بعد 18 عامًا على الغزو الأمريكي للبلاد وتولي شخصيات مدنية مسؤولية الحكم والوزارات، شهد العراق قبل أيام تكليف رئيس جهاز الأمن الوطني بمنصب محافظ ذي قار (جنوب العراق) ليكون بذلك ثاني شخصية عسكرية تتولى إدارة محافظة عراقية منذ الغزو بعد محافظة نينوى التي يتولى منصب محافظها منذ ديسمبر/كانون الأول 2019 اللواء نجم الجبوري قائد عمليات نينوى وقائد عمليات تحريرها من تنظيم الدولة الإسلامية "داعش".

عسكرة المحافظات

يشهد العراق منذ عام 2011 تظاهرات شعبية تخفت حينًا وتشتد أحيانًا، يقول الباحث السياسي محمد عزيز في حديثه لـ"نون بوست" إن العراق ومنذ عام 2011 يشهد تظاهرات شعبية، إذ بدأت من محافظات الوسط والجنوب وكانت احتجاجًا على سوء الخدمات والبطالة، ثم ما لبثت أن هدأت تدريجيًا. 

ويتابع عزيز أن التظاهرات الأبرز في العراق قبل عام 2014 كانت في المحافظات الشمالية والغربية في نينوى وصلاح الدين والأنبار، وكانت احتجاجًا على النهج الحكومي الطائفي تجاهها وما شهدته تلك المحافظات من أوضاع مزرية قبل احتلال داعش لمساحات شاسعة منها. 

إلا أنه وبعد تحرير المدن من سيطرة داعش، شهدت المحافظات الشمالية وخاصة نينوى حالة فساد إداري ومالي كبير، وزاد الطين بلة حادثة غرق عبارة جزيرة أم الربيعين السياحية في الموصل قبل عامين من الآن، حيث أدى ذلك إلى إقالة محافظها نوفل العاكوب وتولي منصور المرعيد المنصب أشهر عديدة، ثم تكليف اللواء نجم الجبوري بالمنصب قبيل حل مجالس المحافظات.

وعن تولي الجبوري المنصب، يضيف عزيز أن اختيار الجبوري كان بضغط من بغداد، نظرًا لسيرته العسكرية الطيبة وسمعته الجيدة بين أهالي نينوى ومدينة الموصل على وجه الخصوص، إلا أن الأشهر اللاحقة لتوليه المنصب أثبتت أن القائد العسكري الجيد لا يعني بالضرورة نجاحه في إدارة شؤون المحافظة من الناحية الإدارية والمالية. 

الحكومة تعمد إلى إحراق اسم الأسدي من خلال تكليفه بالمنصب، إذ إن مشكلة الناصرية ليست في شخص محافظها بل في فساده وفساد المسؤولين والمديرين في مؤسساتها

وبالتوجه إلى الناصرية التي أعلن قبل أيام تكليف رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي لرئيس جهاز الأمن الوطني عبد الغني الأسدي لتولي منصب محافظة ذي قار، يقول الناشط من مدينة الناصرية الذي عرّف نفسه بـ"ح. ع" أن تكليف الأسدي بمنصب المحافظ لن يحل أزمة ذي قار. 

ويضيف الناشط في حديثه لـ"نون بوست" أن الحكومة تعمد إلى إحراق اسم الأسدي من خلال تكليفه بالمنصب، إذ إن مشكلة الناصرية ليست في شخص محافظها بل في فساده وفساد المسؤولين والمديرين في مؤسساتها، وأن أبناء الناصرية وذي قار بصورة عامة، يعلمون أن المحاصصة الحزبية وصلت لمنصب مسؤولي الأقسام في داوئر الدولة، وأن هذه الأحزاب متهمة بالفساد بشكل كبير، وبالتالي لن يستطيع الأسدي تقويم وضع المحافظة مهما حاول.

تحسين سمعة

يشير العديد من الباحثين العراقيين إلى أن الحكومة العراقية تحاول من خلال استقدام قادة عسكريين لمناصب إدارية حساسة تحسين سمعتها، إذ يقول الباحث والصحفي العراقي زياد السنجري في حديثه لـ"نون بوست" إن الفشل في الحكومات العراقية منذ عام 2003 دفع بها إلى استقدام قيادات عسكرية من الجيش السابق لما لهم من سمعة طيبة. 

ويتابع السنجري "حكومتا عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي استقدمتا شخصيتين عسكريتين بارزتين لمنصب المحافظ في كل من محافظتي نينوى وذي قار"، مشيرًا إلى أن استخدام سمعة القادة العسكريين في وظائف مدنية ستحرق مسيرة هؤلاء العسكريين وسيكونون كبش فداء مستقبلًا، نظرًا للفساد المستشري في البلاد ومحدودية قدرتهم في وضع حد لما تعانيه المحافظات. 

ويكشف السنجري في حديثه الحصري لـ"نون بوست" أن محافظ نينوى نجم الجبوري ومحافظ ذي قار عبد الغني الأسدي مشمولان بإجراءات هيئة المساءلة والعدالة أو ما يعرف في العراق بـ"اجتثاث البعث" ولديهم ملفات كاملة لدى الهيئة، وبالتالي فالحكومة يمكن أن تستخدم هذه الورقة في الوقت المناسب وعند الحاجة"، مشيرًا إلى أن استخدام هذه الورقة ضد هاتين الشخصيتين سيكون عقب تراكم ملفات الفساد وعقب تغير النظرة المجتمعية تجاههما. 

الجبوري تولى منصبه بعد تصويت مجلس محافظة نينوى لصالحه، ولم يكن في حينها قائدًا عسكريًا، إذ كان قد أحيل للتقاعد قبل أشهر من تنصيبه

وعن مدى فاعلية أو أهداف تنصيب شخصيات عسكرية في مواقع مدينة حساسة، يرى السنجري أن هذه الشخصيات يمكن أن تلبي بعض طموحات الكتل السياسية من خلال تمرير عقود الفساد في المشاريع والمقاولات وهو ما حدث، بحسب السنجري، في محافظة نينوى حيث كشفت هيئة النزاهة عن ملفات فساد كبيرة وخروقات قانونية وإدارية كبيرة بسبب عدم امتلاك الجبوري للخبرات الإدارية التي تتلاءم مع موقعه كمحافظ لثانية كبريات المحافظات العراقية في عدد السكان. 

أما الباحث السياسي غانم العابد فيرى من جانبه أن الوضع مختلف بين تنصيب نجم الجبوري محافظًا لنينوى عام 2019 وتكليف عبد الغني الأسدي لمنصب محافظة ذي قار، لافتًا إلى أن الجبوري تولى منصبه بعد تصويت مجلس محافظة نينوى لصالحه، ولم يكن في حينها قائدًا عسكريًا، إذ كان قد أحيل للتقاعد قبل أشهر من تنصيبه. 

أما اختيار عبد الغني الأسدي لمنصب محافظة ذي قار فجاء لأنه قريب من رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي وبصلاحيات واسعة أكبر من صلاحيات أي محافظ، وذلك بغية امتصاص غضب المتظاهرين في الناصرية.

خطورة مستقبلية

تتعدد الرؤى فيما يتعلق باختيار قادة عسكريين لمناصب مدنية في العراق، إذ يرى الباحث القانوني عبد المالك دريد أنه لا توجد أي نصوص قانونية أو دستورية عراقية تمنع القادة العسكريين من تولي مسؤولية مدنية، في حال كان التكليف أو التنصيب وفق مبدأ السلمية والديمقراطية أو التكليف من رئيس الحكومة وفق القوانين النافذة، مشيرًا إلى أن تكليف قائد عمليات نينوى الأسبق نجم الجبوري لمنصب محافظ نينوى جاء بعد تقاعده من مهامه العسكرية.

ويضيف "هناك تخوف في بعض الأوساط من أن تتحول المناصب في البلاد للسلك العسكري، إلا أن الواقع القانوني والميداني في البلاد يؤكد أن قوة العسكر في العراق لم تعد كما كانت عليه الحال في العراق قبل عام 2003، بما يعني عدم قدرة العسكر على القيام بأي حركة انقلابية كما يروج البعض".

أما الصحفي العراقي رياض الحمداني فيرى من جانبه، أن تكليف الأسدي محافظًا لذي قار لن يفلح في تهدئة الأوضاع في الناصرية التي لا تزال التظاهرات فيها نشطة دون بقية المحافظات. 

تحاول الحكومة العراقية تهدئة الشارع العراقي الناقم على الأحزاب السياسية التي تحكم البلاد منذ 18 عامًا دون أن يرى العراقيون أي تقدم ملموس في الواقع المعيشي

ويضيف الحمداني في حديثه لـ"نون بوست" أن الأوضاع في الناصرية قد تشهد انفجارًا قريبًا بسبب عدم ثقة المتظاهرين في الأسدي، إذ إنه كان عضوًا في خلية الأزمة التي فشلت في كشف أسماء قتلة المتظاهرين ومحاسبتهم.

وعن خطورة عسكرة المناصب المدنية، يقول الحمداني: "طبيعة الحكم العسكري يؤجج الصراعات العسكرية الداخلية وينذر بشهية بقية العسكريين لتولي المناصب الإدارية الحساسة، وبالتالي هناك خطورة مستقبلية كبيرة في الزج بالعسكر في المناصب الإدارية العليا". 

ويختتم الحمداني حديثه بالإشارة إلى أن القائد العسكري الناجح لا يعني نجاحه في مهامه المدنية، إذ إن العراق ونظرًا لوضعه الحاليّ، فإن منصب المحافظ فيه الكثير من التداخلات السياسية وتسلط أحزاب السلطة عليه، وبالتالي يكون الخطر ذو حدين أولهما عسكرة المناصب الإدارية والآخر يتمثل بإحراق سمعة القادة العسكريين. 

ما بين تنصيب محافظ عسكري لنينوى وتكليف آخر في ذي قار، تحاول الحكومة العراقية تهدئة الشارع العراقي الناقم على الأحزاب السياسية التي تحكم البلاد منذ 18 عامًا دون أن يرى العراقيون أي تقدم ملموس في الواقع المعيشي أو الخدمي الذي يكابدونه.