيرة، واستمرت بتغيير الآلاف من رجال الأمن والشرطة، ثم سن القوانين التي تنظم عمل القضاة والمدعين العامين، ولم تنته بقانون النشر على الانترنت وقانون جهاز الاستخبارات.

كما شكلت الحملة التي شنتها وسائل الإعلام المحسوبة على جماعة كولن على الحكومة، ثم دعاؤه شخصياً على اردوغان وحكومته، إضافة لبعض المواقف المتناقضة للجماعة، كل ذلك شكل فرصة ذهبية لحكومة اردوغان وحزبه الحاكم ووسائل الإعلام الدائرة في فلكهم للتشهير بالجماعة وكشف أساليب عملها وإحراجها أمام الشعب التركي، وخاصة مريديها من الشباب.

لكن من ناحية أخرى، لا يمكن التقليل من شأن ما تعرضت له سمعة الحكومة ورئيس وزرائها من تشويه خلال الأشهر القليلة الماضية، إذ تعرضت له في أهم الملفات التي ينتخب بناءً على نجاحه فيها، وهو ملف الفساد. لقد اضطرت الحكومة للتراجع في البداية أمام وطاة الهجوم وقوة الحملة، فشمل التغيير الحكومي أربعة وزراء من المقربين من اردوغان، على رأسهم وزيرا الداخلية والاقتصاد، وبقيت الحكومة تتعرض للقصف الإعلامي منذ اليوم الأول للحملة، رغم استمرار التحقيق وعدم بدء محاكمة المتحفظ عليهم على ذمة القضايا. كما أنه لا يمكن تجاهل الضرر المعنوي الكبير الذي سببته التسجيلات المسربة لاردوغان، بغض النظر عن مدى صحتها.

وفي الطريق نحو الانتخابات البلدية في  الثلاثين من آذار/مارس القادم، وبعدها الانتخابات الرئاسية في آب/أغسطس القادم، ثم الانتخابات النيابية في أيار/مايو 2015، تبدو الأحداث معرضة للتسارع والتوتر أكثر منها للهدوء والانفراج، كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية التي ستحدد وجهة تركيا في الأعوام القليلة القادمة، وستحدد بشكل أوضح مصير كل من حزب العدالة والتنمية وجماعة الخدمة/كولن، مما يجعل الصراع صفرياً لا تراجع عنه من قبل الطرفين، ودخول المعركة الحالية في طور جديد بتطرقها لشخص اردوغان وعائلته أحد مظاهر هذا الصراع الصفري.