يُعد الأمن الغذائي من التحديات الرئيسية التي تواجه الوطن العربي زمن الاستقرار والأزمات، فعلى الرغم من توافر المقومات الأساسية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح كموارد طبيعية وبشرية، فإن الزراعة العربية لم تُحقق النقلة المرجوة المتمثلة في زيادة الإنتاج لموازنة الطلب المرتفع على الأغذية، ما أدى إلى اتساع الفجوة الغذائية وارتفاع فاتورة الاستيراد التي بدورها أثقلت كاهل المالية العمومية لتلك الدول.

ارتفاع التوريد

لا تشكل الأقطار العربية إلا 5% من سكان العالم، لكنها في المقابل تستهلك أكثر من 20% من صادرات الحبوب في العالم، هذه المعادلة تكشف حجم الاستهلاك العربي للقمح وعجزها عن تحقيق الاكتفاء الذاتي الذي يُتيح لها القطع مع الاستيراد أو الحد منه لتغذية احتياطاتها، وحتى الدول التي حققت الاكتفاء إنتاجيًا لم تقدر على دخول نادي المصدرين العشر الكبار الذين تتصدرهم روسيا بنسبة 20% (36 مليون طن).

ويستورد العرب سنويًا أكثر من 40 مليون طن من القمح، رغم كل المقومات التي يمتلكونها من مياه وأراض خصبة وموارد بشرية يُمكنها تحقيق الوصول إلى سد الحاجة الذاتية، ووفقًا لآخر الإحصاءات عن خطط العرب في استيراد القمح، ذكر تقرير أمريكي أن تسعة من الدول العربية ستستورد نحو 40.2 مليون طن من القمح خلال عام 2019 - 2020، وهو ما يمثل 21.9% من واردات القمح العالمية.

وتأتي مصر على رأس القائمة كأكبر مستورد للقمح في العالم بحجم واردات 12.5 مليون طن، تليها الجزائر بـ7 ملايين طن، بينما جاءت تونس في آخر القائمة بحجم واردات 1.6 مليون طن أي نحو 61% من الحبوب التي تحتاجها، ومنذ بداية عام 2020 بلغ حجم واردات تونس من القمح الصلب نحو 522 ألف طن و794 ألف طن من القمح اللين و506 ألف طن من الشعير.

أما على مستوى ترتيب بعض الدول العربية وفقًا للإنتاج العالمي للقمح، تأتي مصر في المرتبة الـ17 بـ8.8 مليون طن، يليها المغرب في المرتبة الـ18 ب7.1 مليون طن، فالعراق في المرتبة الـ28 بـ3 ملايين طن، ثم الجزائر في المرتبة الـ30 بـ2.4 مليون طن، أما سوريا فحلت في المرتبة الـ32 بـ2.2 مليون طن.

أسباب هيكلية

ارتفاع الاستيراد العربي للقمح، يعود بالأساس إلى ضعف القدرة الإنتاجية في مواجهة استهلاك الناتج عن الطلب المحلي المتزايد، ما يعني أن الفجوة الغذائية التي تأخذ في الاتساع ستهدد مستقبلًا الاكتفاء والأمن الغذائي.

في سياق ذي صلة، فإن ضعف الإنتاج يرجع بدوره إلى المنوال التنموي الذي اعتمدته بعض البلدان العربية، حيث أهملت جلها قطاع الفلاحة وغيبت في برامجها السياسات الزراعية الناجحة والمشجعة للمستثمرين والمنتجين، فلم تعمل على توفير مستلزمات الإنتاج من أسمدة ومبيدات وبذور وتقنيات حديثة بأسعار مناسبة، كما تخلت عن دورها في المحافظة على أحد مقومات السيادة الوطنية (الأمن الغذائي) لصالح القطاع الخاص الذي طوع المساحات الشاسعة لزراعات أخرى أكثر مردودية من القمح كالزيتون والقوارص وغيرها، إضافة إلى عدم تشجيعها على البحوث الزراعية وتطويرها ثم تطبيقها بما يخدم القطاع ويحقق أهدافه التنموية.

على صعيد آخر، فإن الدعم الذي تقدمه الدول العربية بشكل عشوائي ليشمل الفقير والغني على حد سواء أدى إلى مزيد من التدهور في الإنتاج الزراعي وتراجع المردودية على الصعيد المحلي وأحدث خللًا في التوزيع والتموين كما حدث في مصر والسودان وكذلك ليبيا، والأجدر أن يتم توفير الدعم الحكومي اللازم للمزارعين أو المنتجين لتطوير الإنتاج كما تفعل دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة.

من جهة ثانية، فإن تغافل الحكومات عن التوسع العمراني الذي قضم بشكل مريع الأراضي الشاسعة والخصبة، وتهميش دور الفلاح العربي بحرمانه من الدعم والتشجيع رغم الصعوبات التي يُعانيها من ندرة الماء ومحدودية الأراضي الزراعية، دفع ملايين المزارعين لترك أراضيهم والهجرة نحو المدن الكبيرة بحثًا عن مواطن شغل، تسبب في تراجع وتعطل ميكانيزمات الإنتاج.

وإذا كانت هذه الدول تعتقد أن واردات الحبوب بإمكانها سد الفجوة الآخذة في الاتساع بين الإنتاج والاستهلاك، فإن التحديات الأخرى كالنمو السكاني المتسارع سيرفع الطلب على الحبوب في البلدان العربية، إلى 200 مليون طن بحدود 2050، أي ما يعادل ثلثي صادرات الحبوب العالمية الحاليّة.

سوس الفساد

إن المنوال التنموي للبلدان العربية التي تعرف نسقًا متصاعدًا في عمليات استيراد القمح الذي لم يواكب التحولات الاقتصادية العالمية لم يكن السبب الوحيد في تراجع إنتاج هذه المادة، فالفساد الذي ينخر هذه الدول يمكن اعتباره العائق الأكبر أمام إعادة هيكلة قطاع الفلاحة بما يمكنها من دعم الاكتفاء الذاتي وتحقيق الأمن الغذائي.

ففي تونس مثلًا، تمتد الأراضي الزراعية على مساحة تصل إلى 10 ملايين هكتار (5 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية والباقي مراع وغابات) أي ما يقارب 65% من مساحة البلاد، ما سمح بأن يلعب القطاع الزراعي دورًا حيويًا على الصعيد الاقتصادي، بتأمينه 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ويساهم في تشغيل نحو 13.4% من اليد العاملة بالبلاد، إلا أن هذا البلد العربي لم يعرف إلى الآن طريقه نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي.

ورغم نجاحها في استعادة 1705 من بذور الأعلاف المحلية من أستراليا وأكثر من 6 آلاف من بذور القمح المحلية من الولايات المتحدة الأمريكية، في إطار مساعيها للحفاظ على بذورها المحلية (11 ألف نوع موزعة في العالم) التي تتميز بندرتها وقدرتها على التأقلم في الظروف المناخية المختلفة، عجزت عن تخزين محاصيل القمح في 2020 حيث أتلف أغلبها بسبب الأمطار وسوء الإدارة والتنظيم.

إضافة إلى ذلك، تم الكشف في وقت سابق عن 250 طنًا من القمح الفاسد تم توريدها من أوكرانيا، ورغم أن الملف يعتبر من بين الملفات الثقيلة في إطار مكافحة الفساد لكن إلى حد الآن لم يصدر أي قرار بإيقاف أي طرف في القضية رغم الحديث عن تورط العديد من الأطراف من بينهم مسؤولين كبار في الدولة.

أما في الجزائر، لا يزال الأمن الغذائي الجزائري خاصة الحبوب (القمح) رهين العوامل المناخية وآليات الإنتاج القديمة وتقلبات الأسواق الدولية، الأمر الذي جعلها ثاني مستورد للقمح في العالم بعد مصر، وفي ظل هذه الأوضاع، بات المزارعون الجزائريون يتجنبون الزراعات الكبرى على الرغم من توافر الأرض والعمال ذوي الخبرة بسبب النقص الشديد في الموارد اللازمة.

وتركز الجزائر كغيرها من البلدان العربية النفطية على عائدات البترول في منوالها التنموي، جاعلة من الفلاحة قطاعًا ثانويًا لا يحظى بذات الاهتمام، لذلك فهي لا ترى في استيراد القمح أي إشكال رغم التجاوزات المتتالية في هذا القطاع، حيث احتجز الأمن الجزائري في وقت سابق شحنة من الحبوب تتضمن 4 مواد كيميائية سامة على متن سفينة تجارية قادمة من ليتوانيا، إضافة إلى سفينة ثانية قادمة من إستونيا ترفع علم بنما محملة بنحو 30 ألف طن من القمح اللين المسمم بالفحم، في حادثة تعد الثانية من نوعها خلال أسابيع.

وكان رواد مواقع التواصل الاجتماعي في تونس والجزائر قد انشغلوا في وقت سابق بالبحث عن هوية "الحمام" الذي التهم أطنانًا من القمح المخزن في ظروف غير ملائمة، وتداول الناشطون خبرًا مفاده أن طيور الحمام أقدمت على أكل 30 قنطارًا من الحبوب المخزنة بطرق عشوائية في مدينة بلخير، غير أن مصادر جزائرية أكدت خبر اختفاء القمح دون الإشارة إلى السبب.

الأمر لا يختلف كثيرًا في مصر التي تُعد أكبر مستورد للقمح في العالم، فرغم محاولة القاهرة تقليص الفجوة بين إنتاج واستهلاك القمح عبر خفض نسبة الفاقد وزيادة الإنتاجية فضلًا عن استخدام الآلات الزراعية الحديثة، إلا أن زيادة استيراد القمح بنحو 12 مليون طن سنويًا وسط توقعات بارتفاع الكمية إلى 15 مليون طن بحلول العام 2028، شكل أزمة حقيقية تواجه البلاد في ظل التكلفة المشطة التي وصلت خلال النصف الأول من العام 2020 إلى مليار و625 مليون دولار.

ورغم المطالب بضرورة التوسع في زراعة القمح خلال المواسم المقبلة، لتقليل الفجوة الاستهلاكية من القمح، خاصة أن مصر تستهلك نحو 18 مليون طن قمح سنويًا، فإن النظام المصري صم أذنيه واختار المضي قدمًا في سياسته التي أثبتت فشلها في أكثر من مناسبة خاصة مع تزايد التلاعب بالأرقام وتفشي الفساد، حيث كشف النائب العام المصري في وقت سابق إلى أن ما يصل إلى 70 مليون دولار أنفقت على قمح مصري لم يتم توريده.

وفي 2019، أحيل في مصر 19 موظفًا بوزارتي التموين والزراعة وهيئة الصادرات والواردات إلى محكمة الجنايات في قضية فساد القمح على المحاكمة باستغلال نفوذهم الوظيفي وتحقيق كسب غير مشروع قدره 300 مليون جنيه، بعد الاستيلاء على كميات كبيرة من القمح المملوكة للهيئة العامة للصوامع والتخزين.

حلول وبدائل

تتعدد الإشكالات التي تواجه زراعة القمح عربيًا وتعيق دخولها في سوق المنافسة، إلا أن الفرص ما زالت متاحة أمام الدول العربية لتطوير إنتاج القمح بأنواعه وتخفيض فاتورة التوريد، وذلك شريطة الإسراع في اتخاذ خطوات جريئة لسد الفجوة بين ضعف الإنتاج وارتفاع الاستهلاك ومنها:

- إعادة استغلال أصناف البذور التي تتحمل الجفاف والملوحة وذات إنتاجية مضاعفة.

- اعتماد التقنيات الحديثة في مجال التحسين الجيني للبذور.

- استخدام التقنيات الحديثة في الري وزيادة المساحات المروية لمحصول القمح.

- اعتماد الميكنة في جمع المحاصيل لتخفيض تكاليف الإنتاج.

- دعم مزارعي القمح بإصدار تشريعات وقوانين تضمن استلام الإنتاج بأسعار تشجيعية ومجزية.

- تشجيع الشراكة بين القطاع العام والخاص ودعم الشركات الزراعية.

- الاستثمار الزراعي المستدام وحماية الأراضي الزراعية من التعدي والتوسع العمراني.

بالمجمل، يُمكن القول إن القمح بما يُمثله من أمن غذائي هو أحد العوامل الإستراتيجية والحيوية التي يقوم عليها استقرار الدول والمجتمعات، فأي شح لهذه المادة الغذائية أو ارتفاع في أسعارها قد يحدث اضطرابات اجتماعية وسياسية، لذلك تعمل الدول السائرة نحو النمو على تطوير إنتاجه والتحكم في عملية توريده عبر الرقابة الصارمة التي تمنع وصول أيدي الفساد إليه، خاصة أن القمح أصبح سلاحًا لا يقل قيمة عن النفط تستعمله الدول المصدرة للهيمنة والسيطرة على دول الاستهلاك.