الجزء الأول من الحوار الذي أجرته صحيفة المجهر السياسي السودانية الصادرة أمس الأربعاء 25 من مارس/آذار مع الفريق أول طيار صلاح عبد الخالق عضو المجلس العسكري المحلول فجّر مشاعر الغضب لدى العديد من قطاعات الشارع السوداني، خاصة وسط شباب الحراك الثوري، إذ إنه كان أشبه بإعلان الحرب على الحكومة الانتقالية وقوى الحرية والتغيير.

نشير إلى أن حنق صلاح عبد الخالق على المدنيين لم يكن وليد اللحظة، بل كان من البداية ضد الثورة، شأنه شأن باقي أعضاء المجلس العسكري، ولكنهم أرغموا جميعًا على اتخاذ قرار خلع البشير، بعد بداية اعتصام القيادة العامة في 6 من أبريل/نيسان من العام الماضي.

اعترف بذلك عبد الخالق نفسه لصحيفة النيويورك تايمز الأمريكية، عندما قال في حوار سابق معها إنه لم يوافق في البداية على خلع البشير، لكنه غير رأيه عندما تلقى رسالة نصية من ابنه "28 عامًا" تفيد بأنه انضم إلى الاعتصام، عندها اضطر الجنرال إلى اتخاذ قرار مع رفقائه في اللجنة الأمنية بعزل البشير، خشيةً من انفلات الوضع أو حدوث انشقاق في الجيش، لكن الصحيفة الأمريكية كشفت أن عبد الخالق لا يزال يحتفظ بصورة كبيرة تجمعه بالبشير في منزله بالعاصمة الخرطوم.

أما صحيفة المجهر التي أجرت الحوار، فهي معروفة كذلك بعدائها للثورة منذ انطلاقتها في ديسمبر/كانون الثاني من العام 2018، إذ كانت تدافع لآخر لحظة عن نظام الرئيس المخلوع عمر البشير، وبعد أن تمت الإطاحة بالنظام البائد بدأت الصحيفة في شيطنة قوى الحرية والتغيير ومحاولة التقرب من المجلس العسكري برئاسة البرهان ونائبه حميدتي وحلفائهما في المحور السعودي الإماراتي، إلى أن تم حل المجلس بموجب الاتفاق الدستوري الموقع في أغسطس/آب العام الماضي، فاختار مالك الصحيفة "الهندي عز الدين" التماهي الكامل مع المكون العسكري في مجلس السيادة الانتقالي، والتحريض ضد المكون المدني المتمثل في الحكومة الانتقالية لعدة أسباب يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

1- أنه يعتبر أعضاء المجلس السيادي العسكريين بما فيهم رئيس المجلس البرهان والعضو الأكثر نفوذًا حميدتي امتدادًا للنظام السابق الذي كان يدعمه.

2- يرى أن المكون العسكري هو الشق الأقوى في السودان، لسيطرته التامة على الأجهزة الأمنية ووراثته كل الشركات والمؤسسات الاستثمارية العسكرية التابعة لنظام البشير.

3- يدري الهندي عز الدين أن ائتلاف قوى الحرية والتغيير الحاكم لن يقبل به كأحد الواجهات الإعلامية لحكومة الثورة، لموقف صحيفته من الثورة منذ انطلاقتها.

4- الحاجة إلى الدعم، سواء كان دعمًا مباشرًا أم دعمًا غير مباشر بالإعلانات والإعفاءات الجمركية والضريبية وغيرها، وهذه النقطة لديها ارتباط بكل البنود التي سبق ذكرها من 1 إلى 3، فالصحافة الورقية لم تعد جاذبة للقارئ، زيادة على أن صحيفة المجهر شوّهت نفسها بدفاعها الصارخ عن النظام المباد سابقًا.

تساؤلات عن توقيت الحوار 

إذا عُدنا إلى مضابط الحوار مع قائد القوات الجوية السابق وهو أحد كوادر الحركة الإسلامية السودانية، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن أنه لا توجد للفريق أول طيار صلاح عبد الخالق أي صفة دستورية في الوقت الحاليّ بعد حل المجلس العسكري وتشكيل السلطة الانتقالية وفقًا للوثيقة الدستورية الموقعة مع قوى الحرية والتغيير.

وفي الحوار نفسه يقول عبد الخالق إن ظروفه الصحية هي التي دعته للاعتذار عن عضوية المجلس السيادي، فما الذي دفع الصحيفة لإجراء الحوار معه؟

أغلب الظن أن مالك الصحيفة على تواصل مع رموز وقيادات النظام البائد الذين هم أيضًا على اتصال مع عبد الخالق العضو الوفي للتنظيم، ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي أجرى البشير تعديلات في قيادة الجيش عين فيها الفريق طيار صلاح عبد الخالق رئيسًا لأركان القوات الجوية، وجاءت تلكم التعديلات في ذروة أيام الثورة التي تمددت رغم استخدام المخلوع لسياسة القمع العنيف للثوار.

رغم سقوط البشير، بقي عبد الخالق وفيًّا لنظامه، إذ إن إفاداته لصحيفة المجهر كانت مطابقة لـ95% مما يدعو إليه منسوبو النظام البائد في مجالسهم وعبر مسيرات "الزحف الأخضر" التي ينظمونها.

لذلك، ربما استنبط عز الدين فكرة إجراء المقابلة ليضرب عصفورين بحجر واحد: أولهما تحقيق أهدافه الشخصية المتمثلة في تشويه صورة المكون المدني الذي يقوده رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، أما الثاني وهو الأهم: مواصلة سياسة التقرب من العسكريين والحصول على أكبر مكاسب ممكنة من رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان وعضو المجلس محمد حمدان دقلو "حمديتي".

التهديد بالحرب أو الانقلاب العسكري

أخطر ما ورد في تصريحات عضو المجلس العسكري المحلول، تهديداته لقوى الحرية والتغيير والحكومة الانتقالية مرتين عندما قال: "المؤسسة العسكرية لن ترضى بتسليم البشير إلى المحكمة الجنائية"، مضيفًا "تسليم البشير خط أحمر، ولو ناس الحرية والتغيير دايرين يحاربونا يجونا عشان نوريهم الحرب كيف".

وأيضًا قوله: "الأوضاع الماثلة في السودان تتطلب تنحي الحكومة الحاليّة وتكوين حكومة كفاءات حقيقية تعمل على الترتيب لانتخابات مبكرة"، وفي نبرة تهديد واضحة ذكر أن "ما تشهده البلاد حاليًّا ربما يقود مغامرين من المؤسسة العسكرية لوضع حدٍّ له عبر انقلاب عسكري"، مضيفًا أن قوى الحرية والتغيير ليست على قلب رجل واحد.

في قضية محاكمة البشير، لم يكن رئيس أركان القوات الجوية السابق بحاجة إلى تهديد قوى الحرية والتغيير بالحرب، فهو يعلم أنها عبارة عن تكتل من أحزاب وكيانات مدنية، أي أنها لا تمتلك فصيلًا عسكريًا، إلا من بعض الحركات المسلحة التي كنت تقاتل حكومة البشير في وقت سابق، لكنّ هذه الحركات ورغم أنها تمثل جزءًا من تكتل الحرية والتغيير، فإنها تُفاوِض الآن على قضايا السلام وتمثيلها في الحكومة.

وأما فيما يتعلق بالقضية الأخرى، وهي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يشهدها السودان، فإن صلاح عبد الخالق يرى أن حلّها في شقين: أولهما تشكيل حكومة جديدة يصفها بحكومة الكفاءات، لتعد العدّة لانتخابات مبكرة، فهو يتبنى رؤية النظام المباد في هذه النقطة بنسبة 100%، متناسيًّا أن المشكلة ليست مشكلة تغيير أشخاص حاكمين، بل في كيفية حكمهم للبلاد.

ورغم الملاحظات السلبية العديدة لأداء الحكومة الانتقالية، خاصة وزيري المالية والتجارة، فإنه لا يوجد شخص واحد يتمنى الدخول في حرب مع قيادات الحكومة.

أراد عضو المجلس العسكري المحلول ورئيس أركان القوات الجوية السابق، إعلاء شأن حميدتي وتشبيهه بالمنقذ

في تعليقه كذلك على أداء الحكومة الانتقالية، قال إن البلاد تعاني من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وأضاف أن الضحية الأكبر هو السودان، وبهذه الطريقة لن يمضي إلى الأمام، الشباب عندما قاموا بثورتهم كانوا يحلمون بسودانٍ مثل الدول الأخرى التي يشاهدونها عبر شاشات التلفاز.

لا حل للأزمة الاقتصادية إلا عند حميدتي!

الشق الثاني في مقاربة الجنرال لحل الأزمة الاقتصادية يتمثل فقط في "تمليك ملف الاقتصاد للفريق أول حميدتي، ويبرر عبد الخالق بأن "الرجل له قدرة وله علاقات، وكانت له أدوار واضحة حين كان ممسكًا باللجنة الاقتصادية في المجلس العسكري، قام بتوفير النقود والقمح".

ويواصل حملة التلميع متابعًا: "حميدتي عندما استلمنا كانت خزينة بنك السودان فارغة، ووضع بها ملايين الدولارات، ولذلك استطعنا إدارة البلاد فترة الأربعة أشهر عقب سقوط النظام، هو أفضل من يحل الأزمة الاقتصادية، وأنا أناشده تولي الملف من باب المصلحة الوطنية، بدليل أنه في الفترة التي كنا نتولى المجلس العسكري تولى هو الملف الاقتصادي، وأدار العمل فيه بإجادة. الفريق أول حميدتي له علاقات جيدة ومقبول اجتماعيًا، وهو من وجهة نظري الآن أكثر من يستطيع حل الأزمة الاقتصادية، هذا من وجهة نظري وكنت أتمنى ألا يعتذر عن رئاسة اللجنة، هو والدكتورة مريم الصادق، فهي لديها إمكانيات عالية جدًا، وأنا إبان فترة التفاوض احتكيت بها".

بطبيعة الحال، أراد عضو المجلس العسكري المحلول ورئيس أركان القوات الجوية السابق، إعلاء شأن حميدتي وتشبيهه بالمنقذ، في تطابقٍ كاملٍ لما يردده الكُتّاب المقربون من نظام البشير مثل الطيب مصطفى والهندي عز الدين، هؤلاء جميعهم اتفقوا على أنه لا حل للأزمة الاقتصادية إلا بتسليم الملف لحمديتي، فما المؤهلات والإمكانات التي يملكها رجل شبه أُميّ لم ينل أي قدرٍ من التعليم؟

هؤلاء الثلاثة أرادوا تلميع محمد حمدان دقلو، لكنهم وقعوا في الفخ من حيث لم يحتسبوا، فالقول إن حمديتي هو الشخص الوحيد الذي يمكنه حل الأزمة الاقتصادية في السودان وأنه أيام كان يشرف على الملف لم تكن هناك أزمات، ألا يعني أن الأزمة مفتعلة من الأساس ولا يوجد سبب حقيقي لها، بدليل الإقبال غير الطبيعي على شراء الدولار من السوق الموازية حتى بعد أن توقفت التجارة الدولية وحركة السفر؟

وعندما يقول عبد الخالق وقبله الطيب مصطفى والهندي عز الدين إن حميدتي قام بإيداع ملايين الدولارات في خزينة بنك السودان، يقصدون كذلك الترويج له، لكنهم يسقطون مرة أخرى في نظر الشعب السوداني، فمحاولة تلميع دقلو وإظهاره بصورة المنقذ والكريم لا تجد إلا السخرية في الشارع، فالجميع يعلم أن حميدتي ليس رجل أعمال من أسرة ثرية معروفة، فكل ما يتصرف فيه هي الأموال الطائلة التي جناها من تهريب ذهب السودان إلى دولة الإمارات.

إذ يسيطر على عدد مناجم الذهب في كردفان والولاية الشمالية ودارفور، وقد أكّدت تحقيقات دولية موثوقة هذه الحقائق، مثل التحقيق الذي أجرته صحيفة الغارديان البريطانية وتحقيق آخر لوكالة رويترز للأنباء، والأخيرة اطلعت على فواتير الطيران وقسائم الدفع لشركة الجنيد المملوكة لحميدتي وأسرته، حيث أظهرت المستندات أن شركة الجنيد أرسلت في غضون الـ4 أسابيع الأخيرة من العام الماضي ما قيمته نحو 30 مليون دولار من سبائك الذهب إلى دبي وهو ما يزن نحو طن.

هذا ما اطلعت عليه وكالة رويترز الموثوقة، وبالتأكيد ما خفي أعظم من ثروات السودان التي يستولي عليها محمد حمدان دقلو الذي قدمته الوكالة بصفة "زعيم فصيل سوداني مسلح".

الانهيار الكلي يبدو وشيكًا في ظل السعي المحموم من المكون العسكري وفلول النظام البائد لإغراق البلاد

الفريق أول عبد الخالق والطيب مصطفى والهندي عز الدين وغيرهم من الذين يروجون لحمديتي على أنه منقذ ومحسن يعلمون جيدًا هذه الحقائق، ويدركون صلته الوثيقة بمعسكر الثورات المضادة "السعودية والإمارات"، والطيب مصطفى رغم أنه يقود حزب "منبر السلام العادل" المحسوب على الإخوان المسلمين لا يجد حرجًا في التطبيل لحميدتي ويشير إلى علاقاته الوثيقة بالرياض وأبو ظبي التي يصفها بـ"بعض دول الخليج"، خجلًا من ذكرها علانية فهو يعلم أنها العدو الأول لتنظيمات الإسلام السياسي بما فيه حزبه.

لكنها الانتهازية المفضوحة والمصالح الضيقة التي جعلت "خال البشير" يحاول التقرب من معسكر السعودية والإمارات منذ العام الماضي، عندما دعا إلى تغليب المصلحة الوطنية والارتماء في حضن هاتين الدولتين لإنقاذ ابن أخته من الثورة التي كانت الأوضاع الاقتصادية المحرك الأول لها، فقد وصل به الأمر أن يطالب البشير بالانحياز إلى الرياض وأبو ظبي قائلًا إن الفقه الإسلامي "يجيز أكل الميتة عند الضرورة".

وبالعودة إلى الحوار الذي أجرته صحيفة المجهر مع صلاح عبد الخالق عضو المجلس العسكري المحلول ورئيس أركان القوات الجوية سابقًا، نجد أن ما ذكره يُشبه "إعلان الحرب" على قوى الحرية والتغيير والحكومة التي يرأسها عبد الله حمدوك، ورغم أن عبد الخالق لا يشغل في الوقت الحاليّ أي صفة دستورية فإن ما يقوله يمثل بالتأكيد وجهة نظر العسكريين الموجودين في مجلس السيادة، فهم جميعًا يخشون من أن تسليم البشير إلى لاهاي سيكون مقدمة لجرجرتهم إلى هذه المحكمة الدولية.

أما دمغه للحكومة الانتقالية بالفشل في إدارة الملف الاقتصادي فقد سبقه عليها رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان عندما تحدث في اجتماع مشترك مع مجلس الوزراء عن معاناة الناس في صفوف البنزين والمخابز، ثم طلب من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك الإقرار بفشل الحكومة. 

مصارحة الشعب.. خيار حمدوك الوحيد

في ظل استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع أسعار العملات الأجنبية فإنه لا حل أمام رئيس الوزراء حمدوك إلا خيار واحد، أن يتوجه بخطاب واضح إلى الشعب السوداني يقول فيه الحقائق التي لا تزال غائبة عن كثيرين يعتقدون أن التدهور الذي تشهده البلاد مسؤولية الحكومة الانتقالية التي يقودها رئيس الوزراء، ولا يعلمون أن وزير المالية قد تم تجريده من الولاية على أموال شركات الأجهزة الأمنية التي تبلغ عائداتها مليارات الدولارات، التي قيل إنها فاقت الـ40 شركة أمنية ضخمة تعمل في كل ما يخطر على البال من أعمال تجارية ولها مكاتب في معظم عواصم العالم التجارية، وتُضارب في السمسم والذهب والوقود والدولار مما أدى إلى ارتفاع أسعار هذه السلع بهذا الشكل الجنوني.

إذا لم يفعل رئيس الوزراء هذه الخطوة لإخلاء مسؤوليته عن التدهور الاقتصادي المتسارع، فإن الانهيار الكلي يبدو وشيكًا في ظل السعي المحموم من المكون العسكري وفلول النظام البائد لإغراق البلاد في المزيد من الأزمات المتلاحقة وتشويه صورة الحكومة المدنية التي تبدو عاجزة عن اتخاذ أي خطوة فعلية، ولا حتى مصارحة الشعب بحقيقة الأوضاع وتآمُر المكون العسكري الذي يوشك أن ينفذ انقلابه الكامل على الحكومة الانتقالية مسنودًا بفلول النظام المباد التي بدأت تطالب بسيطرة العسكر على كامل المشهد السياسي.