صورة لسائق يحمل هاتفا أثناء القيادة.

ترجمة وتحرير: نون بوست

من الممكن أن تكون هذه الحالات والمواقف مألوفة بالنسبة لك بشكل يومي: في كثير من الأحيان، تقود السيارة في طريقك المعتاد، لتكتشف فجأة أن تسلك الطريق الخطأ أو أنك لم تخفض السرعة إلى الحد الموصى به في هذه المنطقة. وبشكل مفاجئ أيضا قد تصدم شخصا بالسيارة لأن أحدكما، أو كلاكما، كان يسير وهو ينظر إلى شاشة الهاتف. وفي بعض الأحيان الأخرى، بينما تفسر أمرا ما إلى أحد الأشخاص، تنسى فجأة عما كنت تتحدث وما كنت تتفوه به؛ أو تشعر بالتعب بمجرد مباشرة قراءة أحد الكتب مع أحد الأطفال في العائلة، حتى أنك لا تستطيع أن تستمر لأكثر من عشر دقائق. ويتمثل السؤال المفصلي هنا: ما الذي حدث لقدرتنا على التركيز؟

في هذا السياق، تحدث العديد من خبراء الإنتاجية والأخصائيون النفسيون وحتى المربون، عن ظاهرة أطلقوا عليها اسم "متلازمة الانتباه الجزئي المستمر"، التي تختلف بالكامل عن اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط. وتتلخص هذه المتلازمة في إيلاء الاهتمام إلى مصادر معلومات مختلفة، في الوقت ذاته، لكن، دون التعمق في فهم وإدراك جوهر هذه المعلومات. وقد لاحظ الخبراء أن الأطفال والشباب أصبحوا يعانون جراء هذا الوضع من تنامي الصعوبات التي تحول دون الحفاظ على التركيز في خضم النشاطات اليومية التي تتطلب بذل مجهود، في حين لا تعتبر مصدر شعور بالمتعة.

"تعمل الإشعارات والرسائل النصية وغيرها على تشتيت التركيز ومقاطعة سير تنفيذ المهام، كما تضاعف من تعدد الواجبات، وتعمق الشعور بالإجهاد"

أفاد مدرب الإنتاجية الفردية، بيرتو بينا، أن "آفة فقدان الانتباه تزايدت بشكل كبير، وتنتشر على نطاق واسع بشكل لا يصدق. كما أنها تؤثر سلبا، وبشكل فعلي، على جميع مجالات الحياة". وقد توصل الأخصائي النفسي، لويس لوبيز غونزاليز، المسؤول في جامعة برشلونة عن قسم ماجستير "الاسترخاء والتأمل والوعي الذهني"، إلى الاستنتاج ذاته. وعبّر المسؤول عن قلقه تجاه "وباء التشتيت والإلهاء الرقمي"، كما تحدث عن تداعيات هذا الوباء في كتابه "تعليم الانتباه". 

ربط لوبيز التراجع الكبير على مستوى الانتباه بحقيقة أننا نعيش في مجتمع السرعة وتعدد المهام

لا يمكن الاستهانة البتة بتداعيات والتأثير السلبي لفقدان التركيز والانتباه، الأمر الذي تزايد بشكل مطرد. ويعد التشتيت والإلهاء الرقمي السبب الرئيسي وراء الحوادث في المدن، ولعل أبرز مثال على ذلك مدينة برشلونة. من جهتها، أكدت الإدارة العامة لحركة المرور في هذه المدينة أن الإلهاء الرقمي يعد المسؤول عن 25 بالمائة من الحوادث و31 بالمائة من حالات الوفيات على الطرقات الإسبانية خلال سنة 2016. كما يعتبر عدم الانتباه السبب الرئيسي وراء حالات الرسوب في المدرسة. وترتبط أيضا حوالي 45 بالمائة من حوادث العمل بعامل غياب التركيز.

"المزيد من الحوادث، وتدني جودة العمل والنتائج الدراسية، وإهدار الوقت والمال"

في هذا السياق، ربط لوبيز التراجع الكبير على مستوى الانتباه بحقيقة أننا نعيش في مجتمع السرعة وتعدد المهام، العاملان الذين يعدان "أكبر عدو للانتباه". ومن جهته، أفاد بيرتو بينا أن "القدرة على الانتباه في عصرنا الحالي باتت مهددة بشكل رئيسي بسبب التشتيت والإلهاء الرقمي". وغالبا ما يكون الشخص الذي يعاني من هذا الاضطراب المسؤول الأول عن تعرضه للإلهاء الرقمي، حيث سمح للتكنولوجيا بالتأثير عليه. في الوقت ذاته، تتدخل عوامل خارجية لتساهم في الإصابة بهذه المتلازمة، على غرار مقاطعة أطراف ثانية للمهام التي يقوم بها الشخص. ويرى الأخصائي لويس لوبيز غونزاليز أن التكنولوجيا قد ضاعفت من حجم الإلهاء والتشتيت الذي يغزو حياتنا.

وأضاف الأخصائي أنه "قبل سنوات كان التشتيت الذهني والإلهاء عن المهام مرتبطا على وجه الخصوص بالمخاوف التي تراود الفرد. كما أن هذا الإلهاء كان ذهنيا ولا يمكن التحكم فيه. أما في وقتنا الراهن، فتعمل الإشعارات، والتنبيهات، والرسائل، والمكالمات والتطبيقات... على تشتيت أفكارنا وإلهائنا عن أهدافنا ومهامنا. ونظرا لأننا استوعبنا التكنولوجيا وقمنا بتبنيها دون اكتساب عادات للتحكم في سبل استعمالها، مما جعلها دائمة الحضور في حياتنا، أصبح هذا الإلهاء والتشتت الرقمي يسيطر ويتحكم في درجة انتباهنا ووقتنا". 

يرفض بعض الأشخاص الاعتراف بأن القدرة على القيام بالعديد من المهام في آن واحد مجرد أسطورة، إلا أن علم الأعصاب أكد هذه الحقيقة

لا تعد هذه المشكلة حكرا على الأطفال، حيث تطال على جميع الأشخاص على اختلاف أعمارهم. ويعلل الخبير بيرتو بينا هذا المعطى قائلا: "يشتكي جميع الأشخاص من أنهم لا يملكون الوقت الكافي لتنفيذ جل أعمالهم، إلا أنهم نادرا ما يفكرون في أن السبب وراء ذلك يعود إلى تشتت انتباههم بشكل كبير. وغالبا ما تدنى جودة أعمال هؤلاء الأشخاص ومستوى أداء مهامهم سواء في العمل أو في الدراسة. ويفسر ذلك بأن قدرتهم على التركيز محدودة للغاية، شأنها شأن التركيز على مهمة واحدة بشكل مستمر. علاوة على ذلك، يمكن أن يمر الأشخاص في غضون ثانية من مهمة إلى مهمة أخرى، في حين أنه لا يمكنهم القيام بمهمتين معرفيتين ذاتا درجة عالية من التعقيد، في آن واحد".

في الأثناء، يرفض بعض الأشخاص الاعتراف بأن القدرة على القيام بالعديد من المهام في آن واحد مجرد أسطورة، إلا أن علم الأعصاب أكد هذه الحقيقة. وفي هذا الصدد، أشار مدير معهد العلوم العصبية في برشلونة، إيغناسيو مورغادو، إلى أن "الوعي التام أو اليقظة خلال القيام بعمل ما تعتمد على معالجة أحد المهام، ثم التفرغ لمهمة أخرى. لكن لا يمكن معالجة العديد من المهام في وقت واحد في ظل تمتعنا بوعي تام. كما يمكن التناوب على إنجاز المهام في غضون دقائق، أو ثواني أو خلال أجزاء من الثانية الواحدة. نتيجة لذلك، يؤدي تعدد المهام التي نعيرها انتباهنا إلى تعقيد عمل الدماغ، كما يضاعف ذلك من احتمال وقوع حوادث، والشعور بالإجهاد، فضلا عن ارتكاب الأخطاء في العمل". 

أكد مورغادو أن القدرة على "القيام بمهام متعددة"، أو القيام بمهمة ثم معالجة مهمة أخرى، تختلف من شخص إلى آخر، وتعتمد على درجة تدريب الدماغ على هذه الخاصية. وأورد الخبير أن "الدماغ مرن للغاية، وفي حال أجبرته على صرف انتباهه إلى مجال أو مهمة معينة، فسيعمل على إنشاء روابط بين الخلايا العصبية من أجل القيام بهذه المهمة. وعندما تعود لاحقا إلى القيام بهذا النشاط، سيستعيد الدماغ هذه المسارات العصبية التي تم إنشاؤها عن طريق التعلم والتجربة".

من جانبه، أورد لويس لوبيز أن "هذا التغيير المستمر في محور التركيز يؤدي في نهاية المطاف إلى تغذية القدرة على اليقظة والوعي التام، كما ينتج عنه شعور بالتوتر والإجهاد، الذي يعد من العوامل الأخرى المسببة لقلة الانتباه وتشتت الأفكار، الأمر الذي ينتج عنه حدوث خسائر فادحة للشركات والأشخاص على حد السواء".  وأضاف لوبيز أنه "غالبا ما يعتقد أن السرعة والإنتاجية خصائص تتولد في الوقت ذاته ومرتبطة ببعضها. لكن هذا الأمر غالبا ما يولد أفكارا مفرغة من جوهرها وتجعل عمل الدماغ مشابها لعمل آلة الغسيل. ويؤدي هذا الوضع إلى التقليص من نجاعة وفعالية المهام التي يقوم بها الشخص، ويحول دون أن يكون الفرد يقظا وحذرا على حد السواء".

يحيل وضع الهاتف على الطاولة خلال الأكل أو العمل إلى أننا نرحب بالتشتت الرقمي وعمل هذه الأجهزة على صرف انتباهنا عن مهامنا الرئيسية

بالاعتماد على مناهج عمليّة مختلفة، يتفق الخبراء، الذين تم استشارتهم في الصدد، حول ضرورة وضع حد لهذه الظاهرة عن طريق تغيير بعض العادات، والحد من الإلهاء والتشتت الرقمي والإجهاد، مما سيساعد على تحسين القدرة على الانتباه والتركيز. وأكد الخبراء على أن التأمل والانتباه الواعي وتقنيات التركيز، تساعد أيضا على تدريب الدماغ على تحسين قدراته على التركيز، تماما كما هو الحال مع أي عضلة أخرى. من جهة أخرى، أوضح الخبراء أن مقاومة الحجم الكبير من الملهيات الرقمية يتطلب أن يكون الفرد منضبطا للغاية.

في هذا الشأن، أشار بيرتو بينا إلى أنه "في السابق، كنا نستقبل الرسائل والمكالمات فقط على الهاتف. أما في الوقت الراهن، فترد على هواتفنا إشعارات، وإنذارات، ورسائل واتساب. فضلا عن ذلك، يعج الهاتف الجوال بالتطبيقات التي تجذب انتباهنا بشكل مستمر نظرا لأنها ممتعة وتمثل مصدر ترفيه في خضم الروتين اليومي، كمت تجعلنا على اتصال مع الآخرين، وهو ما نرغب به وما يجعلنا نشعر بالسعادة. بناء على ذلك، يحيل وضع الهاتف على الطاولة خلال الأكل أو العمل إلى أننا نرحب بالتشتت الرقمي وعمل هذه الأجهزة على صرف انتباهنا عن مهامنا الرئيسية".

وأردف الخبير أنه "نتيجة لهذا التشتت والإلهاء المتكرر، تحتاج الأعمال التي يجب القيام بها في غضون نصف ساعة إلى وقت أطول وقد تتواصل إلى غاية 35 أو 40 دقيقة. تبعا لذلك، يتكون لدى الأشخاص انطباع بأنهم لا يملكون الوقت الكافي للقيام بأعمالهم، فضلا عن الشعور بالإجهاد".

المصدر: لافانغوارديا الإسبانية