سعت إيران جاهدة خلال السنوات الماضية، لتوحيد مرجعيتي قم والنجف تحت نظام ولاية الفقيه أو محاولة السيطرة على الحوزة العلمية من أجل ضمان تبعية العراق لها سياسيًا ودينيًا، وضمان مصالحها وطموحاتها الإمبراطورية في المنطقة من خلال مكانة العراق الدينية والجيوستراتيجية.

ظل هذا الأمر غير يسير على طهران، لأن الخط الديني والسياسي للنجف مستقل عنها ماليًا وفقهيًا، فإيران تبحث عن مركزية القرار الديني والسياسي، ويبدو أن هذا الأمر عصي عليها في المرحلة الحاليّة، وقد تبقى وتستمر صعوبة ذلك لما بعد المرجع الديني علي السيستاني، رغم التحضيرات الإيرانية والتخطيط والعمل مع الدوائر المؤثرة التي يمكن أن تساهم في اختيار المرجع منذ سنوات ومحاولة التأثير أو السيطرة عليه.

صورة

مرجعية النجف تمضي بعيدًا عن مرجعية قم في العديد من القضايا، ويبدو أن التنافس على النموذج والقيادة الدينية والروحية سيبقى مستمرًا، فالموضوع غير مقتصر على مجرد قضايا فقهية والولاء والاعتراف بولاية الفقيه من عدمه، إنما هناك سلطة وتأثير سياسي ومالي وروحي على رقعة بها ملايين الشيعة في العراق والمنطقة.

فهناك صراع غير مرئي بين مرجعيتي قم والنجف في العراق رغم الاحترام المتبادل والتعاون في الكثير من الملفات، فإيران تسعى منذ 2003 للاستحواذ والسيطرة على النجف وجعلها تابعة لها أو متماهية مع مواقفها ومصالحها لا سيما أن بعض القوى السياسية والميليشياوية التي جعلت مصالحها الحزبية والسياسية والمالية مع المصالح الإيرانية تسير على طريق واحد، ومرجعية النجف تدافع عن محاولات قم السيطرة عليها، فهي في موضع الدفاع وتبدو عصية على الاختراق والسيطرة الإيرانية.

إن الصراع والتنافس الخفي بين مرجعيتي قم والنجف يتمظهر بمظاهر ومواقف سياسية متعددة من القضايا العراقية التي توضح أهمية المرجعية وأثرها داخل البيت الشيعي وعلى المصالح الإيرانية في العراق.

مظاهر الصراع والاختلاف

إن أول تقاطع بين مرجعيتي قم والنجف هو موضوع نظرية الخميني "ولاية الفقيه" الإيرانية، فمرجعية النجف تراها أشبه ما تكون ببدعة وليس لها أساس شرعي في زمن غيبة الإمام، ولا توافق على استنساخ التجربة الإيرانية في العراق وهناك ضيق إيراني لعدم تقبل الفكرة، لأنها أساس كل الاعتراضات السياسية وتقاطع المصالح الإيرانية معها.

النجف وقم ورئاسة الوزراء

ليس هناك نص دستوري يعطي السلطة للمرجعية الدينية في النجف لرفض أو قبول أي مرشح لرئاسة الوزراء، فالسلطات هي التشريعية والتنفيذية والقضائية، لكن لكون المنصب من حصة المكون الشيعي، تبحث القوى السياسية داخل البيت الشيعي والقوى والشخصيات الفاعلة فيه على الغطاء الشرعي للمرجعية من خلال دفعها لاتخاذ موقف سلبي أو إيجابي، ودائمًا ما كان المنصب الأعلى في هرم السلطة في العراق موضع خلاف وصراع بين قم والنجف.

ففي عام 2006 كان هناك إصرار إيراني على تولي إبراهيم الجعفري رئاسة الوزراء، لكن موقف النجف كان رافضًا له بشكل صريح مما دفعه للتراجع، وفي 2014 بعد ولاية نوري المالكي الثانية كان يرغب بالثالثة، لكن موقف المرجعية كان رافضًا له لفشله في إدارة الدولة مما دفعه للتخلي عن عناده في الوصول للمنصب لمرة ثالثة، أما في 2015 حدثت خلافات في ولاية حيدر العبادي بعد أن شعر أن توازن القوى الشيعي والسلطة بدأت تفلت من يده بوجود ميليشيات "الحشد الشعبي" وعدم خضوعها لأوامره، فقدم الاستقالة للمرجعية! للموافقة عليها أو رفضها، مما دفع المرجعية لرفض استقالته وهو ما اعتبره دعمًا له ضد خصومه الأقرب إلى إيران.

وأخيرًا، في نهاية 2019 وعلى إثر دعوة المرجعية الدينية في النجف قدم عادل عبد المهدي استقالته على وقع القتل الذي جرى ضد المتظاهرين، وهو حليف ضعيف لحلفاء إيران، حيث لم ينتعش النفوذ الإيراني ويتغول في العراق كما حصل في عهد عبد المهدي وهو إلى اليوم يُعرض كخيار من حلفائه لإعادة تكليفه مجددًا.

صورة

الدولة والحكم

إن السيطرة على حوزة النجف تعني بالنسبة لإيران الكثير، فبها ستستطيع التأثير على المجتمع العراقي والرأي العام بشكل كبير والتأثير على القوى السياسية والكثير من الشخصيات التي تقلد مرجعية النجف داخل البيت الشيعي وتضمهم إلى من يقلد مرجعية قم بطريقة مباشرة وغير مباشرة.

لا تحبذ مرجعية النجف التدخل المباشر في الدولة والحكم كما في إيران، فهي تؤيد استقلال عمل الدولة عن العمل الديني، فهي قد تؤيد الدولة المدنية ضمنيًا على عكس نفوذ إيران وميليشياتها الذين يجاهرون بأن هدفهم الأسمى في العراق هو تحويل نظامه إلى نظام شبيه بولاية الفقيه كميليشيا حزب الله العراقي.

المرجعية وتظاهرات تشرين

مرجعية النجف أدانت الهجوم على المتظاهرين وقتلهم من الميليشيات والأجهزة المخترقة حزبيًا، بينما ذكرت إيران (النظام والمرجعية) بأن التظاهرات العراقية مؤامرة أمريكية سعودية صهيونية، كما وصفت النجف التظاهرات بأنها احتجاجات من أجل التغيير وأيدت مطالبهم بإجراء انتخابات مبكرة بعد استكمال قانون الانتخابات بعيدًا عن التدخلات الخارجية، بينما يضع حلفاء إيران العراقيل أمام إجراء انتخابات مبكرة ولم يكملوا قانون الانتخابات الذي لا يزال يراوح مكانه، كما يدعمون الإبقاء على عادل عبد المهدي الحليف الضعيف لإيران والقوى القريبة منها، بينما رضخ عبد المهدي للنجف عندما طلبت منه الاستقالة.

نطاق التأثير

مرجعية النجف نطاق تأثيرها العراق وبعض المجاميع المقلدة في المنطقة، لكن نطاق تأثير مرجعية قم يأخذ نطاق الإقليم ويضم سوريا واليمن والبحرين ولبنان وتزاحم مرجعية النجف في العراق وتحاول دمجها أو السيطرة عليها وإن عجزت الآن فهي تعمل على ذلك في مرحلة ما بعد المرجع علي السيستاني.

تتدخل مرجعية النجف بصورة مباشرة في الشأن العام بناءً على ردة الفعل من حدث معين يؤثر على الرأي العام في العراق، ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى أو في تفاصيل الحياة اليومية، بينما تتدخل مرجعية قم في كل جوانب الحياة في إيران والمنطقة لأنها مرجعية إيران الدولة والنظام والحرس الثوري، ولاعتقادها بأن ولايتها تشمل المسلمين جميعًا.

لا تتدخل النجف في القضايا السياسية بشكل مباشر كما في إيران، فهي تخلق مساحة بين الديني والسياسي، للمحافظة على الجانب الروحي مع الرمزية التي تحملها الحوزة في الذهنية والحاضنة الدينية الشيعية في المجتمع.

تقاطع مع عمل الميليشيات 

بعد اغتيال قاسم سليماني دعا المرشد الإيراني علي خامنئي إلى ما وصفه بـ"الانتقام الشديد" من القوات الأمريكية، بينما دعت مرجعية النجف إلى ضبط النفس ورفضت التدخلات في الشأن العراقي.

تدفع مرجعية النجف الفصائل التابعة لها في الحشد الشعبي (لواء أنصار المرجعية، لواء علي الأكبر، فرقة العباس القتالية، فرقة الإمام علي) إلى الانصياع أو الاندماج تحت سلطة الدولة العراقية في وزارتي الدفاع والداخلية، بينما ترفض المليشيات الموالية لإيران الانضمام إلى سلطة الدولة وترغب طهران بالإبقاء على الميليشيات في حالة مستقلة، وقدم في الدولة وقدم خارج الدولة، للاستفادة من الدولة من حيث الأموال والحماية وسلطة القانون بالإضافة لممارسة أعمالها الميليشياوية.

صورة

أخيرًا، سيبقى سعي إيران للسيطرة على النجف لما بعد المرجع علي السيستاني الذي لديه الكثير من الممثلين (600 ممثل في العراق) والكثير من المقلدين، وإيران تحضر لهذه اللحظة، فإلى الآن لا توجد طريقة واضحة لاختيار خليفة للمرجع التسعيني علي السيستاني، ففي السابق استغرق انتقال تلك المكانة الدينية "المرجع الأعلى" من أبي القاسم الخوئي إلى علي السيستاني 6 سنوات من عام 1992 وحتى 1998 مما يفتح الباب اليوم على مصراعيه للتنافس والتدخل الإيراني.

تسعى إيران لتحجيم أو تقزيم الحوزة العلمية في النجف وتموَّل مدارس دينية وجمعيات خيرية وطلبة علم في النجف، وأسست علاقات مع رجال دين جدد في محاولة لتقويض سلطة رجال الدين المحليين في العراق والمساهمة في التسويق لولاية الفقيه ودعم من يؤيدها أو يتأثر بها فقهيًا، ويتراجع عن الاستقلالية الدينية والفقهية والمالية التي لا تزال تشكل عائقًا أمام إيران ومرجعيتها الدينية.