جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي السيد مصطفى الكاظمي إلى طهران، لتشكل المحطة الأولى لجولاته الخارجية، بعد أن كانت الوجهة الأولى هي المملكة العربية السعودية، قبل أن يتم تأجيل الزيارة إليها بسبب الوعكة الصحية للملك سلمان بن عبد العزيز.

سبقت هذه الرحلة زيارة قام بها وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى بغداد، للبحث في الملفات التي سيناقشها السيد الكاظمي ف أثناء تواجده في طهران، وإلى جانب ما مثلته زيارة السيد ظريف من تغير كبير في أولويات السياسة الخارجية الإيرانية في العراق، وهو ما عبرت عنه مؤشرات ما بعد الزيارة، وأهمها تحويل ملف العراق من الحرس الثوري للخارجية الإيرانية.

بالتوافق مع التغيير الذي شهدته السياسة الخارجية الإيرانية في العراق، وتحديداً بعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وفشل حلفائها في العراق في فرض السياسات التي تريدها، يأتي المتغير الأمريكي الذي حجم الكثير من الطموحات الإيرانية في العراق في الآونة الأخيرة، سواء على مستوى استهداف الفصائل الولائية المدعومة إيرانياً، أو البدء في حوار إستراتيجي جديد مع الحكومة العراقية، من شأنه أن يعيد هيكلة العلاقات العراقية الأمريكية بطريقة لا تخدم النفوذ الإيراني في العراق، أو قد يدفع بالحكومة العراقية إلى مزيد من الإصلاحات الجريئة التي تحتوي حلفائها في العراق.

وعلى الرغم من تعويل إيران كثيراً على زيارة السيد الكاظمي، وتحديداً عندما يتعلق الأمر بالملفات الاقتصادية والتجارية، إلا إنه بالمقابل كانت هناك أولويات سعى السيد الكاظمي لبحثها مع الجانب الإيراني، ومن خلال متابعة سلسلة الزيارات التي قام بها السيد الكاظمي لطهران، يتضح للمتابع بأن هناك ملفات رئيسية أكد عليها مجموعة من المسؤولين الإيرانيين على النحو الآتي:

الملف الاقتصادي

المتابع للمؤتمر الصحفي الذي جمع الرئيس حسن روحاني والسيد الكاظمي، تتضح له أولويات كل طرف من هذه الزيارة، ففي مقابل تركيز الرئيس روحاني على الجانب الاقتصادي، وضرورة تفعيل الاتفاقيات التجارية مع الجانب العراقي، وإعادة فتح المعابر الحدوية، وإكمال مشروع سكة حديد طهران بغداد، وغيرها من الاتفاقيات التي تسعى إيران إلى إتمامها، وهي أمور متفق عليها في عهد حكومة السيد عادل عبد المهدي، أكد السيد الكاظمي في المقابل على الجوانب السياسية والأمنية، وتحديداً عندما بالجوانب المتعلقة بالدعم الإيراني المقدم للفصائل الولائية في العراق.

بعد ساعات من اللقاء الذي جمع بين خامنئي والكاظمي، أعلن في العراق عن تشكيل فصيل ولائي جديد بإسم (لواء منتقمون)

وعلى الرغم من إلحاح الجانب العراقي على ضرورة أن يكون هناك توافق مع إيران في هذا الملف، إلا إن إجابات الجانب الإيراني جاءت في إطار العموميات التي لا تتمخض عنها أي تعهدات إيرانية قاطعة، فضلاً عن ذلك جاء لقاء السيد الكاظمي برئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في ذات السياق، حيث أكد قاليباف على ضرورة تعزيز العلاقات العراقية الإيرانية في المجالات الصحية والاقتصادية، باعتبار العراق وإيران يعيشان ظروفاً صعبة في هذا المجال، في مقابل عدم الحديث عن الملفات الأخرى. 

مقاومة الأمريكان والانتقام لسليماني

في هذا الإطار أيضاً؛ أشار اللقاء الذي جمع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي بالسيد الكاظمي إلى جانب آخر، وهو التأكيد على أهمية محور المقاومة ومواجهة الأمريكان، والأنتقام لمقتل سليماني، مع تأكيده على عدم التدخل في الشأن الداخلي العراقي، إلا أن تصريحات خامنئي يمكن تفسيرها في إطار أظهار موقف إيراني واضح، بعد المساس بالفصائل المسلحة الموالية لها في العراق، وهو في المقابل مسعى حكومي عراقي لفرض سلطة الدولة، في سياق جهود السيد الكاظمي لحصر السلاح بيد الدولة.

وبعد ساعات من اللقاء الذي جمع بين خامنئي والكاظمي، أعلن في العراق عن تشكيل فصيل ولائي جديد باسم (لواء منتقمون)، والذي قال في بيانه التأسيسي إنه جاء تلبية لدعوة المرشد الأعلى الإيراني خامنئي للانتقام من القوات الأمريكية في العراق، وهو أمر أثار حالة عدم ارتياح من السيد الكاظمي، حسبما أشارت لذلك مصادر خاصة.

فضلاً عن ذلك حاول خامنئي التأثير على السيد الكاظمي بهدف إقناعه بتحويل 6 مليارات دولار من أموال إيران المجمدة في العراق، والتي يتعلق معظمها ببيع الكهرباء والغاز الإيراني إلى العراق عن طريق البنوك الصينية، وهو ما لقي رفضاً من السيد الكاظمي خشية التأثر بالعقوبات الأمريكية.

وجدّد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي شمخاني، خلال لقائه بالسيد الكاظمي، رفض طهران للوجود الأمريكي في المنطقة، وقال شمخاني للكاظمي، وفقاً لما نشرته وسائل إعلام إيرانية، إن "الوجود الأمريكي غير المشروع هو سبب زعزعة الأمن في العراق والمنطقة"، مضيفاً أن "مساعي دول المنطقة لخروج القوات الأمريكية منها بشكل عاجل، ضرورة لا بد منها لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين".

سعى مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي وكذلك وزير الخارجية عثمان الغانمي، لإقناع الأطراف الإيرانية بضرورة الكف عن دعم الفصائل الولائية في العراق

الفصائل الولائية

شكلت الفصائل الولائية إحدى المحاور الرئيسة لزيارة السيد الكاظمي لطهران، وقد اتفق الموقف الإيراني على ضرورة الحفاظ على هذه الفصائل بعيداً عن أي استحقاقات سياسية أو أمنية تقدم عليها الحكومة العراقية، وعلى الرغم من الرسائل غير المباشرة التي مررها المرشد الأعلى وشمخاني، من ضرورة الإسراع بإخراج القوات الأمريكية من العراق، إلا أن السيد الكاظمي يبدو إنه غير متحمس لهذه الخطوة، بناءً على تصريحات أمريكية سابقة، والتي كان آخرها ما أعلن عنه قائد القيادة المركزية الأمريكية كينيث ماكينزي.

وفي هذا المجال سعى مستشار الأمن الوطني قاسم الأعرجي وكذلك وزير الخارجية عثمان الغانمي، لإقناع الأطراف الإيرانية بضرورة الكف عن دعم الفصائل الولائية في العراق، وأن تلعب إيران دوراً في دعم الاستقرار الأمني في العراق، والأكثر من ذلك أشارت بعض المصادر الإستخبارية إلى لقاء سري جمع السيد الكاظمي بقائد فيلق القدس إسماعيل قآني أثناء زيارته لطهران، وطالبه بضرورة لعب دور مهم في كبح جماح الفصائل الولائية في العراق، خصوصاً وإن الأمر يتعلق بالتواجد الأمريكي في العراق، وإن العراق يخوض اليوم حواراً إستراتيجياً مع الولايات المتحدة، من أجل الوصول لصورة واضحة لطبيعة العلاقات العراقية الأمريكية.

وفي مقابل هذه الأدوار الإيرانية التي تطمح الحكومة العراقية بها، قدم السيد الكاظمي تعهدات بعدم استهداف إيران انطلاقاً من حكومته، وأن يلعب العراق دوراً في عدم التضييق على إيران اقتصادياً، وهو ما أشار إليه في المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع الرئيس روحاني، عندما أشار إلى إن إيران وقفت مع العراق في حربه على داعش، والعراق وقف مع إيران في أزمته الإقتصادية.