انتشر العرب في ربوع إيران بعد الفتح الإسلامي، وحملوا معهم لغة القرآن الكريم إلى الفرس الذين دخلوا في دين الله أفواجًا، وصارت اللغة العربية لغة الدولة التي يستخدمها العرب والعجم في إدارة شؤونهم وتدوين العلوم والآداب، وهجر أهل البلاد لغتهم الأصلية إيمانًا منهم بأن للعربية فضلًا على سائر اللغات، حتى إن البيروني (ت 440هـ) يقول: "والهجو بالعربية أحب إلي من المدح بالفارسية"، بل كان الواحد فيهم يعتذر في مقدمة كتابه إذا اضطر إلى تأليفه باللغة الفارسية دون العربية.

وظلت اللغة العربية لغة رسمية للبلاد لا تنازعها في ذلك لغة أخرى حتى نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الهجري، حيث أطلت القومية الفارسية في ذلك الوقت برأسها، وبدأ الفرس في العودة إلى لغتهم القديمة كعنصر أساسي من عناصر القومية التي تميزهم عن غيرهم، وعلى الرغم من ذلك فإن اللغة العربية حافظت على مكانتها في العصور التالية كلغةٍ للمثقفين والأدباء والعلماء الذين كانوا يتقنونها، ويتحدثون بها في مجالسهم ومنتدياتهم، وينظمون بها أشعارهم، ويكتبون بها مؤلفاتهم، ويمكننا أن ندرك صدق هذا القول بنظرة على كتاب يتيمة الدهر للثعالبي (ت 429هـ) الذي يذكر فيه مئة وواحدًا وخمسين شاعرًا من أهل إيران الذين نظموا بالعربية في عصره فقط.

وقد احتفظت كتب الأدب والتراجم والسير بنماذج وأمثلة تدل على اهتمام الفرس بتعلم العربية والتفاخر بإجادتها، كقول أبي الفرج الهمذاني:

لئن كنت في نظم القريض مبرزًا     وليست جدودي يعرب وإياد

فقد تسجع الورقاء وهي حمامة       وقد تنطق الأوتار وهي جماد

ولعل ظاهرة "الشعراء ذوي اللسانين" أبرز تجليات التمسك باللغة العربية والاهتمام بها في الأوساط الثقافية والأدبية الفارسية بعد عودة الفرس إلى لغتهم الأصلية وفي العصور التالية، و"ذوو اللسانين" هم أولئك الشعراء الذين كانوا يجيدون النظم باللغتين الفارسية والعربية، مثل: رابعة القزدارية (ت ق4هـ) وسعدي الشيرازي (ت 691هـ) وجلال الدين الرومي (ت 672هـ) وحافظ الشيرازي (ت 791هـ) ونور الدين الجامي (ت 898هـ) وهاتف الأصفهاني (ت 1198هـ) وأديب البيشاوري (ت 1349هـ)، ولبعض ذوي اللسانين ديوانٌ بالعربية وآخر بالفارسية، وللبعض الآخر أشعارٌ عربية متناثرة في ديوانه الفارسي، ولغيرهم أشعار باللغتين حفظتها لنا كتب التراث.

لا يخلو عصر من عصور الأدب الفارسي من الملمعات، فقد ازدهر هذا الفن بعد القرن الخامس الهجري وصار ضربًا من ضروب الشعر الفارسي

ولذوي اللسانين ضربٌ من ضروب الشعر تتجلى فيه براعتهم الأدبية ومقدرتهم اللغوية في مشهدٍ واحدٍ تلتقي فيه اللغتان وتجتمع فيه الفصاحتان، وهو "الملمعات".

و"الملمع" من التلميع، وهو اجتماع لونين أو صنفين مختلفين في شيءٍ واحدٍ، وهو من الصناعات الشعرية عند الفرس التي يمتزج فيها الشعر الفارسي بالعربي في قصيدة ينظمها الشاعر على وزنٍ واحدٍ وقافيةٍ واحدةٍ، وساعدهم على ذلك استخدام الفرس لأوزان الشعر العربي وكتابتهم اللغة الفارسية بالأبجدية العربية.

وللملمع أشكال عديدة، منها أن يقول الشاعر مصراعًا عربيًا وآخر فارسيًا أو العكس، كقول الجامي:

لاح برق يهيج الأشواق        تازه شد درد عشق و داغ فراق

من كه و خنده نشاط اي صبح        خل عيني ودمعي المهراق

أو أن يقول الشاعر بيتًا عربيًا ويتبعه بآخر فارسي، كقول الشاعرة رابعة القزدارية:

شاقني نائحٌ من الأطيار        هاج سقمي وهاج لي تذكاري

دوش بر شاخك درخت آن مرغ     نوحه ميكرد وميگريست بزاري

قلت للطير لم تنوح وتبكي           في دجي الليل والنجوم دراري

من جدايم ز يار، از آن مي نالم        تو چه نالي كه با مساعد ياري

ويجوز للشاعر أن يزيد على ذلك، حتى إن بعضهم قال عشرة أبيات عربية ثم أعقبها بعشرة أبيات فارسية، وقد لا يتقيد الشاعر بترتيب خاصٍ للغتين في ملمعاته.

ويعود ظهور الملمع في الأدب الفارسي إلى أواخر القرن الثالث الهجري، وهي الفترة التي عاد فيها الفرس إلى نظم الشعر بلغتهم الأصلية في بلاطات ملوك الدول الفارسية التي ظهرت داخل حدود الخلافة الإسلامية القائمة في بغداد، كالصفارية والسامانية والغزنوية، ويرى البعض أن السبب في ظهور هذا الفن هو إتقان الشعراء الفرس الأوائل للغة العربية ومعرفتهم الواسعة بالشعر العربي وفنونه.

وأقدم ملمع ذكرته لنا كتب البلاغة والأدب هو ذلك المنسوب إلى الحكيم والشاعر المعروف أبي الحسن الشهيد البلخي (ت 329هـ)، الذي يقول فيه:

يرى محنتي ثم يخفض البصرا    فدته نفسي تراه قد سفرا

داند كز وي به من همي چه رسد  ديگر ز عشق بي خبرا

أما يرى وجنتي من عصره   وسايلًا كالجمان مبتدرا

چو سد يأجوج بايدي دل من   كه باشدي غمزگانش را سپرا

فضاع حلمي وخانني جلدي    ومن يطيق القضاء والقدرا

ولا يخلو عصر من عصور الأدب الفارسي من الملمعات، فقد ازدهر هذا الفن بعد القرن الخامس الهجري وصار ضربًا من ضروب الشعر الفارسي وقوالبه العديدة، ونظم فيه شعراء كبار مثل السنائي (ت 545هـ) والخاقاني (ت 595هـ) والفاريابي (ت 598هـ) وفخر الدين العراقي (ت 688هـ) والأمير خسرو الدهلوي (ت 725هـ) والجاجرمي (ت 750هـ) وخواجو الكرماني (ت 753هـ) والخجندي (ت 808هـ) وغيرهم، وأكثر شعراء الفرس نظمًا للملمعات هو جلال الدين الرومي، فقد نظم ما يقرب من 500 بيت موزعة على 66 ملمعًا، بالإضافة إلى أشعاره العربية الأخرى.

ويعد سعدي الشيرازي واحدًا من أبرز الشعراء ذوي اللسانين الذين نظموا الملمعات، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، وذلك لتمكنه من اللغة العربية التي تعلمها وأجاد علومها المختلفة في أثناء تلقيه العلم في المدرسة النظامية ببغداد، وهو ما يبدو من أشعاره العربية الكثيرة التي يحتوي عليها ديوانه، ومن ملمعاته قوله:

تو خون خلق بریزي و روي درتابي    ندانمت چه مکافات این گنه یابي

تصد عني فی الجور والنوی لکن    إلیک قلبي یا غایة المنی صاب

چو عندلیب چه فریادها که می‌دارم    تو از غرور جواني همیشه در خوابي

إلی العداة وصلتم وتصحبونهمو   وفي ودادکمو قد هجرت أحبابي

وخلاصة القول إن الملمعات تعد إضافة قيمة إلى ديوان الشعر العربي، بقالبها الجديد الذي لم يعتده العرب، وبمضامينها التي يحتوي كثير منها على أفكار ومتع عقلية وطرف فنية لم يألفها العقل.