تمتد العلاقة بين الشعوب العربية والأتراك وتركيا إلى فترة الحكم العثماني، ولم تتوقف هذه العلاقة إلا لفترات قصيرة لأسباب سياسية غالبًا ما فتئت الروابط الثقافية والدينية تعيد إحيائها بطرق كثيرة. وخلال العقد الأخير عادت هذه الروابط بالبروز إلى الواجهة من جديد نتيجة حملات اللجوء المتتالية ورغبة الكثير من الشباب العربي باستكمال تعليمهم في المدارس والجامعات التركية.

وقد انتقلت هذه الرغبة بدورها إلى الشباب الأتراك الذين باتوا يرون في تعلم اللغة العربية الكثير من الفرص والكفاءات التي سيمكنهم الوصول إليها عبر لغة العرب. من بينها بالطبع ما كانت الاتفاقات السياسية والاقتصادية سببًا لها. إلى جانب الثقافة الدينية الإسلامية التي يسعى الكثير من الأتراك المتدينين إلى الاقتراب منها عبر دراستها من أهل العربية وهو ما يُرى واضحًا في تزايد الطلاب الأتراك في السعودية والأزهر في مصر. 

العلاقات الثقافية بين تركيا والوطن العربي 

أتت العلاقة الثقافية التي تربط تركيا بالوطن العربي بالكثير من الفائدة على صعيد الفن والدراسات الإسلامية والتبادل الطلابي الذي تتزايد نسبته يومًا بعد يوم سواء كان في داخل تركيا أو خارجها إذ سعت الحكومة التركية مؤخرًا بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم إلى افتتاح تخصصات باللغة العربية في الكثير من الجامعات المختلفة تتضمن تخصصات العلوم الإسلامية، الاقتصاد والتمويل الإسلامي، العلاقات الدولية، واللغة العربية. 

إذ يوجد في اسطنبول الآن ما يقارب 8 جامعات من بين 57 جامعة تدرس موادًا تتعلق بالشريعة الإسلامية باللغة العربية حصرًا ما عدا الجامعات التي تعتبر اللغة العربية تخصصًا منفصلًا كباقي اللغات والتي يصل عددها إلى 12 جامعة. الأمر الذي شكّل فرصًة كبيرة للكثير من الطلاب الأتراك الراغبين بتعلم اللغة العربية وبالأخص المتخرجين من ثانويات الشريعة الإسلامية المعروفة باسم "إمام خطيب". وحسب الموقع الرسمي لوالي مدينة إسطنبول فإن الجامعات التركية تسعى حاليًا إلى توفير فرص التبادل الطلابي مع الدول العربية في إطار إطلاع الطلاب على الفرص المتوافرة لديهم من عمل ودراسة.

فيما تتوفر الكثير من ورشات تعلم اللغة العربية، ودورات مراجعة كتب الأدب العربي التي يقيمها المهتمون من الطلبة والأساتذة الأتراك، بالإضافة إلى تنظيم رحلات إلى المطاعم والمؤسسات والمكتبات العربية وهو ما ساعد عليه الانتشار الكبير الحاصل للعرب في تركيا وبالأخص مدينة إسطنبول، إذ باتت الكتب العربية أكثر توافرًا إلى جانب وجود أساتذة عرب، سوريين ومصريين مختصين بتدريس اللغة العربية والتي يرغب الطلاب الأتراك بصداقتهم لتقوية لغتهم العربية.

الطلاب الأتراك في الدول العربية

تقول نوراي أولكان، وهي واحدة من طالبات الجامعة الأوروبية الإسلامية والشريعة الإسلامية "الإلهيات" في جامعة الأناضول في إسطنبول عن قرارها في الدراسة لمدة 9 أشهر في معهد "قاصد" الخاص بتعليم العربية لغير الناطقين بها بالعاصمة الأردنية عمان إن دافعها الأول في تعلم اللغة العربية هو رغبتها بفهم القرآن الكريم وتدبر معانيه. كما ترى في العربية اللغة الأكثر قيمًة وأهمية من باقي اللغات على أنها حملت الكثير من أحاديث وقصص الدين الإسلامي.

نوراي

نوراي أولكان في صحراء الأردن

فيما تعتقد أن اهتمام بلادها -تركيا- في توفير فرص تعلم اللغة العربية وعلومها بات أكبر بكثير مما كان عليه سابقًا. فتقول: "حقيقة، يوجد الآن العديد من الفرص والمنح الدراسية التي تقدمها وزارة التربية للطلاب الراغبين بتلقي اللغة العربية من متقنيها حتى وإن كان الأمر يتطلب ابتعاثًا إلى الخارج". 

كما تضيف لاحقًا حول تفضيلها لخوض تجربة للدراسة في دولة عربية بأنها ترى لهذه الخطوة أهمية كبيرة نظرًا لكونها توفر للطالب البيئة المناسبة وتكسبه لهجة أهل المنطقة وبأنها قد استفادت جدًا من دراستها في الأردن لأنها باتت تدرك أن فهمها للعربية "لا يجب أن يكون عبر ترجمتها للغة أخرى بل "بالإطلاع على النص الأصلي ومحاولة فهمه داخل بيئته الحقيقية هو ما يشكل معناه". 

تزداد أعداد الطلاب الأتراك المقيمين أو المبتعثين في الأردن سنويًا نتيجة اهتمام البلدين بالتبادل الثقافي

ويذكر أن أعداد الطلاب الأتراك الذين يدرسون في الجامعات الأردنية يزداد مع استمرار التبادل الثقافي بين البلدين، إذ افتتحت أنقرة قبل عدة أعوام معهد "يونس أمره" لتعليم اللغة التركية في العاصمة عمان وقد شهد إقبالًا كبيرًا من فئات عمرية مختلفة. إلى جانب اعتراف الأردن بشهادة 60 جامعة تركية حتى 2017 بالإضافة إلى توفير الحكومة التركية 250 منحة دراسية للأردن.

 

أما كوثر باهار، وهي طالبة ترجمة لغة عربية في سنتها الأخيرة جامعة 29 مايو، فتعتبر أن فرصتها في تعلم اللغة العربية داخل وطنها تركيا ستكون أفضل بكثير من الذهاب إلى دولة عربية بشرط أن تتلقى هذا التعليم من أستاذ عربي متخصص،وتقول: "لقد كانت لدي فرصة في الذهاب إلى الأردن سابقًا وقد بقيت هناك شهرين التقيت خلالهم الكثير من الأساتذة والطلاب وحتى العامة من الناس واستفدت منهم بالطبع، إلا أنني وجدت اللهجة عائقًا أمامي في اكتساب العربية الفصحى لذا قررت العودة إلى تركيا واستكمال دراستي هناك".

وتضيف في حديثها لـ"نون بوست" إن لديها الكثير من الأسباب التي تدفعها إلى تعلم العربية، يعتبر فهم القرآن الكريم جزءًا منها، إلا أنها تريد أيضًا التعرف على الثقافة والتاريخ العربي، فتقول مضيفة: "أحب تعلم العربية للكثير من الأسباب منها فهم القرآن العربي، والاستمتاع بمخارج الحروف العربية المميزة عن باقي اللغات إضافًة إلى التقرب من الجالية العربية الموجودة في تركيا والتي باتت كثيرة في السنوات الأخيرة. كما أنني أعتقد أننا في تركيا بحاجة ماسة لوجود أساتذة متخصصين في تعليم العربية وهو ما أنوي المساهمة به". 

تختلف ردود الأفعال التركية حول المهتمين باللغة العربية وعلومها بين ناقد ومحب، إذ باتت التعليقات السلبية أكثر وضوحًا نتيجة استهجان الأتراك عدم تعلم الكثير من العرب اللغة التركية بالرغم من إقامتهم في تركيا لفترات طويلة تمتد أحيانًا لسنوات. إلا أن شريحة تركية أخرى من المتدينيين المحافظين ما زالوا يرون تعلم العربية جزءًا لا يتجزأ من ثقافتهم الإسلامية التي حرموا في بعض مراحل عمر دولتهم من الانتماء لها.