ترجمة وتحرير نون بوست

خلال الأسبوع الماضي، أصبحت مريم المنصوري، ربما بشكل مؤقت، وجه التحالف الدولي الذي يقصف مناطق واسعة من الشرف الأوسط بعد تعهد باراك أوباما بتحليل وتدمير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش).

الأم البالغة 35 عاما من أبوظبي هي أول ضابطة في سلاح الجو الإماراتي، تقول التقارير أن المنصوري هي التي قادت الضربات الجوية ضد أهداف داعش في سوريا.

بعد هذا الكشف، دخلت وسائل الإعلام الاجتماعية في نوبة من النشوة! أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى “فرحة العديد من مستخدمي الإنترنت بدور المنصوري في الحرب ضد داعش”

يوم 24 سبتمبر، كتبت علا عبدالحميد، وهي مساعدة باحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى قائلة “هاي داعش، لقد قصفتكم امرأة! يوما سعيدا!”
المركز البحثي الصهيوني الكبير الذي تعمل فيه علا يستخدم هذه الوسائل الخفية لإثارة مشاكل مع إيران على سبيل المثال، وأهدافهم المتعلقة بحقوق المرأة، محدودة تماما!

فلم يتحدث المركز مثلا بأي شكل عن القتل الإسرائيلي الوحشي للنساء في قطاع غزة ولم يعتبره انتهاكا للأنثى التي يعترف بها المركز.

تغريدة أخرى من امرأة عرفت نفسها على أنها “متخصصة في العلاقات الدولية، ومقيمة بأبي ظبي”، قالت “التقطوا هذا أيها الإرهابيين العنصريين ناحية النساء، سيدات الإمارات تمطركم بالمساواة!”

بطبيعة الحال، القتلى المدنيون في هذه المعركة هم مجرد أضرار جانبية لابد منها لتحقيق العدالة الثورية الذي تقوم به “سيدات الإمارات”. والحقيقة أن النساء السوريات على الأرض لن يلتقطن تلك المساواة، بل ستزداد فرصهن في الموت قصفا!

وفي فيديو انتشر بشكل أوسع من قناة فوكس نيوز، قالت المذيعة كيمبرلي غيلفويل إنها “متحمسة جدا” بخصوص إنجازات المنصوري، لتضيف في لهجة نصف متحمسة نصف مهددة “كنت أتمنى لو كانت مريم طيارة أمريكية، ربما كان ذلك ليكون أقسى وقعا على داعش، ففي بعض الدول العربية لا تستطيع النساء أن تقود السيارة حتى!”

هذه الدولة هي المملكة العربية السعودية، والتي -للمفاجأة- هي شريك رئيسي في التحالف المناهض لداعش. وعلى الرغم من أن الدعم الفكري السعودي قد ساهم بشكل ما في تشكيل داعش، إلا أن الأثر الأمريكي في هذا الصدد لا يمكن مقارنته بأي أثر آخر!

كما فصل الصحفي باتريك كوكبرن في كتابه “عودة الجهاديين: داعش والانتفاضة السنية الجديدة”، ساعد التمويل السعودي الجهاديين، لكن الدعم المسلح من الولايات المتحدة هو ما سمح في النهاية لتلك المجموعات بامتلاك أسلحة شديدة التطور.

غيلفويل تمضي لتصف المنصوري بأنها “سيدة الحرية”، وهذا اللقب لا يمكن أن توصف به الإمارات! ما نعنيه يمكنك فهمه من قراءة هذا المقطع من تقرير لهيومان رايتس ووتش:

“كثير من العاملات في المنازل في الإمارات العربية المحتدة يعانين من عدم دفع أجورهن، والحرمان من الطعام، ويقاسين من ساعات العمل الطويلة والحبس القسري والاعتداء الجسدي والجنسي. هناك عقد موحد لعاملات المنازل منذ 2007، لا يحدد ساعات العمل ولا ينص على يوم راحة أسبوعي، ولا يعوض العمال إذا ما عملوا لساعات أكثر”

العمال والعاملات المهاجرين إلى الإمارات يتحملون الإيذاء البدني الذي تقره الدولة التي أخرجت لنا “سيدة الحرية!”، والمفترض أن نصدق أن الإمارات ستنعم على السوريات بالحرية التي لا يراها المقيمون في دبي وأبوظبي!

في 26 سبتمبر كتب ماكس فيشر مقالا بعنوان “التعالي والعنصرية وراء المديح الأمريكي للطيارة الإماراتية التي قصفت داعش”، ويمكنك أن تتوقع أن المقال سيقدم نقدا لما قاله الأمريكيون مثل غيلفويل وغيرها، لكن كما اتضح، لم يكن ذلك هو هدف المقال.

يتحدث المقال عن التقدم الذي حققته الإمارات في معاملة النساء، وهذا يفترض أن الإسلام أو أن العالم الإسلامي بطبعه معاد للنساء! كما أن فيشر في مقاله يمدح بشكل أو بآخر تلك الصيغة من الحرب الإمبريالية، ويظهر في النهاية أن الحرب هي شيء جيد طالما أن الجميع -نساء ورجالا- يحصلون على فرصة في المشاركة فيها.

لا يمكن بالطبع إنكار ما يقوله فيشر عن أن الصور النمطية الغربية عن المسلمين تحمل الكثير من التعالي والعنصرية، لكن حديثه عن أن هناك انتصارا للنسوية وامتهانا لداعش بما فعلته المنصوري، لا يعبر إلا عن استجابة متطابقة تقريبا للأخبار عن وجود طيارات غربيات بين الطيارين الذين يقصفون العرب والمسلمين.

في 2002، على سبيل المثال، كتب توماس فريدمان للترويج للحرب يقول عن طيارة أمريكية ألقت قنبلة زنة 500 رطل على قافلة شاحنات لطالبان، كتب يقول: “وبينما تتبخر القافلة، صاحت الطيارة وهي تنظر للأسفل وكأن قتلي طالبان سيسمعونها من على بعد 20 ألف قدم: لقد قُتلتم للتو على يد فتاة!”.

هذا النوع من التهكم يعكس نظرة غريبة! يظهر أن تمكين الإناث يعني إعطائهم قنبلة يسقطونها لتدمر الصورة النمطية عن المرأة باعتبارها الجنس الأضعف!
ونظرا للدور الإماراتي في الحرب كجزء من التحالف، فمن المستحيل الاحتفال بما فعلته المنصوري باعتباره إنجازا فرديا، أو بعزله عن سياقه الأوسع من الإمبريالية في الشرق الأوسط.

تُعد الإمارات مشتر رئيسي للأسلحة الأمريكية، بما فيها الطائرة F16 التي تقودها المنصوري، كما أن أبوظبي تستضيف تجليات أخرى للمجمع العسكري الصناعي الأمريكي، من بينها مجموعة من المرتزقة شكلها الملياردير إريك برينس، مؤسس شركة بلاك ووتر.

في حين أن سجل إنجازات بلاكووتر يشمل ذبح المدنيين العراقيين، إلا أنه تم تدريب قوة للتعامل مع تهديدات مختلفة قليلا. فوفقا لما نشرته نيويورك تايمز في 2011، فإن تلك المرتزقة يمكن نشرها إذا واجهت الإمارات اضطرابات من العمال أو احتجاجات مطالبة بالديمقراطية.

في برقية أرسلتها السفارة الأمريكية في أبوظبي عام 2009، وكشفتها ويكيليكس، يظهر أن ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، يرى أن منطق الحرب هو المسيطر على المنطقة، وهذا ما يفسر تفكيره المهووس ببناء قواته المسلحة.

العسكرة بهذا الهوس هي السبيل الأجدى لضمان بقاء منطق الحرب سائدا. كما أن فتح الباب لانضمام النساء إلى القتال قد يكون إشارة اعتراف على المزايا العددية وتحسين لصورة الحرب، وليس أبدا اعترافا بحقوق النساء!

رويترز ألمحت إلى نقطة منطقية أخرى في سبتمبر، وهي “أن هناك زيادة في دعم الدولة الإسلامية بعد أن بدأت الضربات الأمريكية في العراق، والاعتقاد بأن داعش قد تختطف المزيد من الرهائن في محاولة لإجبار واشنطن على تقديم تنازلات”،

المصدر: ميدل إبست آي