مصر تبكي شبابها والسيسي يواصل الصعود على جثث الأبرياء، ذاك الملخص الحزين والسيناريو القاسي المتكرر منذ الـ3 من يوليو 2013، اليوم المشؤوم في تاريخ مصر العظيمة، حين صعد جنرال الدم عبد الفتاح السيسي إلى سدة الحكم في مصر قبل أن يصبح فعلاً رئيسًا للبلاد في انتخابات 2014.

منذ ذلك اليوم دخلت مصر في دوامة من الدم لم تعهده في تاريخها، وشهدت أشد المجازر قساوة وفظاعة ونصبت مشانق الإعدام لثوارها الذين كانوا يحلمون بتغيير الواقع وإعادة المجد المصري المسلوب، وليس آخرهم الـ9 الذين ارتقوا أمس إلى عدالة السماء التي ستقتص لهم لا محالة بتهمة هم منها براء، هي قضية اغتيال النائب هشام بركات.

سيتحول الشباب الذين أُعدموا بدم بارد إلى مجرد ذكرى ولن يأبه السيسي بل سيواصل، فقد أصبح نظامه يعيش بالدم وعلى الدم ولن يستطيع العيش دونه

نعم إنه يوم حزين جدًا ومشهد مؤلم جدًا وشباب بلا ذنب يدفع ثمن جنون جنرال يعشق الحكم والتفرد به، والجميع سيبكيهم على المواقع الافتراضية أيامًا ثم يصبحون ماضيًا مؤرقًا كحال السابقين وستبقى مصر جريحة تبحث عن طبيب يخلصها من الجنرال الذي حولها إلى جحيم يأكل أبناءها.

نعم سيبكونهم كما بكوا في كل الميادين ونددوا وشجبوا وسيعودون للخلاف والاختلاف بشأن شرعية مرسي وأخطاء الإخوان وحقد التيار المدني على نظيره الإسلامي، وكل يجرم الآخر ويخونه ويواصل السيسي حرق الثوار مستفيدًا من خلافاتهم الكبيرة جدًا.

نعم سيتحول الشباب الذين أُعدموا بدم بارد إلى مجرد ذكرى ولن يأبه السيسي بل سيواصل، فقد أصبح نظامه يعيش بالدم وعلى الدم ولن يستطيع العيش دونه، كحال كل الأنظمة الفاشية أسوة بنظيرتها النازية واقتداء بكل الديكتاتوريات.

خصوم السيسي تغيب عنهم الحنكة السياسية وتغلب عليهم المصلحة الفردية والخلافات الإيديلوجية وهم أشبه بقصة الثيران مع الأسد وهي قصة اعتاد العرب أن تضربها في مثل هذه الحالات كناية عن غياب النظرة الجماعية والوحدة في مواجهة العدو

السيسي ليس غبيًا كما يحاول خصومه تصويره، إنه رجل أمني بامتياز يعرف كيف يتحرك ويضرب ومتى يجب أن يضرب خصومه ومتى عليه أن يتوقف، ويحظى بدعم قوى العالم ويلعب مع جميع الأطراف وخاصة الحركة الصهيونية ممثلة في اللوبي الأمريكي والإسرائيلي وهي حركة فائقة الذكاء والدموية وتقوم على مبدأ فرق تسد.

أما خصومه فتغيب عنهم الحنكة السياسية وتغلب عليهم المصلحة الفردية والخلافات الإيديلوجية وهم أشبه بقصة الثيران مع الأسد وهي قصة اعتاد العرب أن تضربها في مثل هذه الحالات كناية عن غياب النظرة الجماعية والوحدة في مواجهة العدو وعدم الاعتبار بمصائر الغير.

القصة تحكي عن ثلاثة ثيران: ثور أسود وأحمر وآخر أبيض وأسد استطاع جرهم واحد تلو الآخر ليأكلهم في الأخير جميعًا، ففي البداية ذهب الأسد إلى الثورين الأحمر والأسود وأبلغهما أنهما لم يعودا خصمين بالنسبة له لأن مشكلته مع الأبيض وهما خارج الحرب، اقتنع الثوران بحديث الأسد وتركا الثور الأبيض يلقى مصيره دون أن يدافعا عنه.

وفي الليلة الموالية أقنع الأسد الثور الأحمر بأنه ليس خصمًا له وأن مشكلته مع الثور الأسود ليسلم الثور الأحمر الأسود ويلقى نفس مصير الأبيض، وفي الأخير بقي الثور الأحمر وحيدًا أمام الأسد يردد المقولة الشهيرة: أكلت يوم أكل الثور الأبيض.

الجميع مسؤول بلا استثناء أمام الله والتاريخ والوطن من أجل إيقاف نزيف دم الأبرياء

ما أشبه الأطراف الثورية المصرية بتلك الثيران المختلفة الألوان! وما أشبه السيسي بذالك الأسد الذي خدعها جميعًا!

الآن جاء وقت التوحد والمصالحة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الثورة والثوار ومن الضحايا القادمين لا محالة بيد السيسي الذي عشق الدم عشقه للكرسي، والجميع مسؤول بلا استثناء أمام الله والتاريخ والوطن من أجل إيقاف نزيف دم الأبرياء، لقد نزفت مصر كثيرًا طوال ثمانية أعوام وآن لها أن تضمد جراحها.

وكل الاحتمالات في الأخير واردة، وتلك فرنسا وثورتها شاهدة على عودتها بعدما قال الجميع إنها غرقت في بحور الطغاة والجلادين، ثم رأت فرنسا النور بعدما توحد أبناءها ضد القتلة المارقين وذلك من تاريخ الثورة الفرنسية المجيدة، فماذا عن تاريخ مصر العظيمة؟ وأي سيناريو سيكتب لثورتها وثوارها؟

وفي الأخير تبقى الشعوب صاحبة الكلمة الأخيرة الفاصلة وفي كتب التاريخ لعبرة وما يذكر أولو الألباب، وقد قيل قديمًا: يضحك كثيرًا من يضحك أخيرًا ويبكي كثيرًا من يبكي في الأخير.