عودة الاحتجاجات للشارع الإيراني

بعد فترة هدوء نسبي لم تدم طويلًا، ها هي الاحتجاجات تغزو الشوارع الإيرانية مرة أخرى، وإن عزفت هذه المرة على وتر تأخر السلطات في إعلان إسقاط طائرة الركاب الأوكرانية، الخميس 9 من يناير الحاليّ وأسفرت عن مقتل كل ركابها والبالغ عددهم 176 شخصًا من 5 جنسيات مختلفة.

عدد من الطلاب نظموا وقفات احتجاجية أمام جامعات في العاصمة طهران، رفعوا خلالها عددًا من الشعارات من بينها "هدامة" و"متطرفة"، فيما التقطت صور لبعض الطلاب في أثناء تمزيقهم  صورًا للجنرال الإيراني الراحل قاسم سليماني الذي قتل في 3 من يناير/كانون الثاني بضربة أمريكية في بغداد، بحسب وكالة فارس الإيرانية.

حالة من الصدمة خيمت على الشارع بسبب سقوط الطائرة الأوكرانية، والأمر يتعلق بصورة أكبر بالتردد بشأن تحمل المسؤولية عن هذه الحادثة التي تسببت في تعرض البلاد لموجة انتقادات دولية غطت بشكل كبير على مقتل الرجل الثاني في الدولة بجانب تغطيتها كذلك على الرد الانتقامي باستهداف القاعدة العسكرية الأمريكية في بغداد.

اعتراف بعد نفي

بداية سقوط الطائرة تمسكت طهران بموقف النفي، مرجعة الحادث إلى خلل فني، غير أن هذا التفسير لم يقنع أحدًا، ومن ثم ونتيجة لما وصف بـ"الضغوط الدولية" اعترفت بمسؤوليتها عن السقوط، وعليه تعرضت لانتقادات حادة من السياسيين والإصلاحيين في الداخل الذين استنكروا تأخر بلادهم في إعلان مسؤوليتها عن ضرب الطائرة، بعد "إصرار على الإنكار والكذب في البداية" وحكومات بعض الدول في الخارج.

الحادثة التي أسفرت عن مقتل 82 إيرانيًا و63 كنديًا و11 أوكرانيًا و10 سويديين و4 أفغان و3 ألمان و3 بريطانيين، فتحت سهام النقد على طهران بصورة كبيرة، حيث أدانت حكومات أجنبية الحادثة، كما طالبت أوكرانيا إيران بدفع تعويضات لعائلات الضحايا، وطالبت كندا بمحاسبة المسؤولين.

رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، في تعليقه على الحادث قال "ما أقرت به إيران في غاية الخطورة. إسقاط طائرة مدنية أمر مروع. يجب أن تتحمل إيران المسؤولية كاملة"، وهو الموقف الذي تبنته حكومات العديد من الدول التي سقط لها ضحايا في الطائرة.

نشطاء التواصل الاجتماعي أرجعوا اعتراف طهران بتحمل المسؤولية عن إسقاط الطائرة بعد إنكار في البداية إلى الضغوط الدولية التي مورست عليها، إلا أن قائد القوات الجوية في الحرس الثوري الإيراني أمير علي حاجي زادة، نفى أمس السبت، أن يكون الحرس والقوات المسلحة قد كتما الحقيقة، مضيفًا "هذا المسار كان ينبغي أن يستكمل".

الكاتب المتخصص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي، يرى أن الحادث وضع إيران في موقف لا تُحسد عليه، فهي من ناحية أظهرت كذب المسؤولين الذين ما فتئوا ومنذ اللحظة الأولى يصرون على فرضية غير منطقية لسقوط الطائرة، مصرين على أن لديهم الأدلة على صدق ما يقولون به، فيما كشفت حجم التباين بين ما تصدره إيران عن نفسها وقدراتها العسكرية والأمنية في الوقت الذي تقع في خطأ جسيم كهذا الأمر، الذي يؤكد عدم وجود تنسيق جيد بين المؤسسات العسكرية والمدنية في البلاد، حتى لو كان ذلك نتيجة التوتر الذي أصيبت به إيران في هذا الوقت.

الحكومة الإيرانية في لحظة فارقة، بإمكانها الاستمرار في وضع المنبوذ، مع كل ما يستتبع ذلك من عزلة سياسية واقتصادية، أو اتخاذ خطوات لوقف تصعيد التوتر وانتهاج طريق دبلوماسي مستقبلًا.. وزير خارجية بريطانيا

وأضاف في تصريحاته لـ"نون بوست" أن تداعيات هذه الحادثة ستتجاوز فكرة التعويضات كما يتوقع البعض، التي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات لأسر الضحايا وذلك عن طريق منظمة الطيران المدني الدولية والمؤسسات الدولية التي سترغم طهران على الالتزام بتلك المبالغ.

وكشف أن هناك تداعيات سياسية وقانونية كذلك، فعلى المستوى السياسي لن تتوانى واشنطن وحلفاؤها في استغلال هذه الحادثة كورقة ضغط على إيران، حيث ستتجاهل واشنطن حديث إيران عن أن الضربة جاءت عن طريق الخطأ، ومن ثم ستعمل على الترويج أن إيران دولة إرهابية لا تتردد في توجيه صواريخها إلى طائرة مدنية، هذا بخلاف احتمالية أن يجد العديد من القيادات الإيرانية أنفسهم في السجون حال الولوج إلى المسار القانوني والتحقيقات التي من المتوقع أن تشرف عليها جهات خارجية.

يشار إلى أن الحرس الثوري الإيراني تبنى، السبت 11 من يناير/كانون الثاني 2020، مسؤوليته عن حادثة إسقاط الطائرة، وقال إن قوات الدفاع الجوي الإيرانية ظنت الطائرة صاروخ "كروز" فقصفتها، وذلك بعد 3 أيام كاملة من النفي وهو ما أثار الضجة على المستوى الداخلي.

الطائرة الأوكرانية المنكوبة

دعوات لإسقاط خامنئي

ربما جاء سقوط الطائرة كمبرر للمحتجين لمعاودة حراكهم مرة أخرى بعد فترة سكون مؤقتة، حيث خرج المئات في مسيرات متفرقة في طهران وبعض المدن الأخرى، منددين بسياسات النظام والحكومة، مرددين شعارات تنادي بإسقاط المرشد العام ورئيس الدولة.

ففي بيان له على "موقع سحام نيوز" دعا الناشط الإيراني مهدي كروبي - أحد زعماء الحركة الخضراء المعارضة في إيران - المرشد الإيراني علي خامنئي إلى التنحي بسبب إسقاط الطائرة الأوكرانية، وسط احتجاجات طلبة جامعيين ضد النظام، متسائلًا عن موعد معرفة خامنئي بإسقاط الطائرة بعد إقلاعها من طهران يوم الأربعاء، وسبب التأخير في إبلاغ الرأي العام بالأسباب الفعلية للتحطم.

المسؤولين أضروا بسمعة الدولة والشعب والحكومة جراء سياسة التعتيم والتكتم التي أضرت بدورها بالمصالح الوطنية وثقة الشعب

كما تجمع مئات الطلاب في جامعة أمير كبير وسط طهران منددين بالنظام، وتحول "التجمع" لاحقًا إلى مظاهرة غاضبة، وهتف الطلاب بشعارات تندد بـ"الكاذبين"، مطالبين باستقالة المسؤولين عن إسقاط الطائرة والتغطية على الحادث ومحاكمتهم، وفي المقابل فرقت الشرطة الإيرانية تلك التجمعات الطلابية التي كان يردد المشاركون فيها شعارات وصفت بأنها "تكريم" لضحايا الطائرة.

بدوره انتقد عضو مجمع تشخيص مصلحة النظام أحمد توكلي السلطات الرسمية بسبب إخفائها السبب الحقيقي لتحطم الطائرة، موضحًا أن الشعب الإيراني أمسى يشكك بصدقية المسؤولين في بلاده، واصفًا إخفاء نبأ عظيم مثل هذا بأنه خطأ أكبر من الخطأ البشري الذي تسبب به ضابط الدفاعات الجوية الإيرانية، "مما أدى بالشعب إلی أن يعتبر مسؤولي بلاده كاذبين"، على حد تعبيره.

توكلي طالب بمحاسبة جميع المتسببين في إسقاط الطائرة وإخفاء السبب الحقيقي للحادث، الذي قال إنه "أفسد حلاوة التضامن الشعبي والوحدة التي سادت في المجتمع عقب اغتيال سليماني".

أما عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه، فأوضح أن المسؤولين "أضروا بسمعة الدولة والشعب والحكومة جراء سياسة التعتيم والتكتم التي أضرت بدورها بالمصالح الوطنية وثقة الشعب"، مشددًا على أن إخفاء السبب الحقيقي لإسقاط الطائرة سمح لدولة مثل أمريكا التي اعتبرها السبب الرئيس لكل المآسي، أن تظهر بمظهر المحب للبشرية وأن تطالب بالمشاركة في التحقيق بإسقاط الطائرة، وأضاف "لو كانت إيران قد أعلنت حقيقة الحادث منذ البداية، لقللت من تداعياته السلبية".

برلمانيًا.. وجه برلمانيون ونشطاء انتقادات لاذعة لطريقة تعامل السلطات الرسمية مع الحادثة، وما وصفوه بأنه "كتمان للحقيقة" لعدة أيام، الأمر الذي دفع بعضهم إلى تأكيد أن مثل هذا التخبط همّش "الإنجازات" التي حققتها إيران بعد مهاجمة أهداف أمريكية في العراق، وأثر سلبًا على "أجواء الانسجام" التي عكستها مراسم تشييع سليماني.

 

تصعيد دبلوماسي

وفي خضم التصعيد الاحتجاجي على الجبهة الداخلية، أكدت وزارة الخارجية البريطانية، أمس السبت، أن السلطات الإيرانية احتجزت السفير البريطاني في طهران روب ماكير، فترة وجيزة ثم أفرجت عنه، ونددت بهذه الخطوة بوصفها "انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي"، هذا في الوقت الذي بررت فيه وكالة "تسنيم" الإيرانية هذه الخطوة، بأن "ماكير اعتُقل عدة ساعات أمام جامعة أمير كبير، لتحريضه المحتجين المناهضين للحكومة"، بحسب تعبيرها.

وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، هاجم السلوك الإيراني بقوله: "اعتقال السفير تم دون أي أساس أو توضيح"، وأضاف أن "الحكومة الإيرانية في لحظة فارقة، بإمكانها الاستمرار في وضع المنبوذ، مع كل ما يستتبع ذلك من عزلة سياسية واقتصادية، أو اتخاذ خطوات لوقف تصعيد التوتر وانتهاج طريق دبلوماسي مستقبلًا".

بدوره دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خط الأزمة كذلك، لكنه لم يتطرق إلى حادثة الطائرة الأوكرانية، ففي تغريدة له كتبها باللغة الإيرانية أعرب عن تأييده للحراك الشعبي قائلًا: "نتابع احتجاجاتكم عن كثب وشجاعتكم مصدر إلهام". وقال إنه لا يسعى إلى "تغيير النظام" في إيران، وأضاف "يجب على الحكومة الإيرانية السماح لجماعات حقوق الإنسان بمراقبة وإعلان الحقائق على الأرض بشأن احتجاجات الشعب الإيراني المستمرة. لا يمكن وقوع مذبحة أخرى للمحتجين السلميين ولا إغلاق الإنترنت. العالم يراقب".

ويبدو أن النظام الإيراني بات في مأزق حقيقي، مأزق يضع مصداقيته على المحك، هذا في الوقت الذي لم يستفد فيه من اللحمة الوطنية التي رافقت اغتيال سليماني، ووحدت الجبهة الداخلية كلها في مواجهة الولايات المتحدة، الأمر الذي يتوقع معه مزيدًا من التصعيد خلال الأيام المقبلة.