مبنى ماسبيرو (القاهرة)

قبل أربع سنوات تقريبًا وأثناء متابعة إحدى البرامج على قناة فضائية مصرية خاصة، لفت نظري لغة الخطاب الحادة التي استخدمتها مقدمة البرنامج مع ضيفها عبر الهاتف، والذي كان يعمل دبلوماسيًا لإحدى البلدان العربية في مصر، الأمر الذي دفعه لغلق الهاتف في وجه المذيعة ملوحًا باتخاذ الإجراءات اللازمة.

ونظرًا لأن موقف كهذا لايمكن أن يمر مرور الكرام فقد تابعت تفاصيله بدقة، واتصلت بمقدمة البرنامج والتي كانت زميلة لي داخل كلية الإعلام جامعة القاهرة قبل عشرين عامًا، وإذ بها تخبرني أنهم قد أوقفوها عن العمل بعدما كاد أن يثير أسلوبها أزمة دبلوماسية بين مصر وبلد هذا الدبلوماسي.

في هذا التوقيت كنت أفكر في موضوع أكاديمي لتقديمه لنيل درجة الماجستير في الجامعة، وكان يداعبني فكرة أن أختار مادة بحثية تتوافق وطبيعة عملي، وبالفعل وجدت فيما حدث من الزميلة المذيعة وضيفها الدبلوماسي فرصة ذهبية، وعلى الفور هاتفت الأستاذة المخولة بالإشراف علي في مرحلة الماجستير وتحدثنا في فكرة البحث التي تمحورت حول موضوع المعالجة الإعلامية للفضائيات المصرية للقضايا العربية، وكيف يرى الدبلوماسيون العرب في مصر تلك المعالجة وماهو تقييمهم لها، ومقترحاتهم المقدمة لتحسين معدلات الأداء العام.

الفكرة لاقت ترحيبًا كبيرًا من قبل العديد من الأساتذة كونها أول تحرك عملي لتقييم الأداء الإعلامي الفضائي المصري من وجهة نظر الدبلوماسيين العرب الموجودين في القاهرة، بعيدًا عن التقييمات المعلبة القادمة من الشركات الأجنبية التي تفتقد للموضوعية بسبب خضوعها لمعايير الدعاية والإعلان والمكاسب المادية.

فالوقوف على رؤية وأراء نخبة الدبلوماسيين تجاه طبيعة المعالجة الإعلامية للفضائيات المصرية للقضايا العربية سيكون دليلا إرشاديًا يمكن الاعتماد عليه في وضع الخطط والاستراتيجيات والسياسات المستقبلية بما يحقق الإعلام المصري أهدافه الخارجية لاسيما بعدما بات الإعلام أحد أهم أدوات تحقيق السياسة الخارجية للبلدان.

ولعل النتائج التي من الممكن أن تصل إليها بلورة تلك الفكرة وتحويلها إلى رسالة علمية تعيد رسم الخارطة الإعلامية في المنطقة مرة أخرى بعدما تراجعت مكانة مصر وريادتها التي ظلت لعقود طويلة، غير أن الوضع تبدل مؤخرًا بصورة لافتة، فيكفي أن مايزيد عن 600 قناة فضائية مصرية لا تقوى على مواجهة قناة واحدة مثل الجزيرة أو العربية أو بي بي سي.

150 دبلوماسي... معضلة كبيرة

وبالفعل تم اعتماد موضوع الرسالة والذي كان تحت عنوان (اتجاهات الدبلوماسيين العرب في مصر تجاه معالجة الفضائيات المصرية لقضايا بلدانهم) والتي هدفت وفق ما أشارت في فصلها المنهجي إلى معرفة تلك الاتجاهات للوقوف عليها من أجل إعادة النظر في السياسة الإعلامية الموضوعة بما يمكن الاستفادة بها تعزيزًا لمفهوم الإعلام الدبلوماسي ودوره المؤثر في الأونة الأخيرة

غير أن عينة البحث كانت المعضلة الأكبر، فمن أجل الخروج بنتائج شبه موضوعية لابد من اختيار عينة ممثلة لمجتمع العينة بصورة قريبة نسبيًا، والمجتمع هنا (الدبلوماسيون) يعد من المجتمعات البحثية المعقدة نظرًا لصعوبة الوصول إليه، بجانب امتناع الكثير من أعضاءه عن الحديث إلا بأوامر مسبقة من خارجية بلدانهم.

وبعد مايزيد عن عامين كاملين تم الوصول إلى عينة البحث والتي كانت تتضمن  (150) دبلوماسيًا (سفير – قنصل – أعضاء المكاتب الإعلامية بالسفارات) من عدد من الدول العربية، عبر استبانة بحثية مدون بها عدد من الأسئلة التي هدفت إلى معرفة نظرة الدبلوماسيين العرب للإعلام المصري بصفة عامة.

سعينا في الاستبانة البحثية المقدمة إلى طمأنة المبحوثين (السفراء) بأن إجاباتهم ستكون سرية وذلك بعدم ضرورة تدوين أسمائهم أو السفارات التابعين لها، في محاولة للخروج بإجابات أكثر شفافية ومنطقية وواقعية بعيدًا عن المجاملات التي ربما تقدم نتائج غير حقيقية على أرض الواقع.

وبالفعل جاءت إجابات الدبلوماسيين لتعكس الواقع المعاش إعلاميًا وتؤكد على عشرات المناشدات التي قُدمت خلال السنوات الأخيرة بإعادة النظر في المنظومة برمتها، كما وثقت بشكل كبير حجم الفجوة الهائل بين الإعلام المصري والمعالجة الموضوعية للقضايا العربية، والتي غلب عليها التسييس في معظم الأحيان.

الوضع السياسي في مصر والموقف الرسمي حيال بعض القضايا وبعض الدول كان له تأثيره الواضح على الخطاب الإعلامي الموجه، حيث تبنت معظم القنوات هذا الخطاب بشكل ممنهج، الأمر الذي أثر بطبيعة الحال على نوعية المعالجة الإعلامية

الإعلام الرسمي الأكثر مشاهدة

الدراسة توصلت إلى ارتفاع نسبة مشاهدة الدبلوماسيين العرب للقنوات الفضائيات المصرية، حيث جاءت قنوات ("النيل للأخبار" و"الأولى المصرية") في مقدمة القنوات الفضائية المصرية التي يتابع من خلالها الدبلوماسيين العرب الأخبار والاحداث العربية، وهذا على عكس ما كان يتوقعه الكثيرون نظرًا لأن مثل تلك القنوات لم تحظى بالمتابعة الكبيرة من قبل المصريين أنفسهم.

وتعد هذه النتيجة منطقية للغاية في ضوء طبيعة عمل الدبلوماسيين، حيث من المقرر معرفة توجهات الدولة المضيفة من خلال إعلامها الرسمي الذي يمثلها في الغالب، ويمكن الاستناد إليه في قراءة السياسة الخارجية للدولة، مقارنة مثلا بالإعلام الخاص، وليس لهذا علاقة بمدى كفاءة أو موضوعية الوسيلة.

ولعل هذه النتيجة تتفق بشكل كبير مع تفاصيل المشهد المعقد بطبيعة الحال، حيث يخضع الخطاب الإعلامي لتلك القنوات الرسمية إلى المراقبة ولو كانت بنسب قليلة، مقارنة بالقنوات الخاصة التي يُفتح لها الأبواب على مصراعيها لتعزف ما تريد في أي وقت وبأي طريقة دون أي محاسبة.

ونظرًا لهذه الاستراتيجية تعرضت مصر للعديد من الأزمات الدبلوماسية مع بعض الدول كما حدث مع إثيوبيا والمغرب قبل أربعة أعوام تقريبًا، الأمر الذي ردت عليه القاهرة وقتها بأن ماحدث خرج عن قنوات خاصة لا تمثل وجهة النظر الرسمية للدولة، وهو ما أخذ على الإعلام المصري آنذاك.

الدبلوماسيون العرب والإعلام المصري

الوضع السياسي في مصر والموقف الرسمي حيال بعض القضايا وبعض الدول كان له تأثيره الواضح على الخطاب الإعلامي الموجه، حيث تبنت معظم القنوات هذا الخطاب بشكل ممنهج، الأمر الذي أثر بطبيعة الحال على نوعية المعالجة الإعلامية، ما أوقع الفضائيات في فخ التحيز وفقدان المصداقية، وهو ما كشفته نتائج الدراسة.

وعلى عكس المعمول به في معظم دول العالم حيث يقوم الإعلام بدور القوى الناعمة التي تحقق التوازن والتكامل مع توجهات الدولة كنوع من الضغوط الدبلوماسية لتحقيق مبدأ "الشد والجذب" في الخطاب الموجه لدول بعينها، كان الإعلام المصري يسير على نفس خطى الموقف الرسمي للنظام دون أي مواربة، ما نتج عنه فقدانه لشريحة كبيرة من متابعيه لحساب قنوات أخرى تعوضهم بالجرعات الإعلامية التي يبحثون عنها.

نوعية القضايا المطروحة والمساحات المخصصة لها كانت على رأس التحفظات التي أبداها الدبلوماسيون، حيث غياب التوازن وتجنب المشاركة الجماهيرية والتعامل مع القضايا العربية بنوع من ازدواجية المعايير، هذا بخلاف الاستعانة بضيوف غير مؤهلين ويفتقدون للحد الأدنى من الخبرة اللازمة للبت في ملفات بعينها.

أثر غياب الكفاءات الإعلامية المؤهلة على طبيعة الخطاب وأسلوب معالجته، بجانب قلة الموارد المتاحة مقارنة بالقنوات الفضائية العربية الأخرى، كل هذا كان له أثره السلبي على الأداء العام للمنظومة، وهو ما تعكسه التقارير الدولية بشأن مستوى الحريات الإعلامية المسموح بها في مصر والتي تراجعت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة.

الأوضاع الحالية باتت في أمسً الحاجة لتدشين معهد للإعلام الدبلوماسي يختص بتدريب الإعلاميين العاملين في هذا المجال وتهيئتهم للقيام بالدور الدبلوماسي خلال تغطيتهم للقضايا ذات الشأن العرب

الإعلام المصري إلى أين؟

وأمام هذه الوضعية الصعبة التي يحياها الإعلام المصري والموثقة بشهادات الدبلوماسيين العرب، هناك العديد من التحديات التي يجب على القائمين على الشأن الإعلامي في مصر التعامل معها إن أردوا استعادة الريادة مرة أخرى على رأسها ضرورة توفير الإمكانيات المادية اللازمة للقنوات الفضائية المصرية للقيام بدورها على اكمل وجه فيما يتعلق بالمكاتب في البلدان العربية والمورد البشري العامل بها.

كذلك إعادة النظر في السياسات الإعلامية الخاصة بشأن البرامج المتعلقة بالقضايا العربية، وضرورة أن تكون متوازنة بعيدًا عن أي تحيزات هنا وهناك، وتدريب الإعلاميين العاملين في البرامج ذات الشأن العربي على العمل الدبلوماسي من خلال دورات تدريبية في دبلوماسية الإعلام وكيفية التعامل مع الملفات العربية لاسيما التي تحمل أكثر من رؤية وتوجه سياسي.

علاوة على التشديد على ضرورة استضافة ضيوف متخصصين في الملفات التي يتم مناقشتها في البرامج ذات الشأن العربي، حتى لو من البلدان محل الحدث نفسه، تجنباً لعدم التسطيح في التناول وهو أحد الانتقادات الأبرز للدبلوماسيين العرب العاملين في مصر، بجانب إعادة النظر في خارطة أولويات القضايا العربية التي يتم التطرق إليها في الفضائيات المصرية، بحيث تكون الأسبقية للقضايا ذات الشأن العربي البحث بعيدًا عن القضايا العامة، بما يربط الدبلوماسيين العرب أكثر بتلك القنوات.

وطالبت الدراسة  بضرورة مراعاة التوازن في عرض القضايا العربية بصرف النظر عن الموقف السياسي منها، في محاولة لتقديم مادة إعلامية موضوعية، تكتسب احترام الجميع، وتضع الفضائيات المصرية في مصاف الفضائيات العربية والأجنبية ذات الريادة في المنطقة، مع ضرورة إعطاء المزيد من الأهمية لتطوير القنوات الحكومية الرسمية ، وإعطاءها استقلالية أكبر في سياساتها الإعلامية والمالية بما يضعها على خارطة المنافسة.

وفي النهاية فإن الأوضاع الحالية باتت في أمسً الحاجة لتدشين معهد للإعلام الدبلوماسي يختص بتدريب الإعلاميين العاملين في هذا المجال وتهيئتهم للقيام بالدور الدبلوماسي خلال تغطيتهم للقضايا ذات الشأن العربي، تجنبًا للوقوع في العديد من الأخطاء التي قد تؤثر على علاقات الدولة بأشقائها كما حدث قبل ذلك ولا زال يحدث حتى اليوم.