باب جهنم أو حفرة الجحيم هي تسمية تُطلق على حفرة مشتعلة لم تخمد نيرانها منذ عام ١٩٧١ في قرية تُدعى "ديرويز"

تاريخ طويل من العنف ورؤساء غريبو الأطوار إنها الدول المناسبة لمحبي السياحة السوداء بالطبع!

كازاخستان وأوزباكستان وأفغانستان وتركمانستان، والعديد من الدول التي تقع تحت تصنيف دول "الستان"، حضارات مجهولة لا نعلم عنها شيئًا، وما نعلمه لا يبدو جيدًا، لهذا تلك الدول تُمثل واجهة محببة لمحبي المخاطر والمغامرات، لماذا؟ لا نعرف حقًا، ولكن هناك مدمني أدرينالين لا يستطيعون عيش حياة طبيعية دون الزج بأنفسهم في أعماق الخطر حتى لو كان هذا الخطر تلوثًا إشعاعيًا أو موقعًا حربيًا، أو حتى مزارًا له تاريخ بائس يشفي نزعة سادية بداخلهم، دعونا إذًا مع إحدى دول الستان الغامضة.

كازاخستان.. ماضٍ نووي مُخيف

كثير منا يعتقد أن التلوث الإشعاعي محدود في مناطق معينة في العالم، وبخاصة في الدول التي تعتمد على المفاعلات النووية في إنتاج الطاقة مثل اليابان، إلا أنه وعلى عكس ذلك، فإن التلوث الإشعاعي موجود في عدد كبير من المناطق حول العالم، سواء كانت مناطق تُصنع أسلحة نووية أم مناطق تُلقى فيها النفايات المشعة.

إحدى هذه المناطق هي "البوليجون" التي كانت أحد مواقع التجارب النووية التي جرت بسرية تامة في كازاخستان في أثناء الحرب الباردة.

رغم توقف التجارب النووية منذ فترة طويلة في منطقة البوليجون وإغلاق موقع التجارب النووية رسميًّا عام 1991، فإن السكان المحليين لا يزالون يعانون من تأثيرات خطيرة إثر تعرضهم للإشعاع على المدى الطويل

456 هو رقم يمثل عدد القنابل النووية التي فجرها الاتحاد السوفييتي هناك على مدار أربعين سنة، وبسبب وضع تلك المنطقة وشبه خلوها من السكان أصبحت مكانًا لإجراء الاتحاد السوفييتي تجاربه النووية بعد الحرب العالمية الثانية، لتكون أول مركز للتجارب النووية للاتحاد السوفييتي.

رغم توقف تلك التجارب النووية منذ فترة طويلة في منطقة البوليجون، وإغلاق موقع التجارب النووية رسميًّا عام 1991، فإن السكان المحليين لا يزالون يعانون من تأثيرات خطيرة إثر تعرضهم للإشعاع على المدى الطويل، كذلك هناك عدد كبير من الأطفال ولدوا بتشوهات خلقية وجسدية وفقدوا أهلهم، جيل جديد رضيع يعاني دون سبب، أتوا للحياة كي يعيشوا فيها معذبين ومشوهين، وفي وسط كل الحزن يُفتح الموقع من جديد، ولكن ليس من أجل المزيد من التجارب، بل من أجل الرحلات السياحية لأحد أخطر المناطق المشعة على وجه الأرض!

يرتدي السائحون الملابس الواقية من أجل تجنب استنشاق أي هواء قد يكون محملاً بأتربة تتسبب في سرطان الرئة، ورغم أن المرشدين السياحيين يقولون إن الأمر آمن، فإن أجهزة قياس الإشعاع تُعلن عكس ذلك تمامًا!

المساحات الخضراء حولك ستُجبرك على التفكير بألف طريقة، فرغم وقوع العديد من الكوارث في تلك المنطقة فإن الحياة تجد طريقها بشكل أو بآخر، حتى لو كانت حياة سامة ومشعة، لكن ليس التنزه في حقول البوليجون المشعة وسيلة الترفيه الوحيدة، فهناك أيضًا "بحيرة تشاجان الذرية"!

دعوني أعود بكم قليلًا للوراء، خصوصًا أيام الحرب الباردة، عندما بدأ السوفييت في تفجير الأسلحة النووية بجميع أنحاء شمال شرق كازاخستان، في محاولة بائسة منهم لنسخ كل ما تقوم به الولايات المتحدة، وكان هدف تلك التفجيرات استكشاف إمكانية استخدام الطاقة النووية لأغراض البناء السلمية مثل تحريك الأرض وإنشاء قنوات وخزانات والتنقيب عن النفط وما إلى ذلك.

المثير للسخرية حقًا أن تلك الاختبارات أُجريت تحت شعار "التفجيرات النووية للاقتصاد الوطني"، مجرد نسخة سوفييتية من برنامج يُدعى "مشروع بلوشير" وهو برنامج ابتكرته الولايات المتحدة الأمريكية من أجل السبب ذاته!

ورغم أسبقية استخدام الولايات المتحدة لتلك الفكرة، فإنها أدركت بعد 27 اختبارًا نوويًّا أنها فكرة سيئة وأنهت برنامجها عام 1977؛ بينما استمر منافسها السوفييتي في إجراء تجاربه حتى عام 1989، بعدما أجرى 156 تجربة نووية في كازاخستان!

أحد هذه الاختبارات كان اختبار يناير 1965 في "تشاجان" Chagan، وكان من أجل إنشاء خزانات مياه من أجل المناطق القاحلة.

المؤسف أكثر أن تجد سائحين يذهبون إليها للسباحة وصيد الأسماك وأكلها، رغم الخطر العارم الذي يحيط بكل هذا

وقد نشأ عن تلك التجربة بحيرة تشاجان الذرية، وهي أحد الأماكن المذهلة في كازاخستان، لكن الأمر مؤسف للغاية أن تعرف أن تلك البحيرة الجميلة ليست ناتجة عن الطبيعة أو أي عوالم مناخية أو جغرافية، بل هي مسخ صنعته الانفجارات النووية.

والمؤسف أكثر أن تجد سائحين يذهبون إليها للسباحة وصيد الأسماك وأكلها، رغم الخطر العارم الذي يحيط بكل هذا، فهم لا يغامرون بخطر الموت اللحظي، بل يغامرون بمعاناة طويلة مع أنواع عديدة من السرطان التي قد تصيبهم مع الوقت بسبب تعرضهم لذلك الكم الكبير من الإشعاع، لكنهم لا يهتمون، فتدفق الأدرينالين في دمائهم يفوق حياتهم ثمنًا!

هل تفاجأت بما فيه الكفاية حتى الآن؟ دعني أخبرك بالمزيد.

"بايكونور" مدينة سرية، لم يسمع أحد عنها أي شيئًا حتى سقط الاتحاد السوفييتي، تلك المدينة لم تفتح أبوابها لأحد قط، لكنها فجأة قررت فعل ذلك، وما المقابل؟ بالطبع مبلغ خزعبلي من المال!

"بايكونور" ميناء فضائي يتحكم فيه الروس حتى الآن، يستطيع بعض الأغنياء الذهاب إلى هناك لرؤية صاروخ ما ينطلق نحو الفضاء، مغامرين بحياتهم بالطبع، بالوقوف على مقربة من ذلك الصاروخ العتيق الذي قد ينفجر في أي لحظة ويفنيهم، لكن هذا لا يهم، طالما يملكون ما يكفي من المال ليأخذوا صورة تذكارية مع الصاروخ المنطلق! الأمر أقل حدة في بعض الدول الأخرى.

أوزباكستان.. ماذا ينتظر السائح المظلم هناك؟

"منارة كاليان" في بخارى إحدى أهم وجهات السياحة السوداء، إنها ليست مجرد مكان لرفع الأذان، بل كانت تعبر عن قوة السلطة الروحية التي امتازت بها مدينة بخارى في ذلك الوقت.

توجد المئذنة على طريق الحرير في قلب بخارى القديمة، وهي عبارة عن برج أسطواني الشكل بارتفاع 45 مترًا، ترتفع قاعدته حتى 9 أمتار، ويرتفع برجه الأعلى 6 أمتار عند القمة، يمكن الصعود إلى السطح عن طريق سلم مكون من 104 درجات يقود إلى الأعلى.

ذلك البرج المزخرف الجميل يُسمى "برج الموت"، كان يحكم على المجرمين تسلقه ثم يُلقون من قمته، وقد شهدت تلك المنطقة الكثير من الإعدامات، لذلك لا عجب أن تكون أحد المزارات المهمة لمحبي السياحة السوداء! لكن أوزباكستان ليست الواجهة الأخيرة في سلسلة دول الستان.

تركمانستان.. كوريا شمالية حديثة

في تركمانستان أنت على الأرجح غير مرحب بك إذا كنت أجنبي، فهي تغلق بابها أمام العالم كله، قد يُفتح الباب أمامك لزيارة العاصمة "عشق إباد" التي تبدو كمدينة صامتة، يغطيها رخام أبيض من كل جانب، لهذا استحقت لقب "مدينة الموتى".

أن تكون العاصمة فارغة هكذا يجعلك تُدرك أن هناك شيئًا خاطئًا.. أنت غير مرحب بك على كل حال، شعور عارم بعدم الارتياح يتملكك، قد تكون الحكومة تتجسس عليك بأي شكل من الأشكال.

غير مسموح لك أن تصور المواطنين المحليين ولا تستطيع انتقاد أي شيء، كما أنك على الأرجح لن تكون قادرًا على مغادرة المدينة لأسباب أمنية، ومن هنا تبدأ المغامرة، محاولة التسلل، لكن لا تمني نفسك بزيارة غيرها من المدن، إلا إذا استطعت التسلل بشكل ما لعيش مغامرات فيها! لكنك ستغامر بخطر القبض عليك، على كل حال يكفي دخولك إلى تلك العاصمة التي ستجعلك تشعر وكأنك غير قادر على الخروج منها للأبد، وتلك المغامرة قادرة على تجفيف الدماء بعروقك.

نتجت "باب جهنم" الحفرة المشتعلة بسبب سقوط حفارة غاز طبيعي في أثناء عملها في المنطقة بعهد الاتحاد السوفييتي عام 1971، وقتها قرر العلماء إشعال النيران بها كي يمنعوا تسرب غاز الميثان، وتوقعوا أن ينفذ الغاز خلال عدة أيام، لكن تلك الحفرة لا تزال مشتعلة حتى الآن!

ينجح البعض في مغادرة "عشق آباد" متوجهين ناحية مغامرة جديدة خارج أسوارها الرخامية وتكون واجهتهم "باب جهنم"، باب جهنم أو حفرة الجحيم هي تسمية تُطلق على حفرة مشتعلة لم تخمد نيرانها منذ عام 1971 في قرية تُدعى "ديرويز".

يبلغ طول الحفرة 70 مترًا، وعرضها 60 مترًا، وعمقها نحو 20 مترًا، وقد نتجت تلك الحفرة المشتعلة بسبب سقوط حفارة غاز طبيعي في أثناء عملها في المنطقة بعهد الاتحاد السوفييتي عام 1971، وقتها قرر العلماء إشعال النيران بها كي يمنعوا تسرب غاز الميثان، وتوقعوا أن ينفذ الغاز خلال عدة أيام؛ لكن تلك الحفرة ما زالت مشتعلة حتى الآن!

ينجح السائحون عادة  في زيارة "باب جهنم"، وينتهي بهم المطاف في محاولة منهم لاستخدام أدوات مطبخ بأذرع طويلة كي يستطيعون قلي بعض البيض على نار تلك الحفرة وتناول عشائهم!

والآن أخبرني بعد كل تلك المزارات المخيفة.. هل ترغب بزيارة أحدها؟