تركي آل الشيخ ومحمود الخطيب

دخل السوق الرياضي المصري بسرعة الصاروخ، هبط على النادي الأهلي القاهري كما يقول المصريون بـ"الباراشوت"، استطاع في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات أن يصبح الشخصية الأولى في أكبر أندية مصر وإفريقيا، متوجًا بمنصب "الرئيس الشرفي" للنادي.

تعهد في بداية منحه منصبه الشرفي الجديد أن ينقل النادي المصري نقلة أخرى، عبر لاعبين محترفين جدد ومدير فني عالمي، على حد وصفه، فضلًا عن خطته لتدشين مشروعات رياضية غير مسبوقة في تاريخ مصر الرياضي، كانت سيولته في الإنفاق بوابة الدخول إلى قلب الكثير من أعضاء مجلس إدارة النادي برئاسة المخضرم محمود الخطيب، فضلًا عن عدد من الإعلاميين والرياضيين والشخصيات العامة ممن باتوا يدورون في فلكه ويتتبعون ظله أينما حل أو ذهب.

أتت الرياح بما تشتهي سفنه، صوره الكبيرة حاصرت أسوار النادي من الخارج، وبانرات المديح والثناء سيطرت على جدران ومدرجات الداخل، أشرف على تنظيم مباراة تحت مسمى "من أجل السلام" جمعت بين الأهلي وأتلتيكو مدريد في الإسكندرية بمشاركة عدد من النجوم العرب، ثم كانت الخطوة الأكثر تأثيرًا بإعلان الخطيب تعيينه رئيسًا شرفيًا للنادي الأهلي، وذلك خلال مؤتمر "مشروع القرن" الذي تم خلاله كشف تفاصيل مشروع المجمع الرياضي الذي سيعمل على تمويله بمشاركة مصرية - إماراتية - سعودية.

لكن سرعان ما توترت الأجواء بينه وبين الخطيب، ليتعكر صفو علاقته بجمهور الأهلي والمصريين عمومًا خاصة بعد تدخلاته المتواصلة في شؤون النادي وإدارته التي أثارت حفيظة الغيورين على الاسم الكبير للقلعة الحمراء وسمعة الرياضة المصرية بصفة عامة، ليبدأ الرجل في الانقلاب على من قدموه للشارع المصري مستخدمًا في ذلك كل السبل المتاحة.

سلسلة تدوينات أطلقها تركي آل الشيخ رئيس الهيئة العامة للرياضة في السعودية والمستشار الرياضي لولي العهد محمد بن سلمان، عن علاقته بالأهلي ورئيسه، فجرت حالة من الغضب في الأوساط الرياضية المصرية من مسؤولين ومتابعين، دفعت البعض للمطالبة باستقالة الخطيب، كما طالبوا قبل يومين باستقالته هو نفسه من منصب الرئيس الشرفي للنادي، حفاظًا على كرامة المصريين.

تغريدات آل الشيخ المقرب من الصف الأول من النظام المصري وعلى رأسه الرئيس عبد الفتاح السيسي ومدير مكتبه ورئيس جهازه مخابراته العامة عباس كامل، التي حملت بين ثناياها إهانة - غير مباشرة - لأكبر أندية مصر، وتحديًا واضحًا للقائمين عليه في الرد على ما جاء في بيانيه الأول والثاني، دفعت البعض إلى الحديث عن احتمالية تجاوز الأزمة إلى ما هو أبعد من الرياضة، خاصة أن الرجل في المقام الأول مسؤول سياسي يمثل بلاده، ورأس حربة قوى محمد بن سلمان الناعمة لاختراق الرياضة المصرية.

"شوال الرز"

"قررت ألا أعود لمصر إذا لم أجد تبريرًا مقنعًا لهذه الأخطاء وللتشويه الذي حصل لي عند الجمهور الذي أصبحت في نظره شوال الرز الذي يتحكم ويعبث بالكرة المصرية"، بهذه الكلمات لخص وزير الرياضة السعودي نظرة المصريين له منذ تنصيبه رئيسًا شرفيًا للأهلي قبل خمسة أشهر.

شن تركي آل الشيخ، أمس الجمعة، حملة انتقادات حادة واتهامات لمجلس إدارة الأهلي ورئيسه، كاشفًا في بيان صادر عن مكتبه بعض الحقائق المتعلقة بعلاقته بالنادي، وأسباب اعتذاره عن رئاسته الشرفية قبل 24 ساعة من بيانه، تلك الحقائق التي أثارت حفيظة الرأي العام المصري غطت وبشكل مؤقت على جريمة تهريب 23 ألف قطعة أثار عبر حاويات دبلوماسية من ميناء الإسكندرية إلى إيطاليا، لما تتضمنه من مضامين وصفت بـ"الفضيحة".

البداية كانت مع كشف النقاب عن دعمه لترشح الخطيب لرئاسة النادي أمام محمود طاهر الرئيس السابق، وتمويله خلال حملته الانتخابية بمبلغ 6 ملايين جنيه ( 335 ألف دولار)، متحدثًا عن أن رئيس الأهلي طالبه بالتدخل في عدة صفقات لشراء وبيع لاعبين والتعاقد مع مدرب بالإضافة إلى مشروع "إستاد القرن".

رئيس هيئة الرياضة السعودي اتهم الخطيب بأنه كان يتراجع عن بعض طلباته بعد أن يقترب هو من تنفيذها أو بعد تنفيذها، لافتًا إلى أنه تعرض لحملة إعلامية شرسة مليئة بالإساءات بسبب عدم التوضيح والموقف السلبي من إدارة الأهلي.

اتصالات مكثفة تجري الآن بين أعضاء سابقين وحاليين في مجلس إدارة الأهلي وإعلاميين، إضافة إلى مسؤولين في سلطتي البلدين، وذلك في محاولة لاحتواء الأزمة في أسرع وقت

كما أعلن حجم دعمه المالي للنادي المصري الذي بلغ 260 مليون جنيه (15.2 مليون دولار) خلال 5 شهور تولى فيها الرئاسة الشرفية له، منتقدًا تعامل إدارة الأهلي معه كأنه "جهاز صراف"، وقال إنه بسبب الأخطاء والتشويه الذي حدث له أصبح في نظر جمهور الأهلي "شوال الرز".

وأكدت تدوينات آل الشيخ التدخّل السعودي المباشر في انتخابات أكبر الأندية المصرية، وإغداقه دعمًا ماليًا بقيمة 6 ملايين جنيه (نحو 335 ألف دولار) على الخطيب، فضلًا عن التأثير الإعلامي لترجيح كفته على منافسه محمود طاهر الذي كان مدعومًا من بعض أجهزة الدولة المصرية ورجال الأعمال البارزين ووسائل الإعلام الموالية لنظام عبد الفتاح السيسي.

القوى الناعمة للنفوذ السعودي

في السنوات الأخيرة، سعت الرياض إلى تعزيز نفوذها وتأثيرها على دوائر صناعة القرار في بقية العواصم العربية، ومع سيطرتها المالية على صناعة الترفيه في المنطقة، اتخذت المملكة الرياضة وسيلة لمد نفوذها، بضخ المزيد من الاستثمارات في هذا القطاع، على رأسها مصر على سبيل المثال.

لم يجد ولي العهد السعودي أفضل من صديقه المقرب آل الشيخ، للقيام بهذه المهمة، ومن ثم بدأ التحضير لفرض اسم الرجل على الشارع المصري، لينطلق بعدها في تنفيذ أولى خطوات تكليفه الجديد، متخذًا من أكبر أندية مصر بوابته نحو الوصول إلى الملايين من الجمهور المصري العاشق للفانلة الحمراء.

لم يكن اسم تركي مطروحًا على خريطة الإعلام المصري قبل الثلاثاء الـ13 من مارس/آذار، حين استقل سيارته في أول زيارة له للنادي بمقره بالجزيرة بمحافظة الجيزة، لكن الرجل وبسرعة الصاروخ وفي أقل من ساعات بات حديث الصحف والفضائيات، المصرية منها والسعودية، وذلك بعدما نجح في القيام بدور البطولة في إنهاء أزمة اللاعب عبد الله السعيد، تلك الصفقة التي أثارت الجدل في الشارع الكروي المصري طيلة الأيام الماضية بعد التنافس الشديد بين قطبي الكرة في مصر، الأهلي والزمالك، للحصول على توقيع اللاعب بعد انتهاء مدة تعاقده.

الباراشوت الذي هبط به آل الشيخ على الأهلي أثار حفيظة الكثيرين، وسرت تساؤلات عن طبيعة دوره الحقيقي وصلاحياته مقارنة برئيس النادي المنتخب محمود الخطيب الذي كشف بنفسه أن الاتصالات بينهما بدأت قبل 4 شهور من خوضه انتخابات الجمعية العمومية، وهو ما دفع البعض إلى التلميح بوجود انقسامات داخل مجلس إدارة النادي بسبب تلك الصلاحيات ولعل هذا ما دفع في نهاية الأمر إلى توتر العلاقات التي وصلت إلى النقطة الحاليّة التي بدأ فيها المسؤول السعودي فتح النار على النادي المصري وإدارته.

أنهى آل الشيخ صفقة اللاعبين عبد الله السعيد وأحمد فتحي 

اتصالات احتواء الأزمة

يقينًا تركي آل الشيخ ليس مجرد مسؤول عادي عاشقًا للنادي الأهلي فحسب كما يحاول بعض الإعلاميين المصريين اختصار الأزمة، فهو وزير سعودي يمثل دولته وينفذ أجندتها الخارجية، وأي تعامل معه لا بد أن يوضع في الحسبان أنه تعامل مع السعودية وليس شخصه فقط، ومن ثم كان امتناع الأهلي المصري عن الرد على الإهانات الصادرة بحقه أمرًا مفهومًا ومنطقيًا.

من المتوقع أن تسعى بعض الشخصيات رفيعة المستوى التي على صلة بالصف الأول من القيادة السياسية المصرية لاحتواء الأزمة، خشية أن تتجاوز إطارها الضيق إلى ما هو أبعد من ذلك بما يؤثر على العلاقة بين البلدين، لا سيما أنه - آل الشيخ - يتمتع بمكانة مرموقة من ابن سلمان، بخلاف قربه الشديد من السيسي ورجاله.

بعض المصادر تشير إلى اتصالات مكثفة تجري الآن بين أعضاء سابقين وحاليّين في مجلس إدارة الأهلي وإعلاميين كالعامري فاروق وخالد مرتجى ومحرم الراغب وأحمد شوبير وخالد أبوبكر، إضافة إلى مسؤولين في سلطتي البلدين، كاللواء عباس كامل مدير المخابرات العامة، ووزير الرياضة المصري خالد عبدالعزيز، والسفير السعودي السابق أحمد قطان، الذي بدوره عضو في الأهلي، وذلك في محاولة لاحتواء الأزمة في أسرع وقت.

مستقبل المشروع الذي كان سيديره آل الشيخ لإقامة مدينة رياضية متكاملة للنادي الأهلي، بتمويل سعودي إماراتي بات مجهولاً

الأهلي المصري وعبر موقعه الرسمي أصدر بيانًا ردًا على تصريحات الوزير السعودي لكن سرعان ما حذفه بعد دقائق معدودة من نشره، مما دفع تركي إلى الرد قائلاً: "أتمنى من مجلس إدارة النادي الأهلي أن يردوا على ما جاء في البيان الذي ذكرته سابقًا بشكل رسمي وواضح، بدلاً من صياغة بيان ركيك وتسريبه ثم العودة عنه ونفيه"، ورغم ما يحمله هذا الرد من تحد وإهانة إلا أن الأهلي امتنع عن الرد أو التعليق، وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام غير أن تجاوز الأزمة بعدها الرياضي إلى منحى سياسي آخر ربما يجيب عن الكثير من تلك التساؤلات.

السلطات في البلدين من الصعب أن تترك الأمر ليتجاوز خطوطه الحمراء المحددة سلفًا، خاصة في ظل التقارب الشديد بين قادة الدولتين في السنوات الأخيرة، ومن ثم فمن المتوقع طي صفحة هذه الأزمة خلال الساعات القادمة، غير أن تبعاتها وتداعياتها ربما تستمر لفترة طويلة نسبيًا، وهو ما يدعو للتساؤل عن مصير حقيبة الاستثمارات التي جاء بها تركي للقاهرة ضمن خطة التوغل في سوق الرياضة المصرية كأحد القوى الناعمة للنفوذ السعودي إقليميًا.

ما مصير المشروعات السعودية في مصر؟

مصير المشروع الرياضي الذي كشفه الوزير السعودي منذ قدومه مصر قبل خمسة أشهر بات التساؤل الأكثر حضورًا على موائد النقاش خلال الـ24 ساعة الأخيرة، فمستقبل المشروع الذي كان سيديره آل الشيخ لإقامة مدينة رياضية متكاملة للنادي الأهلي، بتمويل سعودي إماراتي بات مجهولاً.

المشروع الذي كان مقررًا تنفيذه يتضمن إنشاء ملعب خاص بالنادي الأهلي وفندق ملحق به ومركز تجاري وعددً من المنشآت الاستثمارية الأخرى، وكان سيُكلّف على الأقل 9 مليارات جنيه (نحو 502 مليون دولار)، وقد جرت المفاوضات بشأنه بين السفير السعودي السابق أحمد قطان، والمرشح لرئاسة النادي آنذاك محمود الخطيب، وكان الطرف الثالث ممثلاً عن الدولة المصرية وهو اللواء عباس كامل وبعض قيادات الهيئة الهندسية للجيش، وتم الاتفاق مبدئيًا على أن تضع شركة "صلة" السعودية للاستثمار والتسويق الرياضي التي تربطها بالأهلي عدة اتفاقيات رعاية حاليًّا، مخططًا لمشروع المدينة الرياضية، يكون منفصلًا عن مشروع الفرع الجديد للنادي في القاهرة الجديدة.

تركي آل الشيخ: قررت ألا أعود لمصر إذا لم أجد تبريرًا مقنعًا لهذه الأخطاء وللتشويه الذي حصل لي عند الجمهور الذي أصبحت في نظره شوال الرز الذي يتحكم ويعبث بالكرة المصرية

هذا بخلاف الشبكة التليفزيونية الجديدة التي كان من المقرر أن تمولها السعودية قبل نهاية العام الحاليّ وستكون الأولوية فيها للمحتوى المصري الموجه للمصريين، في ظل تنسيق عالي المستوى بين الدائرة الخاصة للسيسي والمستشارين الإعلاميين لابن سلمان.

مصير هذه المشروعات وغيرها التي كان يتولى التفاوض عليها رئيس هيئة الرياضة السعودية بات غامضًا، خاصة بعد تلويحه بعدم العودة إلى القاهرة مرة أخرى قبل توضيح دوافع تشويه صورته عند الجمهور المصري، وهي الصورة التي من المتوقع أن تستمر لفترة طويلة خاصة بعد فتح الرجل النار عن النادي الأكثر جماهيرية في مصر وإفريقيا.

غضب شعبي

أثارت تصريحات مستشار ابن سلمان موجة من الجدل الحاد بشأن علاقته بالأهلي، وخرجت آلاف التعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي بين منتقد لإدارة النادي على رأسها الخطيب من جهة، ومنتقد لتركي آل الشيخ من جانب آخر، حيث وصف الكثير من المعلقين ما حدث بأنه "فضيحة" لإدارة النادي الأكبر في مصر.

فيما دافع رجال أعمال مصريين عن موقف الوزير السعودي، على رأسهم رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، أحد أبرز داعمي النادي الأهلي، الذي طالب باستقالة الخطيب، قائلاً: "الحقيقة أن الذي يجب أن يعتذر عن رئاسة الأهلي ويستقيل هو الخطيب مش تركي الشيخ... بهدلنا!".

https://twitter.com/RashaPress/status/1000010630777200645

https://twitter.com/NaguibSawiris/status/999964480607006721

https://twitter.com/hadyelmedany/status/1000001207216361476