استقدام الإمارات لمرتزقة كولومبيين للقتال نيابة عن جيشها

لم تدخر الإمارات جهدًا في المضي قدمًا لتنفيذ أجندة أبناء زايد الخارجية أيًا كان الثمن، مستعيضة بما تعانيه من ثغرات قد تعيق مخططها التوسعي باستخدم ما لديها من نفوذ المال لشراء ما يكمل نقصها، في محاولة لتصدير صورة عالمية بأنها قادرة على إثبات حضورها العالمي، أيًا كانت الأدوات.

وفي ظل تواضع جيشها الرسمي وعدم قدرته على التعاطي مع الأجندات المستهدفة مع تعدد الجبهات التي فتحتها الإمارة على نفسها خلال السنوات العشرة الماضية، كان لا بد من الاستعانة بجنود من بعض الدول للقتال نيابة عنها في بعض تلك الجبهات، وذلك في مقابل منحهم ميزات مالية وضمانات كبيرة.

في ملف "مرتزقة أبناء زايد" نلقي الضوء على خريطة المرتزقة الذين جلبتهم الإمارات لتنفيذ أجندتها الشرق أوسطية، وكيف تحولت الدولة الخليجية إلى معسكر لمرتزقة العالم، من كل حدب وصوب، واضعة مستقبل جيشها وتسليحه بأيدي ضباط أجانب خدموا في العديد من الجيوش النظامية في بلدانهم.

لم تكن الإمارات وحدها التي لجأت إلى الاستعانة بمرتزقة لتنفيذ مخططاتها، فقد شاركتها في ذلك حليفتها السعودية، وهو ما تم كشفه بعد حادثة مقتل الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي في مقر قنصلية بلاده في إسطنبول، أكتوبر 2018، حيث تم تسليط الضوء على إستراتيجية الرياض في قمع المعارضين عبر أصابع خارجية، استجلبتها لمهام محددة.

بالعودة إلى عشر سنوات مضت تقريبًا، وتحديدًا مع انطلاق قطار الربيع العربي نهاية 2010، حينها استشعرت الدول الخليجية لا سيما الإمارات والسعودية بالقلق حيال احتمالية تصدير الثورة لديها خاصة في ظل ما تعاني به من شروخ داخلية، وهنا تبنى هذا الحلف إستراتيجية جديدة لوأد أي تحركات ثورية، ودعم ما سمي بـ"الثورة المضادة"، مستعينًا بالعديد من العناصر القتالية التي في أغلبها جاءت كمرتزقة للعمل لفترة محددة نظير مقابل مادي.

في الحلقة الأولى من هذا الملف، نذهب على جناح السرعة إلى العاصمة بوغوتا، حيث إرهاصات التحركات الأولية لبناء جيش مرتزقة أبناء زايد، فمن هناك وضعت أبو ظبي حجر الأساس لهذا الجيش من خلال قوة سرية مؤلفة من 800 مرتزق كولومبي تحت قيادة ريكي تشامبرز، العميل السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، الذي عمل لسنوات لصالح إريك برنس مؤسس شركة بلاك ووتر، وفق ما كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" في مايو 2011.

لماذا الاستعانة بالمرتزقة؟

العديد من البواعث كانت وراء تدشين أبناء زايد لجيش المرتزقة الخاص بهم، الذي تزامن كما قلنا سابقًا مع ثورات الربيع العربي، فكان الهدف العام المعلن هو القيام بعمليات داخل وخارج البلاد تحت مسمى "مكافحة الإرهاب" منها ملاحقة المعارضين في الداخل وتغذية الثورات المضادة في الخارج وخلافه.

ومن الأسباب التي عجلت بتشكيل الفرقة الكولومبية كنواة لكتيبة المرتزقة انخراط الإمارات في حرب اليمن، فبعد الخسائر البشرية التي منيت بها على يد الحوثيين التي كان لها تداعيات سياسية داخلية سلبية كان لا بد من استبدال القوات الإماراتية بفرق مرتزقة للقتال الميداني هناك.

الاستعانة بالمرتزقة لم يكن تحركًا عشوائيًا من السلطات الإماراتية، بل كانت عمليات ممنهجة وإستراتيجية ذات ملامح وأبعاد، تم تدشينها بشكل شبه قانوني، وذلك عن طريق تأسيس إحدى الشركات الغامضة في أبو ظبي

هذا بخلاف نقص الخبرات القتالية لدى الجيش الإماراتي النظامي، لا سيما في مجال القوات البرية التي تعاني من تراجع واضح في مستواها مقارنة بمجالات الدفاع الأخرى، وهو ما أثر بشكل أو بآخر على تأثير الجيش الإماراتي في الجبهات الخارجية التي يخوضها لا سيما على مستوى الملف اليمني كما سيرد ذكره لاحقًا.

وفي الإطار ذاته سعت أبو ظبي لتأهيل عناصر قواتها العسكرية والأمنية بصفة عامة من خلال الاستعانة بالخبرات الأجنبية، التي أعطت لها الصلاحيات الكاملة لتطوير منظومة الأمن الداخلي والخارجي، سواء على المستوى البشري أم التقني، وهو ما يتجسد في تقلد العديد من الضباط الأجانب المناصب الرفيعة والقيادية في أفرع الجيش المختلفة.

ريفليكس ريسبونس

الاستعانة بالمرتزقة لم يكن تحركًا عشوائيًا من السلطات الإماراتية، بل كانت عمليات ممنهجة وإستراتيجية ذات ملامح وأبعاد، تم تدشينها بشكل شبه قانوني، وذلك عن طريق تأسيس إحدى الشركات الغامضة في أبو ظبي تحت مسمى "ريفلكس ريسبونس" التي يقودها الجنرال إريك برنس، قائد الفرقة القتالية الجوية والبرية السابق بالبحرية الأمريكية، ومؤسس أكبر مؤسسة عسكرية خاصة في العالم التي تحمل اسم "بلاك ووتر".

ويمتلك الإماراتيون 51% من أسهم تلك الشركة التي تم تأسيسها في مارس 2010، وكانت تجند مئات المرتزقة الأفارقة والكولومبيين والأوروبيين، حيث كانوا يتسللون سرًا إلى الأراضي الإماراتية بوصفهم عمال بناء، بصحبة ضباط استخبارات إماراتيين، ثم يتوجهون إلى مدينة الشيخ زايد العسكرية في أبو ظبي، حيث يتلقون هناك تدريباتهم القتالية.

وبحسب الاتفاق الموقع بين السلطات الإماراتية وبرنس، يتولى الأخير تدريب المرتزقة الذي يجلبهم من أوروبا وإفريقيا وآسيا نظير مقابل مادي يتجاوز نصف مليار دولار، وكانوا يتولون بداية الأمر الدفاع عن المنشآت النفطية وناطحات السحاب بجانب فض الاحتجاجات العمالية والتصدي للأصوات المعارضة في الداخل، وتنفيذ العديد من المهام الداخلية الأخرى.

كان المرتزق الكولومبي وعائلته يتمتعون بالعديد من المميزات المادية والاجتماعية، فكان يتقاضى في اليوم الواحد 150 دولارًا، فضلًا عن منحه إقامة دائمة بالإمارات ومزايا التعليم والخدمات كما المواطنين الإماراتيين

الكولومبيون.. نواة جيش مرتزقة أبناء زايد

السؤال الذي فرض نفسه وقتها: لماذا اختارت الإمارات المرتزقة الكولومبيين على وجه التحديد؟ العديد من الأسباب كانت وراء هذا الاختيار، أبرزها الخبرة الكبيرة التي يتمتع بها المرتزق الكولومبي في مجال القتال ومكافحة التمرد، تلك الخبرة التي اكتسبها على مدار 50 عامًا من الحرب الأهلية هناك.

جزء كبير من تلك الخبرة اكتسبها المقاتل الكولومبي نتيجة المعارك الكثيرة التي خاضها في مكافحة تمرد مجموعات الفارك اليسارية الثورية في بلاده، بجانب التعامل مع حرب العصابات ضد تجار المخدرات، فضلٍا عن قدراتهم الفنية والعسكرية التي اكتسبوها نتيجة التعامل مع الأسلحة الأمريكية، الأمر الذي جعلهم قبلة للباحثين عن المرتزقة في مختلف دول العالم.

ووفق التقديرات، فقد بلغت كلفة جلب 800 مرتزق كولومبي قرابة 529 مليون دولار أمريكي، فيما قدر إنفاق المعسكر السري الذي أقيم لهم في صحراء مدينة زايد 9 ملايين دولار شهريًا، تضمنت مصاريف المأكل والمشرب والمصروفات اليومية لهم، بجانب الصيانة والتدريب والتسليح.

ورغم الخبرة الكبيرة لهم في مجال المعارك، فإن السلطات الإماراتية استقدمت لهم محاربين قدامى من القوات الجوية الخاصة البريطانية والفيلق الفرنسي الخارجي، بجانب قيادات رفيعة المستوى ممن شاركوا في حرب العراق وأفغانستان برواتب تصل سنويًا إلى 200 ألف دولار للجنرال الواحد من أجل تدريب المرتزقة وتجهيزهم للتعامل مع حروب العصابات والتمرد.

وكان المرتزق الكولومبي وعائلته يتمتعون بالعديد من المميزات المادية والاجتماعية، فكان يتقاضى في اليوم الواحد 150 دولارًا، فضلًا عن منحه إقامة دائمة بالإمارات ومزايا التعليم والخدمات كما المواطنين الإماراتيين،  وفي حالة وفاة أحد أفراد المرتزقة في إحدى المهام، هناك ضمان برعاية أسرته مستقبليًا، بما في ذلك الرعاية المادية والتعليمية حتى انتهاء المرحلة الجامعية.

وخلال السنوات الأخيرة تقلص عدد المرتزقة الكولومبيين من 800 إلى 580 فقط، وذلك لعدة أسباب على رأسها اكتشاف إدمان بعضهم للمخدرات بما أثر على قدراتهم القتالية، بجانب تراجع المستوى القتالي للبعض الآخر، هذا بخلاف الأزمات الإدارية التي نشبت نتيجة التغير المتكرر لقيادة المجموعة.

ما المقابل؟

بالطبع فإن استقدام الإمارات لمرتزقة من كولومبيا لا بد أن يكون له مقابل فيما يتعلق بالعلاقات بين الدولتين، وهو ما أعلنه الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس، خلال زيارته لأبو ظبي، نوفمبر 2017، حين كشف دعمًا إماراتيًا لبلاده بقيمة 45 مليون دولار، فضلًا عن تعزيز سبل التعاون بين الطرفين.

سانتوس في بيان أصدره عقب لقائه ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، أكد أن الإمارات تعد من أكثر دول الشرق الأوسط التي تقدم مساعدات لبلاده، لافتًا إلى أن الدعم الذي حصل عليه في هذا الوقت سيتم تخصيصه لتطبيق اتفاقية السلام المبرمة مع حركة القوات المسلحة الثورية "فارك"، وأنه سيتم إنفاقه لإعادة إعمار المناطق السكنية المتضررة من الاشتباكات، التي حصلت بين القوات الكولومبية وعناصر الحركة.

منذ 2014 وحين تولى سانتوس السلطة في بلاده للمرة الرابعة كثر الحديث عبر وسائل الإعلام المحلية والدولية عن استعانة أبو ظبي بمئات المرتزقة الكولومبيين عن طريق مؤسسة "بلاك ووتر" التي دربت نحو 15 ألف مرتزق، غالبيتهم من كولومبيا وأمريكا الجنوبية، لتنفيذ مهام خاصة، أبرزها القتال في اليمن.

ورغم هذا الدعم، فإن العديد من الأصوات العسكرية داخل كولومبيا استنكرت شراء الإمارات لجنودها مقابل المال، وهو ما ألمح إليه نائب وزير الدفاع الكولومبي في 2013، جورج بيدويا، الذي أعرب عن قلقه إزاء هذه الظاهرة، مضيفًا في تصريحات نشرتها فاينانشيال تايمز: "هؤلاء الجنود - الذين تسعى الإمارات لتوظيفهم كمرتزقة - على درجة عالية من الخبرة، وقد تطلب الأمر من كولومبيا جهودًا كبيرةً لتدريبهم وتأهيلهم".

خسارة كولومبيا لخبرات جنودها لصالح الإمارات دفعت بعض المسؤولين الرسميين إلى محاولة إبرام اتفاق مع أبو ظبي لتنظيم تدفق المرتزقة، بما لا يؤثر سلبًا على حرب العصابات التي تخوضها البلاد ضد المتمردين وتجار المخدرات، فيما حذر الخبير العسكري الكولومبي جايمي رويز، رئيس الرابطة الكولومبية للضباط المتقاعدين من القوات المسلحة، من أن العروض المغرية التي يتلقاها جنود بلاده دفعتهم للتقاعد من الجيش والانضمام لمرتزقة الإمارات.

الإمارات أرسلت عددًا من المرتزقة الكولومبيين سرًا للقتال نيابة عن جيشها في اليمن، وقدر عدد الدفعة الأولى المرسلة بنحو 300 كولومبي، دفعت لهم مبالغ كبيرة لتجنيدهم وتأهيلهم على أعلى المستويات عن طريق مدربين أمريكيين

اليمن.. ميدان المرتزقة الأبرز

في نوفمبر 2015 نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرًا كشفت فيه نشر الإمارات لعدد من المرتزقة في اليمن، قدر عددهم بداية الأمر بنحو 450 مقاتلًا، معظمهم من الكولومبيين، لافتة إلى أن تلك القوة قد تم تدريبها على مدار 4 سنوات كاملة منذ 2011 وحتى 2015 بمعكسر مدينة زايد، إلا أنها زادت فيما بعد حتى تجاوزت 3 آلاف مرتزق.

وقد شارك في التدريبات وفق ما ذكرت الصحيفة الأمريكية القائد السابق بالعمليات الخاصة الكولومبية، أوسكار جارسيا بات، مدير الشركة الكولومبية "جلوبال إنتربرايزس Global Enterprises"، المسؤولة عن توظيف الجنود الكولومبيين السابقين كمرتزقة لصالح الإمارات.

التقرير كشف كذلك عن دور أمريكي قوي في تدريب وتجهيز قوات المرتزقة التي استجلبتها الإمارات من دول أمريكا اللاتينية الأربعة: كولومبيا وتشيلي وبنما والسلفادور، هذا بجانب دخول السعودية على خط الاستقدام الأجنبي كذلك، حيث استجلبت العديد من المرتزقة من بعض الدول أسوة بالإمارات وذلك في 2015.

رفض بعض المرتزقة القتال نيابة عن الجيش الإماراتي في اليمن، كون ذلك يتعارض مع العقود الموقعة معهم التي تشير إلى العمل داخل الدولة وليس خارجها، ما دفع أبو ظبي لإغرائهم بالمال

فيما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عن ضابطين وخبير أمني في ديسمبر 2015 أن الإمارات أرسلت عددًا من المرتزقة الكولومبيين سرًا للقتال نيابة عن جيشها في اليمن، وقدر عدد الدفعة الأولى المرسلة بنحو 300 كولومبي، دفعت لهم مبالغ كبيرة لتجنيدهم وتأهيلهم على أعلى المستويات عن طريق مدربين أمريكيين.

وأوضح أحد الضباط في تصريحاته للوكالة الفرنسية وقتها أن "الجنود الكولومبيين معروفون بمهاراتهم القتالية نظرًا لأنهم تدربوا على قتال المليشيات"، مضيفًا أن لديهم سنوات عديدة من الخبرة في خوض الحروب، ولافتًا في الوقت ذاته إلى أنه غالبًا ما تلجأ شركات الأمن الخاصة في مختلف دول العالم لتوظيف الكولومبيين في مناطق النزاع ومن بينها العراق وأفغانستان والسودان.

الضابط الكولومبي الذي يبلغ من العمر 48 عامًا، تاركًا جيش بلاده للالتحاق بشركة "بلاك ووتر" للأمن الخاص، كشف رفض بعض المرتزقة القتال نيابة عن الجيش الإماراتي في اليمن، كون ذلك يتعارض مع العقود الموقعة معهم التي تشير إلى العمل داخل الدولة وليس خارجها، ما دفع أبو ظبي لإغرائهم بالمال، حيث عرضت دفع 120 دولارًا إضافية في اليوم لحثهم على الذهاب لليمن، وهو ما حدث بالفعل.

وهكذا استطاع أبناء زايد عبر الجنود الكولومبيين وضع اللبنة الأولى لجيشهم من المرتزقة، هذا الجيش الذي يعد الذراع الطولى لتنفيذ الأجندات الخارجية والأطماع الإقليمية للإمارة الخليجية التي تحولت إلى ساحة لتدريب مرتزقة العالم.