الخيبة لم تعد الكلمة الكافية للتعبير عن الأمل الذي تلاشى بعد انكشاف السقوف الواطئة التي يتحرك تحتها الرئيس موهمًا الناس بإعادة اكتشاف السياسة. السؤال الذي يردده التونسيون كل صباح وبعد كل ظهور للرئيس يتساءل الناس من هذا؟ وماذا يريد؟ وباء كورونا يفتك بالبسطاء العاجزين دون الكلفة الطبية في القطاع الخاص والطب العمومي تتحكم فيه النقابات وتطرد المرضى عن أبواب المشافي والرئيس مشغول بصلاحيته أن يقضم منها رئيس الحكومة أو رئيس البرلمان، يريد أن يتوسع على حسابهما خارج أحكام الدستور فإذا أظهرا رفضًا استحضر حديث المؤامرة.

وكلما خرج على الناس شعروا بأنه ضرة تخاصم ضرائر، ماذا يريد الرئيس؟ وما مشروعه؟ بل من هذا الرئيس؟ رغم مشروعية السؤال الشعبي فإننا نجد الحديث عن الرئيس مملًا، لكم حديث هذه الورقة مليء بالشجن.

لا مشروع ولا رئيس

حقيقة نرفض الإقرار بها بعد سنة من انتخابه، حقيقة تشعرنا بأننا تعرضنا إلى خديعة انتخابية، لقد باعنا الرجل وهمًا فهو المقاوم الذي يناصر الحق والعدل وهو ابن الشعب الفقير الذي لم يلغ في المال العام، صورة مما أوهمنا فاخترعنا له لنذهب إلى صندوق الانتخاب فخورين، فإذا نحن الآن نصفع وجوهنا لا هو مقاوم ولا هو ابن الشعب الذي يشعر بألمه ويخرج إليه ليطمئنه من تفشي الوباء ولا يستخدم سلطته المتاحة ليوقف عبث النقابات بالاقتصاد وخاصة بالمناجم، أي خديعة هذه؟ ومن سوق لها؟

نتبين بعد أن ليس للرجل مشروع سياسي ولا خريطة طريق للسنوات الخمسة من حكمه، إنه يتقن فقط تأنيب التلاميذ الخائبين، لقد أمسك بخناق رئيس البرلمان وأدبه على تجاوز صلاحياته ثم اكتشف سلطته الافتراضية على رئيس الحكومة فقرعه على الهواء مباشرة، ربما فعل هذا يومًا في المدرج الجامعي بكلية الحقوق حين كان رئيس الحكومة تلميذه، لكنه لم يره رئيس حكومة مكلف من قبله وأن الوضع تغير.

وجد نفسه فجأة رئيسًا لأساتذته، فهو ينفس عقدة المساعد الجامعي المضطهد المقهور سابقًا ليثبت أنه يملك النص القانوني

يدعو الوزراء إلى القصر دون الرجوع إلى رئيسهم فيملي عليهم فيختلط الأمر بين أوامره وواجبات الانسجام الحكومي حتى يدفع رئيس الحكومة إلى إعادة ترتب أمر حكومته (بيان الحكومة يوم الـ30 من شهر سبتمبر/أيلول يكشف صراع نفوذ سيكبر ويهلك الحرث، اسمعوا الرئيس ولكن بعد إذني ثم قدموا لي تقريرًا عما يريد)، لقد بات الشعب يسأل من يحكم البلد الآن؟ الشعب يواجه كورونا واضطراب الرئيس ولا يعرف ما الذي يحصل، حيرة مطلقة وتقدم نحو المجهول.

هل هي عقدة المعيد؟

في التقاليد الجامعية يمارس الأساتذة الكبار نوعًا من الاستعباد على المساعدين الجامعيين أو المعيدين من شرّاح الدروس الكبيرة والتأسيسية في كل مادة، وقد قضى الرئيس ردحًا من الزمن مساعدًا جامعيًا (لم يحصل على الدكتوراة ليرتقي في الرتب الجامعية إلى درجة أستاذ وظل ينفذ أوامر أساتذته بما في ذلك أشغال نسخ الدروس وتوفير الببليوغرافيا للأستاذ مالك الدرس).

كثيرون تحول عندهم الأمر إلى عقدة نقص ويبدو أن الرئيس يعيشها بشكل دراماتيكي وهو يمارس الآن الانتقام، فقد وجد نفسه فجأة رئيسًا لأساتذته، فهو ينفس عقدة المساعد الجامعي المضطهد المقهور سابقًا ليثبت أنه يملك النص القانوني وقد صار به رئيسًا، لكنه يفشل في تأويل النص واقعيًا، ولو قيم أساتذته مدى التزامه بالدستور لأسقطوه في الامتحان النظري قبل السؤال الشفهي، فما ذنب الشعب إذا كان الرئيس عجز عن إكمال دراسته؟ نحن نتحمل الآن عقدة النقص الرئاسية وندفع ثمنها.

سيدي الرئيس من أنتم؟

دلنا عليك لنواصل بعض الإيمان أننا في دولة ولها رئيس منتخب ولها مؤسسات تقاوم الوباء والبطالة والفقر وتصلح المؤسسات العمومية المنهارة. أنت لا تتدخل في المكان الذي ننتظرك فيه كأن تأمر القوة العامة التي تحت إمرتك لتعيد ترتيب أمور الفوضى في المناجم وفي منطقة النفط بالجنوب، أنت صامت بل تختلق حديثًا آخر، لتهرب من الحديث الأصلي.

كنت تحدثنا على أن التطبيع خيانة عظمى فإذا أنت تصمت وتبرر للمطبعين وتزكي فعلهم وقد أخجلتنا أمام شباب فلسطين

الناس ينتظرونك في مقاومة وباء كورونا المتفشي كالنار في الهشيم، لكنك تتحدث بلغة (يبدو أن) عن أحكام الإعدام. سيدي حكم الإعدام يصدره قاضٍ مستقل ولا ينفذ إلا بإذنك، فلماذا تتدخل في القضاء وتحاول ربح المزاج الشعبي المجروح من حادثة اغتصاب وقتل وأنت تعلم أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؟ التهرب من المسؤولية الفعلية باختلاق معارك وهمية لسد الفراغات التي تبينت لك بعد الخطاب الانتخابي الخادع، هذا هو العنوان أو اليافطة الذي نجدك تسير تحتها، انتظارات الشعب في واد وأنت تهيم في واد آخر، لذلك فالشعب (المسكين الذي انتخبك) يريد أن يفهم الرئيس، فمن أنت؟ وماذا تريد؟

بعد عام معك نعلن الندم

نعم لقد ندمنا سيدي على انتخابك، خذلتنا في مواضع انتظرنا فيها نصرتك، بعد عام ماذا فعلت في قضايا الإرهاب وفتح ملفاته وهو من مشمولات الأمن القومي أي نفوذك المطلق؟ كنت تحدثنا زمن الانتخاب عن الدبلوماسية الاقتصادية فلم نرك إلا في جنازة السلطان قابوس. 

كنت تحدثنا على أن التطبيع خيانة عظمى فإذا أنت تصمت وتبرر للمطبعين وتزكي فعلهم وقد أخجلتنا أمام شباب فلسطين الذي احتفل بانتصارك وأحسن بك الظن.

سيدي إنه حول يمر على حكمك وقد حق لنا أن نقيم ما فعلت، وقد بدأنا فإذا نحن في سؤال أساسي: من أنت؟ وماذا تريد؟ نحن لم نفهمك خلال سنة ولا أمل لنا أن نفهمك في باقي مدتك، لكن مثلما ترانا في قصرك هناك قصر الخيبات الكبرى نستسلم لقدرنا أمام الوباء سنسلم لك ونسير في الحياة خائبين، لقد انتخبنا الرجل الذي يرانا نموت ولا يتدخل، تمتع بالقصر سيدي بعد مسرحية السكن في الحي الشعبي، فالشعب يريد أن ينجو من الوباء فقط، لكنه يتعلم جمع الوباء على أوبئة وسينطقها متفاصحًا مثلك ولا يمكنك التخمين إن كان يعنيك كما يعني الكورونا.