قصر البارون

عام 1904 رست سفينة قادمة من الهند على السواحل المصرية، حملت تلك السفينة رجلاً ترك واحدة من أهم الآثار المعمارية المهمة في مصر والشرق الأوسط، هذا الرجل هو البارون "إدوارد إمبان".

يعد إدوارد إمبان من أعيان العالم وأثريائه في الفترة ما بين نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولد ببلجيكا في 20 من سبتمبر 1852 وتوفي في يوليو1929 ، وجاب العالم بصفته مهندسًا، وساهم في تشييد الكثير من المشروعات العالمية على رأسها إنشاء خط ترام باريس الذي كان سببًا في منحه لقب "بارون". تعلق الرجل بمصر بشدة، حيث جعلها مقر إقامته ومنها يتحرك حول العالم وأوصى بأن يتم دفنه فيها حتى ولو توفي بعيدًا عنها .

ما حكاية القصر؟

كان لدى البارون رغبة في العيش بمنطقة هادئة في القاهرة، فقرر الاستقرار في إحدى المناطق الصحراوية المحيطة بها التي عُرفت بعد ذلك بمنطقة مصر الجديدة، عند البدء في إنشائها، أطلق عليها البارون اسم "هليوبوليس" أي مدينة الشمس .

القصر نفسه مبني وفقًا لما يسمى "العمارة الانتقائية" بمعنى أنه بني وفقًا لأساليب تاريخية ومعمارية متباينة لإخراج بناء فريد ومختلف، سواء استعملت هذه الأساليب في البناء الخارجي أو الداخلي أو حتى في توليفة الأثاث المستخدم في فرش المبنى .



 صورة نادرة للقصر وحوله صحراء مدينة نصر آنذاك

قصر البارون تم بناؤه وفقًا لعدة طوابع هندسية، فهو مستوحى أصلاً من طراز معبد "أنكوروات "الكمبودي، ومعبد "أوريسا" الهندوسي صممه المهندس الفرنسي ألكساندر مارسيل، ووضع الزخرفة جورج كلود .

يقع القصر على مساحة 12.5 ألف متر وتملأ شرفاته الخارجية تماثيل لبوذا وأفيال هندية، بالإضافة لكثير من الزخارف والنقوش النباتية الكثيفة والممتدة من داخله لخارجه .

مساحته الداخلية ليست بالكبيرة المعتاد عليها في القصور، فهو مكون من طابقين فقط: الطابق الأول به ثلاث غرف، اثنتين للضيوف وواحدة للعب البلياردو وصالة كبيرة، بينما الطابق الثاني به أربع غرف للنوم ولكل غرفة حمامها الخاص، وبهذا يكون إجمالي غرف القصر  7فقط، بالإضافة لبرج كبير إلى الجانب الأيسر من القصر، يتكون من أربعة طوابق، يربط فيما بينها سلّمٌ حلزوني الشكل، تتزين جوانبه الخشبية بالرخام، بالإضافة لأرضية القصر التي تتكون من الرخام والمرمر الذي تم استيراده من بلجيكا وإيطاليا.  

وللقصر سطح يقال إنه استُعمل كقاعة احتفالات يستقبل فيها البارون أصدقاءه من الوجهاء والأعيان والباشاوات، وكانت تطل على حديقة القصر ذات المساحة الشاسعة، بالإضافة لقبو كبير ضم غرف الخدم والمطابخ وجراجات السيارات وأيضًا ممر يصل القصر بكنيسة بالبازيليك التي بناها البارون وما زالت قائمة حتى اليوم .

بالإضافة لأنه ضم تماثيل من أعمال أشهر النحاتين الفرنسيين كأنتونان مرسييه وشارل كوردييه وبيير جوليان وأنطوان جارنو التي صُنع من بعضها نسخ أصلية ما زالت تُعرض حتى اليوم في اللوفر بباريس ومتاحف روما وأوروبا كلها .

بُني القصر بالكامل في أوروبا، وتم نقله قطعة قطعة بالسفن إلى مصر، وتم تركيبه في مكانه الحاليّ واستغرق بناؤه نحو 3 سنوات، منذ 1907 وحتى 1910.



صورة نادرة للقصر وقت تجميعه وبنائه

أساطير القصر

أحد أهم تلك الأساطير أن البارون قتل المهندس المعماري الذي بنى القصر، كي يتأكد من أن أحدًا لن يمتلك قصرًا مثله، وهذا ما لم يحدث أو على الأقل لم تثبته أي وثيقة رسمية، خصوصًا أن باني القصر كان مهندسًا فرنسيًا شهيرًا وقضية مقتله بهذه الطريقة مؤكد كان ليتم تسجيلها .

ما حدث فعلاً أن السلطان حسين كامل بعد أن شاهد القصر لم يقبل أن يكون قصرًا بتلك الفخامة تعود ملكيته لشخص ثري لا للسلطان، وطمع في أن يكون القصر له وطلب من البارون تملكه، لكن رفض البارون جعل السلطان ينفيه لبلجيكا، استمر بها عدة سنوات ثم عاد البارون مرة أخرى لمصر بعد استقرار الأوضاع .

الأسطورة الأخرى وهي أن شقيقة البارون انتحرت  -أو سقطت - من فوق أحد أبراج القصر، وهو ما أدى لاكتئاب ابنة البارون وحديثها مع شبح عمتها في القبو، وحديث عن تحضير البارون لروح أخته وحديثه معها .الحديث عن تلك القضية غير حقيقي، لأن البارون لم يثبت أن له شقية بهذا الاسم، ولم ينجب بناتًا قط، كان لديه ولدان وأحدهما مدفون بجواره .

"البارون كان مولودًا بداء العرج والصرع"، من الجدير بالذكر أن البارون إدوارد إبان شارك في الحرب العالمية الأولى "1914-1918" وعلى إثر ذلك نال لقب جنرال من ملك بلجيكا، فالحديث عن أن الرجل ولد أعرجًا قد يبدو غير منطقي لأن المشاركة في الحرب تتطلب جسدًا سليمًا، قد يكون أُصيب خلال الحرب في قدمه، كذلك الحديث عن أنه مصاب بالصرع، قد يمنعه هذا الأمر تمامًا من المشاركة في أي نشاط عسكري .

"القصر يدور مع اتجاه الشمس" بعض الحكايات تتحدث عن القصر الذي يدور كل ساعة مع الشمس كي لا تغيب عنه، في الحقيقة الأمر غير مؤكد، خصوصًا أن أحدًا من المتحدثين لم يره في وضعية الدوران، قد يكون سبب تلك الأسطورة أن البرج الكبير في القصر مصمم بطريقة تجعل الشمس تدخله طوال النهار وحتى غيابها .

الباحث وفيق جورج في حديثه عن قصر البارون واستعانته برسومات البناء الأصلية للقصر قال ربما يكون القصر قد بُني على قاعدة قابلة للدوران لكن الأمر غير مؤكد وربما غير صحيح .



التخطيط الهندسي للقصر

الأسطورة الأشهر والأكثر غموضًا، أسطورة الأشباح والأرواح والأصوات العالية التي تنبعث من القصر وقت الليل التي يُعزي بعضها لحوادث حدثت داخل القصر في الماضي، إلا أن قصرًا مهجورًا منذ بدايات القرن العشرين وحتى الآن من الطبيعي أن ينسج عنه الكثير من تلك الحكايات وأبرز الحوادث التي حدثت به عند اقتحامه من بعض الشباب والفتيات وممارسة  طقوس الغناء والرقص الشاذة على أنغام موسيقى البلاك ميتال، وأداء بعض الشعائر التي تتضمن ذبح الحيوانات ونثر دمائها وتلاوة ترانيم غريبة، وتم القبض عليهم في العام 1997 في قضية شهيرة عرفت بـ"قضية عبدة الشيطان".   

والآن..؟

القصر مهجور منذ ثلاثينيات القرن الماضي وكان محل نزاع بين السلطات المصرية وورثة البارون إمبان، لذلك فطوال تلك الفترة تعرض القصر فيها للنهب والتخريب وهو ما يظهر جليًا في أثاث القصر الذي اختفى ولم يتبق منه شيء سوى بارافان تمتلكه سيدة من سكان مصر الجديدة تقول إن والدها اشتراه من أحد المزادات، لكن باقي الأثاث النفيس والتابلوهات والساعة الشهيرة التي تتحدث عنها المصادر بأنها توضح الأيام والشهور والسنين وتوضح ساعات الليل والنهار بألوان مختلفة ولا يوجد نسخة مثلها إلا في قصر باكينجهام بلندن، كل ذلك اختفى .



القصر هذه الأيام

مات البارون إمبان في بلجيكا عام 1929 وتنفيذًا لوصيته دفن جسده بكنيسة البازيليك بمصر الجديدة التي يربط بينها وبين قصره سرداب ما زال موجودًا حتى اليوم، ودفن بجواره أحد أبنائه الذكور وهو جون، كما يتضح في المقطع التالي :