ترامب وهو يجيب على أسئلة وسائل الإعلام خلال الموجز اليومي حول فيروس كورونا في واشنطن في 21 أبريل.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في 14 نيسان/ أبريل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه أوقف المساعدات المالية التي تقدمها الولايات المتحدة لمنظمة الصحة العالمية بسبب ما اعتبره "سوء إدارة للأزمة وتكتّما على انتشار فيروس كورونا". صدر هذا القرار من ترامب الذي أساء هو نفسه إدارة الأزمة وتكتم على انتشار الفيروس.

وفي تغطيته للمؤتمر الصحفي الذي أعلن فيه ترامب إيقاف المساعدات، استخدم موقع بي بي سي صورة لطاقم طبي، يتكوّن في معظمه من نساء مسلمات يرتدين النقاب، ينظرن إلى شاشة كمبيوتر. في الواقع، لم يكن سبب اختيار هذه الصورة بالذات واضحا، فلو وضعوا صورة لترامب، لأدّت المعنى بشكل أفضل.

ولكن بالنسبة لشخص يحمل قدرا من المشاعر المعادية للأجانب، من المحتمل أن تجعله هذه الصورة يشعر تلقائيا أن فيروس كورونا أو منظمة الصحة العالمية، مرتبطان بطريقة أو بأخرى بالمسلمين الذين أصبح يُنظر إليهم كأعداء للغرب بسبب مشاكل السياسة وما روّجته وسائل الإعلام على مر السنين. 

صورة المسجد التي عرضتها سي أن أن

لم تكن "بي بي سي" المنبر الإعلامي الوحيد المتورّط في نشر صور مرتبطة بالإسلام لا تتسق مع أزمة كورونا. خلال شهر آذار/ مارس، نشرت صحيفة نيويورك تايمز خبرا عن قرار ترامب بتعليق السفر من أوروبا إلى الولايات المتحدة مستخدمًة صورة لمسجد في تركيا، مع علم تركيا في الواجهة. إذا وضعنا بعين الاعتبار أن تركيا لم تكن من بين الدول المشمولة بقرار الحظر، وأنها لا تُصنّف غالبا كدولة أوروبية، فلا يُمكن أن نفهم المبرّر المنطقي لاختيار هذه الصورة. لكن ما سيترسّخ مرّة أخرى في الأذهان، هو أن هناك ارتباطا بين فيروس كورونا والإسلام، ذلك التهديد المستمر القادم من الشرق.

 

 

وهناك ما هو أكثر سخافة، إذ نشرت "سي أن أن" مع خبر يتعلق بإعلان إدارة الإصلاح والتأهيل في ولاية كاليفورنيا منع الزيارات في السجون بسبب تفشي فيروس كورونا، صورة لعامل يقوم بتعقيم مسجد في إسطنبول.

لاحقا، قامت "سي أن أن" بتعديل الصورة على حسابها على موقع تويتر، ووضعت مكانها صورة لمطار تظهر فيه شاشات كبيرة وركاب يرتدون أقنعة للوجه. ليس من الواضح ما إذا كان المحررون قد سعوا بذلك ليوصلوا رسالة مفادها "انظروا، إنها ليست إسلاموفوبيا. فقط نحن لا نهتم إن لم يكن للصورة أي علاقة بالمقال".

تهديد الجهاديين 

من جهتها، عملت مجلة الإيكونوميست على إقحام الإسلام في أزمة كورونا على طريقتها الخاصة، من خلال مقال عن جزر المالديف. نُشر المقال في النسخة المطبوعة من المجلة تحت عنوان "العدوى الأخرى"، أما في النسخة الإلكترونية فقد نُشر تحت عنوان "جزر المالديف مهددة من الجهاديين وكوفيد-19".

أُرفق المقال بصورة لامرأة ترتدي البرقع ولا يظهر منها شيء، في تعبير صارخ عن الإسلاموفوبيا. ينتهي المقال كالتالي: "سيؤدي انهيار السياحة جراء كوفيد 19 إلى تراجع الاقتصاد. لكن ذلك لن يهدئ الهجمات المسعورة".

من الغريب أن مجلة ذي إيكونوميست أزالت في وقت لاحق المقال من حسابها على موقع  تويتر، غير أنها لم تحذفه من موقعها الالكتروني. في الزاوية المخصصة للحديث عن الأوبئة، تقفز إلى الأذهان كل مشاعر العنصرية والتعصب.

من خلال ما أظهرته أزمة فيروس كورونا، يبدو أن تفشي وباء ما، هو الوقت الأنسب لبث الكراهية ونشر عدوى الخوف من الآخرين. 

كشف تقرير نشرته مجلة نيوزويك مؤخرا عن تزايد جرائم الكراهية ضد المسلمين في المملكة المتحدة، حيث يُتهم الإسلام دون وجه حق بالتسبب في انتشار فيروس كورونا. ويُؤكد التقرير، أن الجماعات اليمينية المتطرفة تستغل الأزمة لتعزيز مشاعر العداء  للمسلمين من خلال نشر مقاطع فيديو على الإنترنت تزعم أن المساجد مفتوحة، وأن المسلمين سينتهكون الحظر في شهر رمضان.

تهيئ الأوبئة أيضا الأجواء المناسبة للحكومات من أجل تُلقي جانبا بأمور تزعجها مثل ضمان الحقوق وتطبيق العدالة، كما هو الحال عندما استخدم ترامب فيروس كورونا كذريعة لتنفيذ خططه فيما يخص المهاجرين، وقد جاءته الفرصة لتعليق الهجرة بشكل كامل.

الإعلام المخادع

في الولايات المتحدة التي يُعامل فيها المسلمون منذ فترة طويلة على أنهم وباء مستفحل، لا يوجد مثال أفضل من صورة مسجد اسطنبول وسجون كاليفورنيا، لفهم الخداع الإعلامي وكيفية ربط الإسلام في الأذهان بفيروس كورونا.

الأمر المؤكد، هو أن وسائل الأنباء الأمريكية غالباً ما تستقي مثل تلك الإشارات من المؤسسة السياسية، حتى عندما يروّج السياسيون أخبارا كاذبة. وعلى الرغم من الخلاف الظاهر بين وسائل الإعلام والرئيس ترامب، فإنها هي ذاتها التي تروّج لمخططاته الأكثر عدوانية، مثل خطط تدمير إيران.

لم يدّخر ترامب بدوره جهدا في ربط الإسلام بفيروس كورونا، فقد أعاد نشر تغريدة للكاتب بول سبيري المعروف بعدائه للمسلمين.

وقد تساءل سبيري في تغريدته عما إذا كانت السلطات الأمريكية ستفرض تدابير التباعد الاجتماعي على المساجد خلال شهر رمضان (23 نيسان/ أبريل - 23 آيار/ مايو) مثلما فعلت مع الكنائس خلال عيد الفصح، معتبرا أن المسلمين في الولايات المتحدة مدلّلون ولا يُحاسبون، وأن الشرطة لا تراقبهم ولا تعاقبهم مطلقًا.

العديد من الأوبئة

عندما سُئل ترامب في مؤتمر صحفي عن سبب إعادة نشره لتغريدة سبيري، أجاب بأسلوبه العدائي المعتاد:

" تحدثت للتو مع القادة والأشخاص الذين يحبون المساجد.. لقد لاحظت تباينات كبيرة في هذا البلد.. لاحظت معاداة شديدة لـ"إسرائيل" في الكونغرس من قبل الديمقراطيين.. الأمور التي يقولونها عن "إسرائيل" سيئة للغاية ولا أستطيع أن أصدق ذلك.. لقد اتصلت للتو بالأئمة.. لا أعرف ما حدث في بلدنا، لكن المعاملة التي يحظى بها الدين المسيحي تختلف كثيرا عن المعاملة التي حظي بها سابقا، وأعتقد أنه يُعامل بشكل غير عادل". 

وفي تحليل منطقي، يرى داركشان رجا، مدير جمعية العدالة للمسلمين ومقرها في واشنطن، أن ترامب يسعى من خلال الترويج لفكرة أن المسلمين سيرفضون اتباع إجراءات التباعد الاجتماعي خلال شهر رمضان، إلى تشويه صورتهم وصرف الانتباه عن عصابة البيض العنصريين التابعة له، والتي تعيث فسادا في البلاد، حسب تعبيره. 

ومع استمرار تخبط ترامب، والحملات الإعلامية التي تسعى لربط المسلمين بتفشي وباء كورونا، يبدو أن هناك الكثير من الأوبئة الأخرى في انتظارنا.

المصدر: ميدل إيست آي