تعيش تونس أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة فاقمت من تردي الأوضاع المعيشية ومعدلات البطالة ووسعت من دائرة الفقر، وذلك بالتزامن مع أزمة سياسية غير مسبوقة ارتفعت وتيرتها باستقالة رئيس الحكومة إلياس الفخفاخ بشبهة تضارب المصالح، وهو ما يعني أنّ مسار الإصلاح سيضل رهينًا لمدى نجاح هشام المشيشي المكلف حديثًا من قبل رئيس الجمهورية قيس سعيد بتشكيل حكومة جديدة تكون متجانسة وذات حزام سياسي واسع يُفسح لها المجال للتحرك بحرية لإنقاذ البلاد من الانزلاق نحو الإفلاس.

جميع المؤشرات الراهنة تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن تونس تتجه تدريجيًا إلى خريف اقتصادي واجتماعي صعب وساخن، خاصة وأنّ الأحزاب السياسية باختلافها إضافة إلى ساكن قرطاج قيس سعيد، الذي بات هو أيضًا طرفا رئيسيًا في الأزمة، يتعاملون مع الملف الاقتصادي والحراك الاجتماعي من منطلق الحسابات السياسية الضيقة رغم التحذيرات المتواصلة للمؤسسات المالية وللخبراء والمختصين الذي دقوا نواقيس الخطر في أكثر من مناسبة.

 مجلس إدارة البنك المركزي التونسي كشف في وقت سابق عن تقديرات صادمة، إذ توقع تراجع نسبة النمو إلى حوالى 6.5% سلبي، ما سيتسبّب بانكماش اقتصادي حاد، مرجحًا في بيان أصدره، أن تشهد محرّكات النمو الأساسية انخفاضاً كبيراً في نسق تطورها، بخاصة الاستثمار، بسبب الأوضاع الناجمة عن جائحة كورونا وتقلّص حجم المبادلات التجارية مع الخارج الناتج أساساً من تراجع الطلب في منطقة اليورو واستمرار الصعوبات في قطاعَيْ النفط والفوسفات، إضافة إلى حالة عدم الاستقرار السياسي الذي قد يعصف بمساعي الإنقاذ المنتظرة.

كما يتوقع المراقبون أن هذا الانكماش سيجعل من الاقتصاد التونسي في حالة انتظار دائمة لمعجزة من أجل الخروج من دائرة المخاطر، وذلك بسبب انعدام رافعات الإنعاش الذاتية وغياب الإرادة السياسية القادرة على إرساء منوال تنموي قائم على الإصلاح في مرحلة أولى والبناء في مرحلة ثانية، وبالتالي إنقاذها من حالة عدم القدرة على سداد التزاماتها وأمين احتياجاتها إلى الاستقرار والرخاء.

 

من جهة أخرى، فإنّ وضع المالية العمومية التونسية حرج للغاية، فحجم الدين الخارجي وصل إلى مستويات مخيفة، وهو الأمر ذاته بالنسبة للدين الداخلي الذي يؤثر سلبًا على الوضعية المالية والاجتماعية خاصة وأنّه يعيق تمويل الاقتصاد باعتبار أنّ الموارد المعبّأة من طرف الدولة تنقص من السيولة ومن قدرة القطاع المصرفي على التمويل.

ويُتوقع أن تصل ديون تونس بنهاية هذا العام إلى 94 مليار دينار (32.3 مليار دولار)، أي ما يعادل 75.1% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن البعض يرجح أن تتجاوز ذلك السقف بكثير في حال تواصلت الأزمة.

بدوره أكد وزير التجارة السابق والخبير الاقتصادي محسن حسن في تصريحات إعلامية، أن كل التقارير الدولية الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تؤكد أن تونس ستسجل انكماشًا اقتصاديًا في حدود 4.3% سنة 2020، مشيرًا الى نسبة النمو الاقتصادي ستجل تراجعا ب7% لأن قانون المالية لسنة 2020 وقع اعداده على فرضية تسجيل نسبة نمو ب2.7 %، مضيفًا أن هذا التراجع الاقتصادي سيكون له تداعيات اقتصادية و اجتماعية كبرى إضافة الى عديد الصعوبات المالية.

في أرقام

  • تراجع نسبة النمو إلى حوالى 6.5% سلبي
  • تفاقم عجز ميزانية البلاد بنسبة 56 %  )1.4 مليار دولار) خلال النصف الأول من السنة الحالية
  • تراجع المداخيل الجبائية للدولة في الستة الاشهر الاولى من سنة 2020 مقارنة مع سنة 2019  بـ12 %.
  • تراجع النشاط السياحي بحوالي 80 % في موفى ديسمبر 2020
  • ارتفاع نسبة البطالة لنحو 20 مع موفى سنة 2020
  • فقدان أكثر من 270 ألف تونسي وظائفهم بسبب جائحة كورونا والأزمة الاقتصادية
  • تراجع الضريبة على الشركات بنحو 30 % 
  • تراجع الأداء على القيمة المضافة بحو 15.6%
  • تراجع مداخيل المعلوم على الاستهلاك بنحو 8.3 % .
  • تقلص الموارد الذاتية للدولة بنسبة 12 %
  • عجز الميزانية من المتوقع ان يتجاوز 7 %
  • وصول المديونية إلى 85%.

 

إلى ذلك، لا يُمكن إرجاع إن الأزمة الحالية الاقتصاد التونسي إلى جائحة كورونا فالقطاع كان يشكو من مصاعب عديدة ومعقدة ولكنها وصلت إلى مستوياتها القصوى بفعل هذه الأزمة، لذلك فإنّ تداعياتها تفرض على المسؤولين حسن التعاطي مع هذا الوضع بتوفير كل مقدرات البلاد تفادي كل مظاهر الاحتقان والمعارك الجانبية.

 

حكومة المشيشي

رهان التونسيين على حكومة هشام المشيشي ليس مردّه خبرة الرجل في مجال الاقتصاد أو الحوكمة الرشيدة وإنما الوضع الذي آلت إليه البلاد من حالة احتقان سياسي وصل إلى حد تعطيل أعمال البرلمان ورئاسة الحكومة، وبالتالي فإنّ الحكومة التي يعمل على تشكيلها الرئيس الجديد بمثابة الطلقة الأخيرة للأحزاب المسؤولة الأولى عن الاستقرار والتنمية.

ومن هذا المنطلق، فإنّ التحديات الكبيرة أمام الحكومة المقبلة التي يجب أن تعمل على إرجاع نسبة النمو وترشيد النفقات العمومية والمديونية، إلى جانب التحكم في الاسعار ومجابهة الاقتصاد الموازي الذي ينخر الاقتصاد ويستفحل في البلاد، وقبل ذلك كله فإنّها مطالبة بإرساء عقد سياسي يضمن انخراط كل الأحزاب في مرحلة البناء دون إقصاء أي مكون من المكونات بموجب إيديولوجي، وهو ما يعني الخروج من منطق التجاذبات السياسية وصراعات التموقع.

وزير الصحة السابق والقيادي في حزب النهضة عبد اللطيف المكي لم يخرج عن هذا السياق، حيث أكّد  في تدوينة على صفحته بالفيسبوك، أن عواقب الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تشهده البلاد، معتبرًا أن تونس لم يعد يفصلها عن الإفلاس سوى مسافة قصيرة، وأن تواصل الحال على ماهو عليه سيجعل الدولة عاجزة عن دفع ديونها ويعطّل مرافقها الحيوية.

المكي قال أيضًا، أن تونس لا تستطيع التوجه الى التداين الخارجي لأن ليس هناك من يقرض إلا بشروط تمس السيادة و تتسبب في اضطرابات اجتماعية أو إقراض بنسب عالية تزيد الأزمة، مقترحًا في الآن ذاته "وحدة سياسية وطنية بين المكونات السياسية و الاجتماعية و بين مؤسسات الدولة تستند إليها حكومة سياسية لا تقصي إلا من أقصى نفسه، تجمع الكلمة و تفرض الالتزام على الجميع وتكون الرافعة من هذا الواقع الصعب الذي لن يفلح اي احد لوحده في معالجته" .

 

وزير الصحة السابق الذي شُهد له بالحنكة في التعاطي مع جائحة كورونا، ختم تدوينته بالتساؤل: "هل نفعلها وننسى سلوكيات الماضي ونبدأ معارك التنمية والتطوير والإصلاح إم نستمر في السير نحو الهاوية لا قدر الله؟".

الحلول

من الضيم أن تنسب الأزمة الاقتصادية لثورة 14 يناير التي وضعت حدّا للاستبداد والظلم والحكم البوليسي الجائر الذي أرسى بنيانه بن علي طيلة عقود، خاصة أنّ المقارنة بالأرقام لا تستقيم في ظل حرص النظام السابق على تزويرها لتزيين إنجازاته الوهمية، لذلك على المسؤولين الجدد وضع تشخيص حقيقي لوقف النزيف وبرمجة إصلاحات هيكلية في مدة لا تتجاوز السنتين لمنع مزيد تدهور المؤشرات من ناحية الدين والنمو والتضخم المالي، وفي مرحلة أخرى وضع برامج للإصلاحات الكبرى على المدى المتوسط والبعيد.

 

على المدى المتوسط، يجب العودة بالمسار التنموي إلى مستوياته السابقة على الأقل من خلال التحكم في ظاهرة التداين المتسببة في التبعية وفقدان الاستقلالية، إضافة إلى العمل على تحقيق الثروة وتطوير نسق النمو عبر تعبئة موارد الدولة والإسراع في إصلاح آليات جمع الضرائب ودمج السوق الموازية في الدورة الاقتصادية.

في ذات السياق، ما يُعاب على الحكومات السابقة التي أعقبت ثورة 14 يناير، هو تعاملها مع الملف الاجتماعي كورقة مناورة وتفاوض سياسي جعلها تنظر إلى ملف التشغيل كحلول وقتية بدل البحث عن حلول دائمة تقوم على دعم الاستثمار في القطاعين الحكومي والخاص وتطوير القوانين، والأهم من ذلك مقاومة الفساد الذي ينخر المؤسسات وإدارات القطاع العام وهو ما يتطلب عمليات إصلاح واسعة وفتح ملفات العديد من الشركات الكبرى التي تمرّ بظروف صعبة وأزمة مالية وإنقاذها على غرار شركة فسفاط قفصة والخطوط التونسية.

 

على الحكومة الجديدة أن تعي جيدًا أنّ قطاع الاقتصاد دفع ثمنًا باهظا للأزمات السياسية التي مرت بها البلاد على امتداد التسع سنوات الماضية، لذلك فإنّ عملية الإصلاح الشامل تحتاج إلى تنقية مناخ السياسي بدرجة أولى يليه عالم الأعمال وطمأنة المستثمرين للانتصاب في تونس لدفع عجلة التنمية وإنعاش الاقتصاد الراكد.

بالمحصلة، بات من المؤكد أن الأشهر القادمة ستكون صعبة على تونس في ظل تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية مدفوعة بالموجة الثانية لجائحة كورنا، ولكن مبعث الخوف الرئيسي للتونسيين في الوقت الراهن، هو أنّ تتفاقم الأزمة سياسية المزمنة في حال عجز المشيشي عن تشكيل حكومة جديدة وهرب السياسيون كعادتهم إلى الأمام، الأمر الذي يُنذر ببداية حقبة من الاضطرابات وهو سيناريو قاتم إلى أبعد الحدود.