أعود إلى ملاحظات مدربة جمعتها من مسايرة مظاهرة حزب النهضة يوم 27 من فبراير/شباط 2021 لأبني فكرة أو مقترحًا بضرورة التعجيل بالمؤتمر الحادي عشر للحزب الذي تأجل بذرائع لم تعد مقنعة منها تفشي وباء الكورونا.

وقبل البدء أرغب في أن يغمد جنود النهضة سيوفهم، فهذه الورقة ليست خطابًا استئصاليًا مما تدربوا على دحضه قبل قراءته، ومنطلقي أن حزب النهضة مكون أساسي من مكونات الساحة منحته الديمقراطية كل حقه في الحياة بعد نصف قرن من المطاردة وساهم من موقع أول في إدارة البلد ولم يؤثر تأثيرًا إيجابيًا في حلحلة الوضع السياسي والاقتصادي لبلد موشك على انهيار كبير.

لقد حمى الحزب كيانه متذرعًا بحجة الاستئصال وهي حجة لها سند واقعي، لكن الحزب أفرط في استعمالها وحولها إلى ذريعة لتبرير الكسل السياسي، فمنع نفسه من التطور ومنع البلد من الانعتاق. ونظن أو نأمل أن يحدث المؤتمر الحادي عشر المنتظر نقلة في تفكير الحزب وفي قياداته وفي إعادة تحديد دوره ومهامه كصاحب حق لا كضحية مضطهدة تتباكى.

الحزب يهرم ولا يربي بديلًا

الملاحظة الأولى التي استرعت انتباهي في أثناء المسيرة هي أن أعمار الحضور تفوق الخمسين سنة وهي أعمار الجيل الأول والثاني أي الذين انتموا إلى الحزب آخر السبعينيات والثمانينيات أو الجيل المؤسس الذي عانى دورات القمع المتواصل تحت نظام بورقيبة وبن علي.

صحيح أن الملاحظة العابرة ليست تقنية كمية دقيقة القياس، لكن الوجوه التي كساها الشيب كانت واضحة، لقد كان هناك بعض الشباب دون الثلاثين بنسب أقل بكثير، لكن مقارنة أحجام الحضور تؤكد عدم التوازن بين فئات الأعمار بما يدعم ملاحظتي.

لقد لاحظت قبل ذلك أن هذا المعطى موجود في أحزاب أخرى يسارية خاصة، لكن تبين أن حزب النهضة ليس مختلفًا بما يسهل استنتاجًا عامًا وشاملًا أن أحزاب الثمانينيات في تونس لم ترب كلها بدائل شبابية تعوض في وقت ما القيادات التاريخية التي حفظناها.

قد يفسر لنا هذا وجود كم شبابي يتحرك خارج الأحزاب ويخلق مبادراته ويحاول إثبات وجوده، لكن يثبت لنا أولًا أن الأحزاب هرمت وعجزت عن تطوير ذواتها دون استثناء، وهو إنذار بنهاية تقترب ما لم يحصل تدارك سريع، وإذا كانت أحزاب اليسار لا تنكشف أمامنا بسهولة لقلة تحركها في الميدان باستثناء حزب العمال، فإن ظهور حزب النهضة بشكل علني كما في يوم 27 من فبراير/شباط مكننا من تبين هذا الملمح وهو ما اقتضى القول بالحاجة إلى التجديد، وليس أفضل من عقد المؤتمرات العلنية لمراقبة القدرة على التجديد من عدمها.

إعادة إنتاج الغنوشي داخل الحزب بشخصية نسخة منه لن تطور الحزب ولن تميزه مستقبلًا ولن تسمح باستقطابات من خارجه بناء على أطروحة حكم جديدة، رغم ذلك يظل المؤتمر ضرورة لمن هم خارج الحزب قبل من ينتمون إليه

تمثل أمام جميع الأحزاب وقياداتها التاريخية حالة السيد نجيب الشابي كمثال صارخ على رفض التجديد والتطوير الداخلي حيث انتهى الرجل حزبًا وحده يدور حول نفسه ويظن خيرًا، وما البقية عنه ببعيدين بما في ذلك الحزب الأثقل وزنًا الذي أفلح حتى الآن في تجنب الانشقاقات الداخلية الكاسرة، لكن إلى متى؟

كيف يتحول المؤتمر إلى بوابة خلاص؟

يركز كثيرون ممن يسرعون المؤتمر على دور الغنوشي الرجل الأول أو الشيخ أو الزعيم وعلى ثقله الرمزي والمادي ويحصرون التجديد في استبعاده وطاقمه المقرب، لكن هذا حديث تردده قيادات أصغر سنًا وتغطي به تهرم بقية القيادات التي اشتغلت معه.

هذه القيادات لم تتميز بما يؤهلها للزعامة، فهي قيادات لا تكتب ولا تنظر ولا تخرج رؤوسها إلى الجمهور العام ليرى الناس في داخل الحزب وخارجه فرادتها وقد واجهنا كثيرًا منهم بهذا النقد غير العدواني، فكانت الحجة أن وجود الشيخ الزعيم يغلق دونها الأبواب ولم نقتنع، فمهما كان هذا الثقل المادي فإنه لا يمنع مفكرًا من التفكير ولا يمنع كاتبًا من الكتابة والتنظير وطرح الأفكار والمشاريع، إذا كان المعارض من الداخل أو من الخارج يملك فعلًا أن يفعل ذلك وقد تابعنا كتابات الذين استقالوا فوجدنا دومًا عودة ومن خارج الحزب إلى نفس النقطة تطوير الحزب، يتم فقط باستبعاد الزعيم وهذا في تقدير نصف الحقيقة ونصفها الآخر هو كشف مؤهلات القيادة البديلة.

تحضرني هنا صورة قد تسهل المقارنة وهي أن جنوح الزعيم بورقيبة إلى الحكم الفردي المطلق لم يمنع بروز شخصية مثل الهادي نويرة تحمل أطروحة اقتصادية وسياسية ليبرالية نفذت مشروعها ولم تعقها زعامة الزعيم، وفيما أرى من حزب النهضة من خارجه أن ليس هناك هادي نويرة نهضوي يتقدم بأفكار ومشاريع في حجم ما قدم نويرة، فهل علينا أن ننتظر المؤتمر لنقرأ الأفكار.

ما نعرفه من التجارب أن القيادات تذهب إلى المؤتمرات بأطروحات حكم بديلة، فتضع قواعد النقاش بشأن اللوائح صلب عمل المؤتمرات، فتتميز الخطوط وتنتصر أطروحة وتحمل قيادتها إلى الموقع الأول لكننا لا نرى ذلك حتى الآن، وإنما نسمع حديثًا عمن يكون في الموقع الأول دون توضيح خط سياسي مختلف عن خط الغنوشي.

كنا ننتظر خطًا ديمقراطيًا اجتماعيًا يجذب قوة الحزب إلى اليسار أو يسار الوسط فلم نجده، وكنا ننتظر تميز خط ليبرالي يجذب الحزب يمينًا فينافس الخط الاجتماعي فلم يبرز، فلا الحزب الآن في الخط الاجتماعي ولا هو في الخط الليبرالي، لكنه يجلس بين مقعدين بما يغيب كل أطروحة قيادية وافق تطوير داخلي وهو الموقع الذي اختاره الغنوشي ولم يخرج منه منافسوه أو من يريد استبعاده.

كنا ننتظر خطًا سياسيًا يراجع تحالفات الحزب بعد الثورة والمشاركة في السلطة، فوجدنا خطًا واحدًا، إن التحالفات التي قادها الغنوشي هي الخط الوحيد الممكن بما حول أطروحة التبرير بالاستئصال إلى فكرة عامة ومشتركة لا نتوقع الخروج عنها ولا نتوقع للأسف أن يغير المؤتمر الخط السياسي المناور مع المنظومات الحاكمة بشقوقها الاقتصادية والسياسية.

جيرانكم في الوطن يطلبون مؤتمركم قبلكم ليعرفوا من أنتم بعد عشر سنوات من الثورة والحكم المضطرب بلا خطة واضحة، فلم تعودوا ضحايا لأحد، فقفوا وعرفوا بأنفسكم من جديد خارج التحشيد الجماهيري المغرور

ونختصر هنا أن إعادة إنتاج الغنوشي داخل الحزب بشخصية نسخة منه لن تطور الحزب ولن تميزه مستقبلًا ولن تسمح باستقطابات من خارجه بناء على أطروحة حكم جديدة، ورغم ذلك يظل المؤتمر ضرورة لمن هم خارج الحزب قبل من ينتمون إليه.

قدموا أفكارًا للحكم أو افسحوا الطريق

قد يفرح أبناء الحزب مهما كانت أعمارهم بسلامة حزبهم قبل المؤتمر وبعده كما فرحوا بعديدهم يوم 27 وظنوا أنهم مانعتهم كثرتهم، لكن في البلد شركاء لا رغبهم لهم ولا نية في استئصال الحزب ونفيه من جديد، لكنهم يعلنون حقهم في توضيح الحزب لبدائله وموقعه في المستقبل، فاستدرار عطف الجمهور المجاور والمحايد بالخوف من الاستئصال لم تعد كافية، فهاتوا بدائلكم لما بعد هذه المرحلة، لأن كل تأخير يحول الحزب إلى عائق للديمقراطية وسد ضد التطور.

أصوات كثيرة وجب سماعها تقول إن في مؤتمركم حاجة لنا لنعيد تحديد ملامحكم السياسية والاقتصادية (في الحكم أو خارجه) وهو واجب عليكم بصفتكم مسؤولين مشاركين في إدارة بلد ليس لكم وحدكم وإنما أنتم منه بعض أهله ليس أكثر، فلا تتحدثوا ولا تتصرفوا كحزب الدستور/التجمع الذي برك على السلطة عقودًا وتحدث عن حق مطلق في حكم شعب بلا أصوات.

إن لم تكن لكم قوة شبابية تجدد الدماء فهذا أمر يخصكم، وقد نتفهمه ضمن تاريخ القمع الطويل الذي تعرض له الجميع لكنه لم يعد يعني من هم خارجكم.

جيرانكم في الوطن يطلبون مؤتمركم قبلكم ليعرفوا من أنتم بعد عشر سنوات من الثورة والحكم المضطرب بلا خطة واضحة، فلم تعودوا ضحايا لأحد، فقفوا وعرفوا بأنفسكم من جديد خارج التحشيد الجماهيري المغرور وهذا واجب لا تفضل.

استنفدتم حقكم  في التأجيل وننتظركم في منعرج قريب