قد لا يُعيد التاريخ نفسه بذات الأحداث والمشاهد، لكن تقارب التجارب في شخوصها المتفاعلة ومكوناتها المتداخلة رغم اختلافاتها البسيطة، يجعل الوقائع التي نعيشها في الحاضر متشابهة إلى حد بعيد مع ما يوازيها في الماضي، وبالتالي فإن استخلاص الدروس والعبر قد يمكن الشعوب من المضي قدمًا في مساعي التغيير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

هذا المدخل يساعد على طرح إشكالية فهم الثورة التونسية ومحركاتها الأساسية وكذلك مسارها ونتائجها، فأسبابها تتماهى بشكل كبير مع انتفاضة علي بن غذاهم أو كما يُسميه التونسيون "باي الشعب"، من حيث أسبابها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وحتى في مجالها الجغرافي، فكلتا الثورتين حركهما غياب العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثورة وجور الحاكم وأعوانه.

 

علي بن غذاهم

اسمه علي بن محمد بن غذاهم الماجري، ينسب إلى قبيلة ماجر البربرية، ولد عام 1814 وتلقى العلم في جامع الزيتونة بتونس، وهو ما منحه لقب "زيتوني"، كما تعلم الطب والقضاء من والده الشيخ محمد بن غذاهم.

التكوين الشرعي لعلي بن غذاهم أهله أن يعمل عدلًا يقوم على فض النزاعات القضائية في مدينة إفريقيا (القصرين حاليًّا)، ولا توجد في المصادر أي شواهد على اشتراكه في أنشطة سياسية بتونس قبل أن يشعل ثورته عام 1864، فيما نُقل عن الشيخ محمد العيد شيخ الطريقة التيجانية بتماسين بالجزائر عندما سألته السلطات الفرنسية في أثناء الانتفاضة: هل يعرف علي بن غذاهم؟ أجاب بأنه يعرفه جيدًا، وأنه من خيرة أحباب الطريقة التيجانية، لقد كان قاضيًا وعُزل وهو مثقف جدًا ولم يعرف عنه أنه اشتغل أو اهتم بالسياسة.

الظاهر أن ذياع صيت علي بن غذاهم في الأرياف والقرى والحواضر وانصياع القبائل على اختلافها له ولدعوته في أثناء الثورة يدل على أنه كان معروفًا بينها باطلاعه الواسع على الأوضاع السياسية في البلاد التونسية وأحوال الحكام وطرق قيادتهم للإيالة في تلك الفترة التي عُرفت بالركود الاقتصادي الذي مهد للحماية الفرنسية.

ثورة باي الشعب

في ربيع عام 1864، كانت تونس تحت حكم محمد الصادق باي على حافة الانهيار، فدعائم الإيالة الإدارية والاقتصادية والسياسية بدأ يأكلها صدأ الفساد والمحسوبية والرشوة، وتعمقت مشاكلها الاجتماعية بعد أن عززت الدولة فوارق التنمية جهويًا وأعلت من شأن المدن الساحلية على حساب الداخل (القبائل)، الذي عانى من الفقر والإملاق والتهميش.

بين انغماس الباي في ملذاته وإنفاقه أموال خزينة الدولة على زينة القصور والهدايا التي يقدمها لضيوفه الأجانب من القناصل، وفساد وزيره مصطفى خزندار الذي استغل ضعف تكوين الباي وغيابه ليتغول على السلطة بعد أن تخلص من معارضيه من حاشية الباي وأبرزهم الجنرال حسين والمصلح خير الدي باشا، انزلقت تونس نحو التداين لسد العجز الناتج عن الفساد وسوء الإدارة، لكن الديون الكريهة زادت من العبء المسلط على كاهل الشعب، نظرًا لأن الأموال لم تصرف في الإصلاحات والمشاريع بقدر ما كانت موجهة لرفاهية السلطة.

الاضطراب السياسي والأزمة الاقتصادية توّجا برفع ضريبة المجبى من 36 إلى 72 ريالًا، ووقع تعميمها على الرعايا كافة، وهي ضريبة تسلط على السكان الذكور البالغين، ما عدا أصيلي مدينة تونس والقيروان وسوسة والمنستير وصفاقس والجنود المنتدبين والقدامى.

في سياق متصل، فإن زيادة الضرائب التي فرضها القصر على أفراد الشعب التونسي لملء الخزانة الخاوية وتقليص العجز في الميزانية، في وقت يُعاني فيه سكان الأرياف والقبائل من موسم جفاف قاسٍ أثر على إنتاجهم الزراعي، إضافة إلى الضرائب المشطة الأخرى كالعشر والمكوس والخروبة وإجبارهم على دفع الرشاوى، دفع إلى إعلان ثورة في الشمال التونسي ضد الباي بقيادة علي بن غذاهم.

وفي ربيع سنة 1864 انطلقت شرارة الثورة وانتفض الشعب في غضبة عارمة ضد الظلم والاستبداد وديكتاتورية الحاكم والحاشية، ففوض أهل ماجر أمرهم لعلي بن غذاهم لتنضم إليه قبائل عيّار والفراشيش وونيف لتتوحد مناطق غربي البلاد تحت قيادته، فيما تولى السبوعي بن محمد السبوعي قيادة الثورة في جلاص (محافظة القيروان) وقاد فرج بن دحر في بطن رياح.

انتشر لهيب الثورة وعمّت أرجاء البلاد في وقت وجيز ما عدا العاصمة، وفر عمال الباي في الجهات إلى باردو، بعد أن سقطت قرى الساحل والبوادي ومدن الكاف والقيروان وقابس بأيدي الثوار، الأمر الذي دفع الباي إلى استدعاء ثلاثة آلاف من العسكر المتقاعد، الذين لم يقدروا على مواجهة بأس محاربي البوادي وشجاعتهم، ليصدر قرارًا يلغي مضاعفة ضريبة المجبى وإصلاح العدلية ووقف العمل بما جاء في دستور عهد الأمان كخطوة لتهدئة الثورة.

 

في المقابل، ورغم أن الانتفاضة أجبرت الباي على التراجع بعد أن انكسرت شوكة القوة لديه، فإن "ثورة العربان" لم تدم طويلًا وانتهت بمقتل باي الشعب في سجن الكراكة بحلق الوادي مسمومًا بعد أن صمت رفاقه طوعًا أو كرهًا، أمّا أسباب تراجع الثورة فمنها ما يتعلق بالثوار أنفسهم واختلاف وجهات نظرهم، فمنهم من رأى أن وعود الباي بالتغيير والتعديل في سياسته والعفو عن المتمردين في حد ذاتها إنجاز ثوري، وآخرون اعتبروها مناورة والتفافة من السلطة لقطع يد الشعب التي باتت تُهدد استقرار الحكم، إضافة إلى خيانة بعض أفراد القبائل الذين استمالهم الباي.

العوامل الأخرى تمثلت في قدرة الوزير مصطفى خزندار على إجهاض الثورة وتفريق شمل الثوار باعتماده على الخديعة والمكر، وكذلك استعمال المؤسسة الدينية، المتمثّلة في الطرق الصوفية لمعاضدة السلطة في سعيها للتحكّم في الرعية، ففي تلك الفترة عمل المشايخ الذين اصطفوا طوعًا إلى جانب الحاكم على خداع السكان وتثبيط عزائمهم وإخماد نار الثورة في قلوبهم وإقناعهم بالاستسلام للباي رغم تسلّطه وفساده، ومن ثم تسليم رقاب الثوار إلى القصر.

من جهة أخرى، كانت تونس أرضًا مفتوحة أمام الخارج تثير أطماعهم من أجل السيطرة عليها، لذلك لعب القناصل الأجانب أدوارًا مهمةً في وأد ثورة بن غذاهم عبر التدخل السافر والمباشر في الشؤون الداخلية للبلاد والتأثير على قرار القصر، ووصل الأمر بالقنصل الفرنسي دبوفال إلى تهديد الباي من أجل تغيير الحكومة، فيما عملت بريطانيا عن طريق قنصلها وودورد على دعم مصطفى خزندار لقطع الطريق أمام باريس ومحاولته إلحاق تونس بالجزائر تحت حمايتها.

وبرز التدخل الأجنبي بشكل جلي، من خلال قدوم الأساطيل الفرنسية والبريطانية والإيطالية والعثمانية للمرابطة في السواحل التونسية، في أثناء الثورة، في استعداد للانقضاض على دولة ضعيفة ومشتتة على حافة الإفلاس والاندثار بحجة حماية الرعايا الأجانب أو تقديم يد المساعدة للقضاء على انتفاضة "العربان".

تشابه الثورات

يبدو أن أوجه الاختلاف بين ثورة 1864 و2011 تكاد لا تُذكر، فالبنى الأساسية والمحورية للثورتين تقريبًا هي ذاتها، حيث تتشابه جميع عناصر المحركة كإفقار الممنهج للشعب باسم الإصلاح، ففي تلك الحقبة مارست ديكتاتورية الباي أقسى أنواع التسلط والغطرسة، من قتل وسلب ونهب وتفقير للأهالي وقمعهم من طرف قوات الباي الذي سد آذانه عن شكوى ومطالب الشعب.

وذلك رغم إصداره قانون عهد الأمان (1859) الذي ينص على تحقيق العدل بين الرعية، إلى جانب أول دستور تونسي (1861) يفصل بين السلطات السياسية ويقر بالمساواة في الحقوق والواجبات بين كل التونسيين، وهي صورة تتشابه مع النظام السابق لبن علي الذي روج لدولة القانون والمؤسسات الضامنة للحقوق والحريات والحال أنه كان سباقًا في تجاوزه بإرسائه دولة الخوف والترهيب وقوة البوليس.

لذلك، يُمكن القول إن السبب الأساسي لثورة علي بن غذاهم المتمثل في رفع قيمة الجباية وإعفاء المدن الساحلية الكبرى يتطابق بشكل كبير مع ما تعيشه تونس اليوم الذي أفضى إلى ثورة 14 يناير التي اندلعت بفعل غياب التنمية في المناطق الداخلية كسيدي بوزيد والقصرين واقتصارها على مناطق الساحل التونسي.

تتشابه الثورتان كذلك في الإطار العام، فالباي الغارق في الملذات والمحيط نفسه بحاشية وبطانة فاسدة، لا يختلف كثيرًا عن بن علي الذي عاث في تونس فسادًا فأطلق يد المقربين منه وأصهاره وإخوته لاستنزاف الاقتصاد الوطني واستغلال مؤسسات الدولة لتحقيق ثورات طائلة هرب جزء كبير منها إلى الخارج مثلما فعل نسيم شمامة زمن ثورة بن غذاهم، وهي عوامل كرست الجور الاجتماعي واستلاب الإرادة الشعبية.

الثنائيات التي تجمع الثورتين تتمحور أيضًا في استغلال الباي والنظام السابق للتفرقة الجهوية وتكريس الفصل العنصري بين الحضر والبدو والساحل والدواخل، حيث تُبرز التناقضات بينهم اجتماعيًا واقتصاديًا وحتى ثقافيًا، لذلك ولدت الثورتان (البوعزيزي وبن غذاهم) من جغرافيا واحدة وهي الوسط التونسي أو ما يعبر عنه بالداخل المنسي أو المهمش، حيث تغيب التنمية والعدالة بأبعادها المعروفة.

من ناحية أخرى، فإن العوامل التي ساهمت في فشل ثورة باي الشعب هي ذاتها التي تُهدد الانتقال الديمقراطي، فالقنصليات التي عاضدت مجهود قصر باردو لقمع ثورة علي بن غذاهم دبلوماسيًا وسياسيًا وحتى عسكريًا باستقدامه البوارج المحملة بالعتاد والذخيرة إلى الموانئ التونسية، نجدها اليوم في شكل دول الثورة المضادة التي تحاول التأثير على التحول السياسي بدعمها بواقي النظام السابق بالمال والإعلام.

انتهت ملحمة الشعب بموت الباي الذين اختاروه للدفاع عن حقوقهم المغتصبة بعد الانقلاب على الثورة ووعود السلطة الزائفة والخادعة، فتلت تلك الحقبة سنوات عجاف ودخلت تونس مكرهة في نفق الكساد والفساد أدى بالنهاية إلى إجبارها على توقيع الكوميسيون المالي، هذه النهاية التراجيدية يُمكن تنزيلها بتحفظ على الواقع التونسي الذي يعاني من أزمات اقتصادية تنذر بانهيار الدولة، فالطاقة الثورية بدأت بالتآكل بعودة المنظومة القديمة وتنازع ثوار الأمس لأمرهم بما يُنذر بذهاب ريحهم.