تصر روسيا على إعادة تدوير النظام السوري عربيًا وعالميًا، وهو ما لم تنجح به إلى الآن، ومن أجل هذا الأمر تحاول من حين لآخر تنظيم مؤتمرات واجتماعات لكي تفرض إرادتها ورؤيتها للأزمة السورية والتي تقضي ببقاء بشار الأسد ونظامه، وبهذا تكون السيطرة الروسية على مفاصل الحكم في سوريا اكتملت برضى وتنسيق مع القوى الإقليمية والدولية.

في جولته الخليجية حاول وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف جاهدًا إقناع أنظمة تلك الدول بضرورة إعادة النظام السوري إلى الحضن العربي ضمن مقاعد الجامعة العربية، وهي الخطوة الأولى في طريق تدوير وتأهيل الأسد ضمن محيطه العربي على الأقل، كما حاولت موسكو من خلال جولة وزيرها أن تكسر قانون العقوبات الأمريكي "قيصر" المفروض على النظام السوري واستجلاب دعم ينقذ الأسد من الحصار الخانق عليه.

في هذا الشأن يقول الكاتب والباحث في العلاقات الدولية هشام منوّر، عن جولة لافروف الخليجية إن "وزير الخارجية الروسي يروم البحث عن مخرج لحليفه في دمشق، بشار الأسد، بعد أن أنهكت العقوبات الدولية وتداعيات قانون قيصر والعقوبات الأميركية الدولية على إيران بسبب ملفها النووي، كلاً من الأسد وحلفائه، وأوصلت المواطن السوري المقيم في مناطق سيطرة النظام إلى حافة المجاعة".

 

مسار جديد

انتهت جولة الوزير الروسي باجتماع ثلاثي في العاصمة القطرية الدوحة، حيث اجتمع مع وزير الخارجية القطري والتركي، وكانت سوريا في صلب محادثات المؤتمر، وخرج الثلاثة بمؤتمر صحفي تحدثوا فيه عن المخرجات.

بعد الاجتماع الثلاثي الذي عقده وزراء خارجية روسيا وتركيا وقطر في العاصمة الدوحة، أصدرت الدول المجتمعة بيانًا أكدت فيه "حرصها على الحفاظ على سيادة واستقلال ووحدة الأراضي السورية وفقا لميثاق الأمم المتحدة". كما أكد البيان على "أهمية دور اللجنة الدستورية، وجددت تأكيد احترامها لاختصاصاتها وقواعدها الإجرائية الأساسية كما وضعتها الأطراف السورية".

أما على الصعيد الإنساني في سوريا والذي كان له حصة كبيرة من الاجتماع عبرت الدول المجتمعة عن "قلقها العميق بشأن الوضع الإنساني في سوريا، وتأثير انتشار فيروس كورونا والتحدي الكبير الذي يشكله بالنسبة للنظام الصحي في سوريا"، وفي السياق قال وزير خارجية قطر في المؤتمر الصحفي المشترك إن "الأطراف الثلاثة بحثت تطورات الملف السوري وإمكانية السماح بوصول المساعدات الإنسانية لسوريا".

بدوره قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إنهم بدؤوا "عملية تشاورية جديدة في الشأن السوري مع وزيري خارجية قطر وروسيا تهدف للتوصل إلى حل سياسي دائم في سوريا"، مؤكدًا "أنه لا يمكن إنهاء الصراع في سوريا إلا من خلال إيجاد حل سياسي، لذا يجب الضغط على النظام السوري لكسر الجمود في الوضع الراهن".

وأشار إلى مواصلة التعاون مع قطر لتخفيف الأزمة الإنسانية في سوريا والتوصل إلى حل سياسي. كما أكد على ضرورة زيادة الجهود لمضاعفة المساعدات الإنسانية لسوريا، ولا سيما لمواجهة جائحة كورونا. من جهته، قال الوزير الروسي إن هذا أول لقاء على المستوى الوزاري بين الدول الثلاث بشأن سوريا، مؤكدا مشاركة بلاده في الجهود الدولية لتأمين عودة اللاجئين الطوعية والآمنة إلى سوريا.

وفي تصريحاته أعلن سيرغي لافروف عن "المسار الجديد" بخصوص سوريا وهو "مسار الدوحة"، بقوله إن "هذا أول لقاء على المستوى الوزاري بين الدول الثلاث بشأن سوريا"، مضيفًا أن المسار الجديد "عمره عدة أشهر ولا ينافس مسار أستانا".

حل سياسي إنساني

في تحليل هذا الاجتماع أشار محمد سرميني مدير مركز جسور للدراسات إلى أنه "من الواضح أن سوريا كانت محور اللقاء الروسي-القطري-التركي، وأن هذا اللقاء سيكون بداية لما يمكن تسميته بمسار جديد ذو طابع إنساني/سياسي موازٍ للمسارات الأخرى في الملف السوري هذا المسار الذي يجمع روسيا من جهة وقطر وتركيا من جهة أخرى يُظهر رغبة روسية في البحث عن حلول وسيطة، بعيدًا عن لغة التعنت العلنية التي يطرحها حلفاء النظام".

يضيف سرميني: "ربما يشكل المسعى الروسي محاولة من موسكو للتوصل إلى صيغة مع حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة تجاه سورية تمهيدًا للوصول إلى صيغة يمكن قبولها في واشنطن. عملياً المسار يمثل روسيا مع حلفاء المعارضة الوحيدين تركيا و قطر  هو معاكس لما كان عليه في مسار الاستانة حيث في هذا المسار حلفاء المعارضة هم الأكثر .. وهذا سوف ينعكس على المشهد الأساسي في الملف السوري بشكل عام".

تحدث الكاتب عقيل حسن عن التحرك الروسي في الخليج من أجل سوريا قائلًا: "نحن أمام حراك ديبلوماسي غير مسبوق فيما يتعلق بالملف السوري، وهو حراك أول خطواته تبدأ من ملفات إنسانية لا خلاف حولها، على أمل أن تشكل أرضية قبل الانتقال لمناقشة ملفات حساسة تعتبر العقبات الحقيقية أمام فتح الطريق إلى الحل الشامل، وأهم هذه العقبات مصير بشار الأسد والوجود الإيراني في سوريا" مشيرًا إلى أن روسيا لم تكن لتقبل بالحديث حول هذه النقاط لولا "الضغط الاقتصادي الكبير الذي تعاني منه ويجعلها عاجزة هي وإيران عن تقديم مساعدات تسعف النظام الذي يعيش أوضاعاً متدهورة على هذا الصعيد".

 

 

إبعاد إيران

في الإشارة إلى غياب الدور الإيراني يقول عقيل حسن: "من الواضح أن روسيا وتركيا أرادتا إبعاد إيران عن المسار الجديد على أن يكون ذلك مقابل قصر الحضور الخليجي فيه على قطر، ورغم الزيارتين اللتين أجراها سيرغي لافروف إلى كل من السعودية والإمارات، إلا أن التحاق هاتين الدولتين بشكل رسمي به لم يكن مطروحاً، لكن من الواضح أيضاً أن الأفكار التي كانت بجعبة وزير الخارجية الروسي كانت مقبولة من الرياض وأبو ظبي، حيث عبر المسؤولون في الدولتين عن تأييد مبدئي لعودة سوريا إلى الجامعة العربية مقابل الابتعاد عن إيران".

يضيف الكاتب السوري أن "المعلومات المتوفرة حتى الآن تفيد بعرض روسيا الموافقة على دخول المساعدات الإنسانية إلى مناطق سيطرة المعارضة مع التنازل عن شرط مرورها من خلال المعابر التي تخضع للنظام، مقابل تعهد دول الخليج بالمساهمة بشكل أكبر في برامج الأمم المتحدة للمساعدات المخصصة للمناطق التي يسيطر عليها النظام، وهو أمر لا يمكن أن يشكل نقطة خلاف بطبيعة الحال".

سوريا والعودة إلى الجامعة العربية

بالعودة إلى موضوع سوريا والجامعة العربية، فقد عمل لافروف على إقناع الدول التي زارها بضرورة عودة دمشق إلى مقعدها في الجامعة، وبالطبع فإن أبو ظبي وافقت على المقترح الروسي خاصة أنها دعت قبل ذلك إلى ضرورة عودة سوريا "إلى حضنها العربي"، إذ قال وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد في مؤتمر صحفي جمعه مع نظيره الروسي خلال زيارته إلى أبو ظبي:

"عودة سوريا للعمل الإقليمي مع محيطها العربي أمر لا بد منه". مضيفًا إلى أن "هناك منغصات بين مختلف الأطراف، ولا يمكن إلا العمل على عودة سوريا لمحيطها الإقليمي، وأحد الأدوار المهمة التي يجب أن تعود إليها سوريا دورها في الجامعة الجامعة العربية، ولا شك أن ذلك يتطلب جهداً أيضاً من الجانب السوري وجهداً من زملائنا في الجامعة العربية".

وجهة النظر السعودية لم تخالف ما نطقه عبد الله بن زايد، حيث صرح وزير الخارجية السعودي عن الموضوع خلال اللقاء مع الوزير الروسي قائلًا: "إن سوريا تستحق الاستقرار والعودة إلى محيطها العربي والإقليمي، والسعودية حريصة منذ بداية الأزمة على إيجاد سبيل لإيقاف النزيف الحاصل في بلد شقيق ومهم"، مشيرًا إلى أن "المملكة تتفق مع روسيا على أهمية إيجاد مسار سياسي يؤدي إلى تسوية واستقرار الوضع في سوريا، مؤكدًا على أنه لا يمكن حل القضية السورية إلا سياسيًا.

لكن قطر وعلى لسان وزير خارجيتها اعتبرت أن الأسباب التي تقف عائقًا أمام العودة إلى الجامعة ما زالت قائمة، في السياق، علق رئيس "هيئة التفاوض السورية" المعارضة، أنس العبدة على إعادة سوريا إلى الجامعة العربية قائلًا: "عودة سوريا إلى الحضن العربي وجامعة الدول العربية أمر مهم ومؤثر"، مشيرًا إلى أن "السؤال الأهم: هو من الذي يمثل الشعب السوري في مقعد الجامعة العربية"؟ وفي سلسلة تغريدات على حسابه على "تويتر"، أضاف العبدة "هل هو النظام الذي قتل شعبه وهجّره ودمّر بلده، وجلب إلى قلب الشرق الأوسط إيران وميليشياتها التي تُهدد السلم في المنطقة؟".

رياض حجاب مجددًا

في الدوحة أيضًا وليس بعيدًا عن أجواء الاجتماع الثلاثي كان هناك طرفٌ سوري غائب حاضر، حيث التقى وزير الخارجية التركي بالمنسق السابق لـ "الهيئة العليا للتفاوض"، رياض حجاب، وناقش الجانبان خلال اللقاء التطورات الأخيرة المتعلقة بالوضع في سوريا، ولم تصدر أي تصريحات إعلامية عن حجاب حول هذا اللقاء، كما لم يقدم جاويش أوغلو أي تفاصيل إضافية حول مضمون المباحثات التي أجراها مع حجاب.

عقب ذلك، ظهر رياض حجاب في مقابلة على قناة الجزيرة ليقول: "إن التغيير في سورية قادم، وهو تغيير حقيقي، مؤكداً أن بشار الأسد بقي في السلطة بفضل إسرائيل التي عملت عملت بكل استطاعتها على بقائه، وأن محاسبة الأسد اقتربت ولا يمكن إعادة إنتاجه. وأكد حجاب "إن قصة الثورة السورية لم تنتهي ويجب أن يثق الجميع بحتمية التغيير".

وأكد حجاب أن "انتخابات الرئاسة التي يتجه نظام الأسد لإقامتها لا شرعية لها، متسائلاً: ما هو البرنامج الانتخابي لبشار الأسد، هل مزيد من الفقر والجوع؟ ماذا سيقدم بشار الأسد للسوريين؟ مستطرداً إن الأسد “يريد من الانتخابات، أن يعزز موقفه التفاوضي، ويُفشل المحاولات الأممية لحصول أي إصلاح دستوري حقيقي، وأن يقطع أي محاولة دولية من أجل الحديث عن مصيره".

التوقيت الذي ظهر فيه حجاب أثار سيلًا من التحليلات بين السوريين على وسائط التواصل الاجتماعي، حيث أتى بعد اجتماع الدول الثلاثة، خاصةً أن السوريون باتوا يتعلقون بأي بارقة أمل لإنهاء مأساتهم المستمرة منذ 10 سنوات على يد النظام وعصاباته، ولا شك أن كثيرٌ من الشعب السوري ينظر بإيجابية لرياض حجاب كرجل دولة.