سلط رد الفعل الإيراني الأخير على العملية العسكرية التركية ضد قوات سوريا الديمقراطية في شرق نهر الفرات، الضوء على حالة من التعقيد السياسي والأمني في الملف السوري، ورغم أن الطرفين أظهرا حالة جيدة من العلاقات السياسية، خصوصًا في الملف الكردي شمال العراق عام 2017، أو على مستوى المحادثات السياسية في سوتشي عبر مسارات أستانة، يمكن القول إن هناك إشكالية كبيرة تتعلق برؤيتهما لطبيعة الصراع المسلح في شمال شرق سوريا.

ومن المثير للدهشة أن إيران تنظر للعمليات العسكرية الجارية حاليًّا في مناطق رأس العين وتل أبيض، إلى أنها مصدر تهديد لوجودها على الحدود العراقية السورية، وبمجرد عبور القوات التركية الحدود إلى عمق 30 كيلومترًا من داخل الحدود السورية، ستكون إيران أمام حقائق جغرافية جديدة، تم سحب عدد كبير من القطعات العسكرية التابعة للحشد الشعبي من داخل مدينة الموصل إلى أطرافها، خصوصًا أنها بذلت جهودًا كبيرة لتأمين وجودها الجغرافي انطلاقًا من دير الزور حتى البحر الأبيض المتوسط.

وفى سوريا، ورغم أن إيران حققت بالفعل أبسط حاجاتها الأساسية، وذلك بالحفاظ على بقاء نظام بشار الأسد حتى الآن، فإنها ترى في هذه العمليات العسكرية التركية تحوطًا إستراتيجيًا قد يعيد التوازنات الإستراتيجية في مناطق الشمال السوري إلى المربع الأول، ومن ثم فإن إيران ستكون مجبرة على التعاطي مع الواقع الذي قد تفرزه العمليات العسكرية التركية، وتحديدًا في مناطق حلب وإدلب وغيرها، من شأنه أن يعرض أمن نظام الأسد للخطر.

حاولت إيران الضغط على روسيا لمنع تركيا من القيام بالعملية العسكرية، فالمشكلة بالنسبة لإيران أنها ليس لها أي تأثير على تركيا عندما يتعلق الأمر بمناطق شرق نهر الفرات

وتتخوف إيران من أن يؤدي قيام قوات سوريا الديمقراطية بسحب أغلب قواتها الموجودة في مناطق شرق نهر الفرات والدفع بهم إلى منبج، وهو ما قد يعرض مليشياتها المسلحة الموجودة في حلب ومحيط مدينة إدلب للخطر، إلى إعطاء قوة دفع لقوات الجيش الوطني "الحر"، وهامش مناورة إستراتيجية أمام خط التطويق الإستراتيجي الذي تعمد إليه قوات النظام السوري بالتعاون مع الروس.

ولهذه الأسباب جميعًا، حاولت إيران الضغط على روسيا لمنع تركيا من القيام بالعملية العسكرية، فالمشكلة بالنسبة لإيران أنها ليس لها أي تأثير على تركيا عندما يتعلق الأمر بمناطق شرق نهر الفرات، حيث لا يوجد جنود إيرانيون متمركزون، كما أن قواعدها العسكرية كقاعدة أو مجمع الإمام علي تعرضت لهجمات شرسة من الطيران الإسرائيلي خلال الفترة الماضية، ما أفقدها الكثير من أوراق لعبها تجاه تركيا.

يبدو أن إيران بدأت تخشى من إمكانية خروجها من الحسابات السياسية في سوريا خلال المرحلة القادمة، كما أن حاجتها إلى أن يبقى نظام الأسد على قيد الحياة، يعني أنها لا تزال تعتمد على الدعم الروسي لنظام الأسد، ومن ثم يجب أن تتماشى إيران مع قرار روسيا بعدم مقاومة تحرك تركيا في مناطق شرق نهر الفرات، وذلك على الرغم من عدم ارتياح طهران الكبير لهذا الوضع الجديد.

يبدو أن السبب الإستراتيجي الوحيد الذي يدفع إيران إلى قبول العمليات العسكرية التركية الحاليّة، أنها إحدى مداخيل تحجيم الطموحات الكردية الاستقلالية في سوريا

ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي يمكن أن تتفق عليه إيران وتركيا، عدم رضاهما عن السياسة الأمريكية العسكرية في سوريا، وحتى في ظل الاختلافات الإستراتيجية بينهما، ظلت أنقرة وطهران ثابتتين في انتقادهما للولايات المتحدة، حيث ترى تركيا أن استمرار دعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديمقراطية، بمثابة دعم للانفصاليين الأكراد في الداخل، كما تنظر إيران إلى الوجود الأمريكي على الأرض في سوريا، إلى إنه يشكل تهديدًا خطيرًا لمصالحها، ليس فقط في سوريا ولكن أيضًا في المنطقة بأسرها.

وقد يبدو أن السبب الإستراتيجي الوحيد الذي يدفع إيران إلى قبول العمليات العسكرية التركية الحاليّة، أنها إحدى مداخيل تحجيم الطموحات الكردية الاستقلالية في سوريا، بعد تطويقها في العراق عام 2017، بالإضافة إلى أن تركيا قد تكون مجبرة بالنهاية على تسليم هذه المناطق إلى نظام بشار الأسد، على اعتبار أن تركيا أعلنت مرارًا أنها ليست قوة احتلال، وهي تعمل من أجل حماية وحدة الأراضي السورية، ومن ثم قد تكون نتائج هذه العمليات في بعض جوانبها، هدية لحليف إيران نظام الأسد، باعتبار أنه سيكسب مناطق خارج سيطرته مستقبلًا دون قتال.

وبالإضافة إلى الوجود الأمريكي على الأرض، تدرك إيران جيدًا حجم التحديات الكبيرة التي تعيشها في سوريا والمتمثلة بتنظيم "داعش" والوجود الأمريكي والجيش الحر والعمليات العسكرية التركية وبوادر دور سعودي جديد، مضافًا إليها التحرك الإسرائيلي العملي مؤخرًا ضد قوات ومنشآت تابعة لنظام الأسد.

فكلها أمور تخشى منها إيران كثيرًا، وتشير بوضوح إلى إمكانية إقصائها من أي استحقاقات مستقبلية في سوريا، وبالتالي ستعمل بكل ما في وسعها لحفظ وجودها السياسي والعسكري، فالصراع في سوريا بالنسبة لإيران هو صراع مصيري، والهزيمة فيه هي هزيمة تاريخية للمشروع الإيراني في المنطقة.