الرئيس الفرنسي ماكرون ونظيره المصري السيسي

وصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى العاصمة الفرنسية باريس في زيارة رسمية تستغرق 3 أيام، يلتقي خلالها نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، لبحث سبل التعاون المشترك بين البلدين ومناقشة العديد من الملفات الإقليمية في ظل المستجدات الأخيرة.

ومن المقرر أن يعقد السيسي وماكرون قمة مشتركة اليوم في أول لقاء مباشر بينهما منذ اجتماعهما في القاهرة قبل نحو عامين، هذا اللقاء الذي كشف عن خلافات البلدين بشأن المسائل المتعلقة بحقوق الإنسان، الأمر الذي يدفع الأنظار باتجاه تلك القمة وما يتمخض عنها.

تأتي الزيارة في وقت تشهد فيه القاهرة وباريس أوضاعًا حقوقية متردية، فبينما يواصل نظام السيسي قبضته الحديدية ضد المعارضين للعام السابع على التوالي، يحتدم الشارع الفرنسي بالصدامات العنيفة بين الشرطة والمحتجين الرافضين لقانون الأمن الشامل المُقر مؤخرًا والمرفوض شعبيًا وحقوقيًا.

إدانات حقوقية واسعة النطاق للرئيس الفرنسي بسبب استقبال نظيره المصري الماضي قُدمًا في الانتهاكات الممارسة بحق النشطاء والمعارضين والإعلاميين في بلاده، فيما طالبت العديد من المنظمات الحقوقية بموقف حاسم تجاه نظام القاهرة لوقف تلك الانتهاكات والإفراج عن كافة المعتقلين في قضايا الرأي.

6 ملفات على طاولة الاجتماعات

التطورات التي تشهدها الساحة الإقليمية والدولية في الأونة الأخيرة أحدثت تقاربًا ملحوظًا في العلاقات بين نظامي ماكرون والسيسي، والذي جاء بالطبع على حساب الملف الحقوقي الذي غضت فيه فرنسا الطرف عن حليفها المصري رغم الإدانات الدولية الموثقة.

وتتقاطع العلاقات المصرية الفرنسية في العديد من الملفات الإقليمية، التي ستكون على جدول أعمال الزيارة يقينًا، على رأسها الملف الليبي، حيث يتفق البلدان على دعم اللواء متقاعد خليفة حفتر في مواجهة حكومة الوفاق المعترف بها أمميًا، فيما أشار الإليزيه إلى أن فرنسا تعمل مع مصر من أجل "عودة الاستقرار" في ليبيا، مما يتطلب "خروج القوات الأجنبية وفي مقدمتها المقاتلون الروس والأتراك ومختلف المرتزقة الموجودين".

ملف شرق المتوسط يفرض هو الأخر نفسه بقوة على طاولة اللقاء، فيما أشار الإليزيه إلى أن البلدين يريدان "جعل البحر الأبيض المتوسط مجالًا لتعاون تحترم فيه سيادة الدول المختلفة"، في إشارة إلى موقفهما المشترك المناهض للتنقيب التركي عن الغاز، والداعم للموقف اليوناني القبرصي.

علاوة على ذلك من المتوقع أن يتطرق الرئيسان خلال قمة اليوم إلى بعض الملفات الأخرى مثل الصراع العربي الإسرائيلي والوضع في لبنان في ظل تفاقم المأزق السياسي والاقتصادي، بجانب التطورات على الساحة العراقية، وآخر المستجدات فيما يتعلق بالملف الإيراني.

الزيارة وإن وضعت في الاعتبار البعد الاقتصادي في ظل الأزمة الاقتصادية التي تواجهها القاهرة وتصاعد مؤشر الديوان الخارجية بصورة لم تشهدها مصر منذ مئات السنين، إلا أنه من غير المتوقع أن تشهد توقيع عقود من شأنها التقليل من الوضعية الاقتصادية المتردية، فيما تشير بعض وسائل الإعلام إلى احتمالية منح فرنسا مساعدات لمصر بقيمة 150 مليون يورو على شكل قرض لمصر من أجل المساعدة في تعزيز شبكة الأمان الاجتماعي للسكان.

البيان الصادر عن أعضاء البرلمان الأوروبي أكد أن "حكومة ماكرون مدينة لفرنسا بأكثر من مجرد إشارة عابرة لحقوق الإنسان في نهاية مؤتمر صحفي"

التحذير من عار القذافي

في رسالة نشرتها صحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية طالب 15 نائبا فرنسيًا ينتمون لكتلة الخضر في البرلمان الأوروبي الرئيس الفرنسي بوضع ملف احترام حقوق الإنسان في صلب محادثاته مع نظيره المصري، مؤكدين أنه مبدأ "لايمكن التفاوض عليه" محذرين إياه مما وصفوه بـ "العار" الذي لحق بفرنسا بعد استقبال الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في 2007.

النواب الفرنسيون في رسالتهم أشاروا إلى أن "انتهاكات الحكومة المصرية لحقوق الإنسان لا حد لها، ولا يبدو أن هناك ما سيوقفها اليوم" مشددين على أن بلادهم لا ينبغي لها أن تزكي مثل هذه الانتهاكات من خلال دعم النظام الذي يقوم بها ليل نهار ضد معارضيه.

كما طالبوا ماكرون بعدم استقبال السيسي بالطريقة التي استُقبل بها القذافي قبل 13 عامًا، والتي قوبلت بانتقادات حقوقية لاذعة بسبب جرائم النظام الليبي آنذاك ضد المعارضين، كما ناشدوه تجنب تحميل بلادهم ثقل هذه "الخيانة" لقيمهم وللإنسانية، على حد تعبيرهم.

البيان الصادر عن أعضاء البرلمان الأوروبي أكد على أن "حكومة ماكرون مدينة لفرنسا بأكثر من مجرد إشارة عابرة لحقوق الإنسان في نهاية مؤتمر صحفي" محملين الرئيس مسؤولية إبلاغ السيسي ضرورة احترام التزاماته تجاه حقوق الإنسان.

النواب دعوا إلى الإفراج عن جميع المعتقلين المصريين على خلفية قضايا الرأي والتعبير، معتبرين أن مصر دولة كبيرة ولديها خيارات عدة في التعامل مع الخلافات الداخلية مع مختلف كافة التيارات السياسية والمدنية بعيدًا عن أسلوب القمع والتنكيل والتعذيب والاعتقالات.

اتُهم ماكرون بمنح السيسي الضوء الأخضر للتصعيد القمعي ضد المعارضين خلال زيارته للقاهرة مطلع 2019، وذلك بعدما تقاعس الرئيس الفرنسي عن الوفاء بقيم بلاده في التنديد بانتهاكات مصر الحقوقية

الدعوة للتظاهر

ميدانيًا.. دعت 20 منظمة حقوقية فرنسية للتظاهر، غدًا الثلاثاء، للتنديد بما أسموه "الشراكة الاستراتيجية بين مصر وفرنسا"، فيما استنكر المسؤول في الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (إحدى المنظمات الداعية إلى المظاهرة) أنطوان مادلين استقبال السيسي في باريس، قائلًا: "إننا مذهولون لرؤية فرنسا تمد البساط الأحمر، في حين هناك اليوم أكثر من ستين ألف معتقل رأي في مصر".

المسؤول في الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان اتهم ماكرون بمنح السيسي الضوء الأخضر للتصعيد القمعي ضد المعارضين خلال زيارته للقاهرة مطلع 2019، وذلك بعدما تقاعس الرئيس الفرنسي عن الوفاء بقيم بلاده في التنديد بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، مكتفيًا بالتوجيه والإرشاد، واصفُا التصعيد الحقوقي في مصر خلال العامين الماضيين بأنه "أخطر وضع في تاريخ مصر الحديث" لافتًا إلى أن"محامين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان يتعرضون لملاحقات ومضايقات وقمع" في البلاد.

وطالب مادلين باتخاذ خطوات عملية في التصدي للانتهاكات المصرية، وعدم الاكتفاء بالشعارات السياسية والأقوال الجوفاء، مقدمًا بعض النصائح في هذا الشأن منها "وقف صفقات الأسلحة ومعدات المراقبة الإلكترونية من شركات فرنسية في الظروف الحالية" محذرًا فرنسا من أنها "ستكون متواطئة في القمع".

يجد ماكرون نفسه في مأزق كبير إزاء تلك الانتقادات التي يتعرض لها بسبب غض الطرف عن الانتهاكات التي يرتكبها النظام المصري، حيث تتعامل معه القاهرة بنفس الطريقة التي تعاملت بها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

المنظمات العشرين نددت بالاستخدام المفرط من قبل السلطات المصرية لتشريعات مكافحة الإرهاب، والذي يستهدف في نهاية الأمر للقضاء على العمل المشروع من أجل حقوق الإنسان وإلغاء أي معارضة سلمية ووأد أي حراك مجتمعي من شأنه أن يساهم في تحريك المياه الراكدة.

وفي أكتوبر الماضي وجه 222 برلمانيًا أوروبيًا رسالة مفتوحة إلى الرئيس المصري مطالبين بالإفراج عن “معتقلين سياسيين” و”وقف انتهاكات حقوق الإنسان” حسبما جاء في بيان لهم أشاروا فيه إلى أنه  "لا يمكن الاستمرار على هذا النحو مع إفلات من العقاب والاستهتار بحق شعبه بحرية التعبير والرأي والسجن من دون توجيه التهم أو من دون محاكمة”.

البيان أشار إلى رسالة مماثلة تقدم بها 56 عضوًا بالكونغرس الأمريكي طالبوا فيها بوقف الانتهاكات التي تمارسها السلطات المصرية ضد المعارضين، متطرقًا إلى وضع “الصحافيين والناشطين المثليين جنسيًا والناشطين السياسيين المسالمين والمدافعين عن حقوق الإنسان” المعتقلين بطريقة تعسفية.

منظمة العفو الدولية كانت قد أشارت إلى وجود “إجراءات قمعية ضد المتظاهرين والمعارضين بما في ذلك عمليات اختفاء قسرية واعتقالات واسعة وتعذيب وأشكال أخرى من سوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة لا سيما بعد تظاهرات ضد الرئيس في 20 أيلول/سبتمبر” 2019، لافتة إلى وجود نحو 60 ألف معتقل سياسي في البلاد.

ويجد ماكرون نفسه في مأزق كبير إزاء تلك الانتقادات التي يتعرض لها بسبب غض الطرف عن الانتهاكات التي يرتكبها النظام المصري، حيث تتعامل معه القاهرة بنفس الطريقة التي تعاملت بها مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فالمصالح المشتركة والمكاسب التي يسعى كل طرف لتحقيقها من خلال تعميق علاقته بالطرف الأخر ربما تجعل الملف الحقوقي في مؤخرة أولويات باريس كما كانت في واشنطن.

المصالح الذي يسعى ماكرون لتحقيقها من خلال حليفه المصري في ظل تشعب الملفات المشتركة بينهما ربما تعيقه عن اتخاذ أي إجراء حاسم إزاء الملف الحقوقي المشين، هذا بجانب تورط النظام الفرنسي ذاته في فخ الانتهاكات الحقوقية ضد المناوئين للحكومة والمعارضين لسياسات ماكرون التي عمقت من الأزمة المعيشية في البلاد، ما يجعل من التعويل على باريس في هذا الملف مضيعة للوقت.

وفي الأخير تبقى الحملات المناهضة لكل من نظامي ماكرون والسيسي والمنددة بالانتهاكات التي يمارسها كلا النظامين إزاء الملف الحقوقي، أكبر تحد لمساعي تجميل الصورة عبر الشعارات السياسية الجوفاء الصادرة من باريس والقاهرة، لتتكشف الحقائق شيئًا فشيئًا وتسقط معها الأقنعة.